الحروب لا تنتهى.. أجسادنا تحتفظ بالصدمة «1»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

توقف إطلاق النار.. لكن الهواء الذى مرت به الطلقات والقذائف والمسيّرات لن يعود كما كان، والآذان التى انتبهت، والعيون التى حدّقت، والأجساد التى ارتجفت لن تعود كما كانت. 

«فالأجساد تحتفظ بالنتيجة» وتبقى الصدمة- الناتجة عن الحروب وحوادث السيارات، أو الاعتداءات التى لا يكون فيها الفرار ممكنًا، ونكون عاجزين ولا نستطيع التصرف والفعل- مؤثرة فى نفوسنا وعقولنا وأجسادنا. 

هذا ما يؤكده عالم الطب النفسى بيسيل فان دير كولك «١٩٤٣»، الأب الروحى لـ«العلاجات القائمة على الجسد»، ومؤسس مركز الصدمات فى بروكلين، بوسطن، والملقّب بـ«رجل العلم الذى أعاد الروح للطب النفسى».

ولد بيسيل فان دير كولك فى عام ١٩٤٣ فى مدينة لاهاى بهولندا، ونشأ فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، ما جعله يختبر «جو الصدمة» بشكل غير مباشر؛ حيث كان والده سجينًا سابقًا فى معسكرات الاعتقال النازية، ويلاحظ منذ صغره كيف يمكن للماضى الأليم أن يظل حاضرًا فى صمت المنازل وسلوك الأفراد.

درس فان دير كولك الطب فى جامعة هايدلبرغ فى ألمانيا، وانتقل إلى الولايات المتحدة فى الستينيات من القرن الماضى، وأكمل دراسته فى جامعة شيكاغو. وأثناء عمله فى مستشفى قدامى المحاربين، عام ١٩٧٨، التقى جنودًا يعانون من كوابيس وردود أفعال جسدية غريبة. لاحظ أنهم لا يستطيعون «وصف» ما يشعرون به بالكلمات، بل «يعيشونه» بجوارحهم. عندما عرض عليهم العلاج بالكلام التقليدى، لم ينجح، ما دفعه للتساؤل: «لماذا لا يستجيب العقل للمنطق، بينما يظل الجسد مرعوبًا؟». وبدأ دراساته التى تربط بين المخ والجسد، فوجد أن الدماغ يتكون من ثلاثة أقسام تستجيب للتهديدات بطرق مختلفة:

١- جذع الدماغ أو الدماغ الزاحف، مسئول عن وظائف البقاء وردود الأفعال.

٢- الجهاز الحوفى يدير العواطف والسلوك الاجتماعى، وهو استجابات الكر والفر والتجمد.

٣- قشرة الفص الجبهى مسئولة عن التفكير المنطقى واتخاذ القرارات. 

وعندما يتعرض الإنسان لخطر تتوقف قشرة الفص الجبهى عن العمل، وينشط الدماغ الزاحف، دافعًا إيانا إلى الكر والفر أو التجمد.

ويتمثل دور الجسم فى المواقف الخطرة فى الجرى أو الصراخ أو المقاومة أو اتخاذ أى إجراء آخر لمواجهة التهديد. لكن عندما نعجز عن المقاومة أو الفرار، يكون الملاذ الأخير للجسم هو حالة التوقف التام، أو ما نسميه الصدمة.

مع استجابة التجمّد والتوقف التام، يتولى الجهاز العصبى اللا إرادى زمام الأمور، ما يؤدى إلى تباطؤ معدل ضربات القلب، وضيق التنفس، وفقدان قوة العضلات. قد يشعر المرء بالخدر أو الانفصال عن الواقع، أو قد يُغمى على البعض، بينما ينفصل آخرون عن الواقع، ويجدون أنفسهم يشاهدون الاعتداء أو الحدث كمراقبين، كما لو كان يحدث لشخص آخر. وقد تكون هذه الاستجابات فى حالة التعرض المباشر لأسباب الصدمة، كما يحدث حاليًا فى كل المناطق المنكوبة فى العالم.. فى غزة، لبنان، إيران، أو أى منطقة أخرى تعرض سكانها لقصف أو ضرب بالصواريخ. 

لكن حتى ونحن نعيش فى أماكن آمنة ولا نتعرض لخطر مباشر يمكن أن يسبب لنا صدمة، لا ننجو من أهوال الحروب التى نتابع مشاهدها عبر الشاشات، فالعلم الحديث يؤكد أن مشاهدة أهوال الحروب عبر الشاشات يمكن أن تؤدى إلى ما يُعرف بـ«الصدمة الثانوية» أو «الصدمة بالنيابة»، وهى حالة تقترب فى أعراضها وتأثيرها البيولوجى من الصدمة المباشرة. فمع تكرار مشاهدة مقاطع عنيفة أو مأساوية بشكل متكرر، فإن «كاشف الدخان» فى دماغك «اللوزة الدماغية» لا يفرق دائمًا بين الحقيقة والشاشة. يفرز الجسم هرمونات التوتر «الكورتيزول والأدرينالين» وكأنك فى قلب الحدث، ما يؤدى إلى:

■ اضطرابات فى النوم وكوابيس.

■ شعور بالانقباض فى الصدر أو آلام فى المعدة.

■ حالة من «التحفز المفرط» وكأن خطرًا ما سيحدث لك. 

وأحد أخطر تأثيرات مشاهدة الحروب هو الشعور بـ«العجز الشديد»، وهو العجز المكتسب، كما يصفه د. فان دير كولك.. فى الصدمة المباشرة، يحاول الجسد الهرب أو القتال، لكن أمام الشاشة أنت تشاهد مآسى لا تملك القدرة على تغييرها. هذا «التجمّد» يؤدى إلى تراكم الطاقة العصبية داخل الجسد دون تصريف. ومثل ضحايا الحروب، قد يصاب المشاهد المتابع لأحداث الحروب عبر الشاشة بـ«زعزعة الإيمان بالأمان». يبدأ العالم يظهر كمكان مظلم وغير عادل، وتفقد الأشياء اليومية معناها، وهو ما يسمى «الإجهاد التعاطفى»، حيث يصبح الشخص إما مفرط الحساسية أو يصاب بـ«تبلد عاطفى» كآلية دفاعية لحماية نفسه من الألم، ورغم أن من عاش تجربة فى الحقيقة اختبر الرائحة، الصوت الحقيقى، والتهديد المباشر للحياة، ما يجعل الصدمة أعمق فى «الذاكرة الجسدية»، وأن صدمة الشاشة هى صدمة «بصرية ومعرفية»، لكنها قادرة على تحفيز جروح قديمة أو خلق اضطرابات نفسية حقيقية. 

وللحديث بقية..

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق