في خضم أزمة سياسية معقدة ومستمرة، انشغلت الأوساط السياسية والشعبية في ليبيا بمقترح أميركي مثير للجدل منسوب إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي. يتعلق هذا المقترح بدمج الحكومتين المتنازعتين على السلطة في محاولة لإنهاء حالة الانقسام الطويلة. وقد أثار هذا الطرح حالة غير مسبوقة من التباين في المواقف بين مختلف القوى الفاعلة على الساحة السياسية، مما يعكس عمق الأزمة وغياب الثقة بين الأطراف المتصارعة على النفوذ.
حسب تقرير لـ الشرق الأوسط ووكالات أنباء ومصادر دبلوماسية متطابقة، فإن المبادرة المطروحة تقضي بتولي الفريق صدام حفتر، نجل القائد العام للجيش الوطني في الشرق، رئاسة المجلس الرئاسي الجديد بدلاً من رئيسه الحالي محمد المنفي. وفي المقابل، يضمن المقترح بقاء عبد الحميد الدبيبة في منصبه رئيساً لحكومة الوحدة الوطنية مع احتفاظه بوزارة الدفاع، وهو ما اعتبره البعض تسوية براغماتية لتجنب الصدام العسكري.
وسارع رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، مدعوماً بكتلة واسعة من أعضاء المجلس، إلى إعلان رفض قاطع لهذه المبادرة مساء الاثنين. واعتبر الرافضون أن هذه الخطوة تمثل قفزاً على الإرادة السياسية والمؤسسات الشرعية، وتجاوزاً للمسار الديمقراطي الذي يطمح إليه الشعب. وأكدوا أن الحل يجب أن ينبع من توافق داخلي ليبي حقيقي، وليس عبر إملاءات أو تسويات خارجية تفرض أمراً واقعاً على حساب استقرار البلاد.
حسابات المصالح وتقاسم النفوذ
في المقابل، برزت أصوات سياسية كثيرة داخل الساحة الليبية رأت في موقف الرافضين للمقترح محاولة واضحة لتحقيق مصالح شخصية ضيقة. وفسر هؤلاء المراقبون الرفض بأنه سعي للحفاظ على المكاسب الحالية وتجنب الإقصاء من المشهد السياسي، بدلاً من إعلاء المصلحة الوطنية العليا. ويعتقد كثيرون أن المقترح الأميركي ليس سوى صفقة صريحة لتقاسم النفوذ والموارد بين معسكري صدام والدبيبة برعاية دولية مباشرة.
وفي هذا السياق، ثمنت عضو المجلس الأعلى للدولة، أمينة المحجوب، موقف مجلسها الرافض للمقترح جملة وتفصيلاً. ووصفت المحجوب المبادرة بأنها مجرد صفقة لتقاسم السلطة بين قوى الأمر الواقع، نافية بشدة أن يكون رفض المجلس نابعاً من الخوف على تهميش دوره السياسي. وأوضحت أن المشكلة الجوهرية تكمن في اختيار شخصيات بعينها لتقلد المناصب العليا دون الرجوع إلى المؤسسات التشريعية والتنفيذية المعنية.
وشددت المحجوب على أن تجاوز مجلسي النواب والأعلى للدولة في هذه التفاهمات يعد تقليلاً متعمداً لدورهما المحوري وخروجاً صريحاً عن المسار الدستوري المتفق عليه في ليبيا. وأكدت أن أي محاولة لفرض حكومة أو تشكيلة رئاسية جديدة بعيداً عن قبة البرلمان والمجلس الاستشاري ستؤدي إلى تعقيد المشهد وإفشال أي جهود حقيقية للوصول إلى الانتخابات التي يترقبها ملايين المواطنين لإنهاء المراحل الانتقالية.
معضلة الانقسام وغياب المسار الانتخابي
لا تزال الأزمة تعتصر البلاد التي تعيش معضلة انقسام سياسي وجغرافي حاد، تتمثل في وجود حكومتين متنافستين تدعي كل منهما الشرعية. الأولى هي حكومة الوحدة الوطنية المتمركزة في العاصمة طرابلس وتدير المنطقة الغربية، والثانية حكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تبسط نفوذها على المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب، وتحظى بدعم قوي من المشير خليفة حفتر وقواته المسلحة.
من جانبه، اعتبر عضو مجلس النواب، عمار الأبلق، أن كل ما يتم تداوله بشأن المقترح الأميركي حتى الآن مجرد تسريبات إعلامية غير مكتملة المعالم. وأوضح أنه لا يمكن لأي سياسي عاقل تحديد موقف نهائي استناداً إلى شائعات أو تسريبات غير رسمية. وحذر من أن الاتفاق على تشكيل حكومة أو سلطة جديدة دون الاستناد إلى مسار انتخابي واضح وشفاف هو خطوة محفوفة بالمخاطر.
وأكد الأبلق في تصريحات صحفية أن هذه التفاهمات الغامضة كفيلة بتجدد الخلافات العنيفة بين القوى الفاعلة على الأرض، وقد تعيد ليبيا بأكملها إلى نقطة الصفر. كما حذر من مغبة ترسيخ وجود القوى المهيمنة في شرق وغرب البلاد عبر ضمان بقائها في السلطة لفترة زمنية غير محددة، مما سيجعل من المستحيل إقناعهم بالتخلي عن مناصبهم لاحقاً سواء عبر الانتخابات أو غيرها.
وأعرب الأبلق عن اعتقاده الراسخ بأن المعارضة الراهنة للمقترح من بعض الأطراف مدفوعة بحسابات البقاء في صدارة المشهد السياسي وعدم خسارة الامتيازات. ولفت إلى أن محمد المنفي، الحليف السابق للدبيبة، يظل الأكثر تضرراً من هذه المبادرة، لأن قبول المقترح يعني آلياً مغادرة موقعه الرئاسي المرموق. وهذا التهديد المباشر لمستقبله السياسي يجعل معارضته للاتفاق أشد حدة وشراسة من سائر خصوم رئيس الحكومة.
مخاوف التهميش والتحديات الدستورية
على المسار التحليلي نفسه، أوضح الباحث القانوني والسياسي، هشام الحاراتي، أن رفض بعض الأطراف الفاعلة للمقترح الأميركي لا يعود بالضرورة إلى حرصهم على المصلحة الوطنية العليا في الدولة. بل يرى الحاراتي أن هذا الرفض نابع بشكل أساسي من التخوف الشديد من الإقصاء والتهميش في التشكيلة الجديدة. فكل طرف يسعى لتأمين موقعه وضمان حصته من النفوذ قبل الموافقة على أي تسوية قادمة.
وقلل الحاراتي من أهمية الشائعات التي تروجها بعض المنصات الإخبارية وصفحات التواصل الاجتماعي حول اتجاه محمد المنفي لإقالة عبد الحميد الدبيبة من رئاسة الحكومة. وأكد أن المنفي لا يملك أي صلاحية دستورية تخوله اتخاذ قرار الإقالة بشكل أحادي، حيث يتطلب سحب الثقة من الحكومة توافقاً واسعاً ومصادقة من مجلسي النواب والدولة وفقاً لنصوص الاتفاقيات السياسية واللوائح الدستورية المنظمة للمرحلة.
وأضاف الباحث القانوني أن الوضع الميداني المعقد وتوازن القوى العسكرية الدقيق في المنطقة الغربية يجعل من المستبعد اللجوء إلى أي عمل عسكري لتغيير الحكومة أو فرض أمر واقع جديد بقوة السلاح. فالأطراف المسلحة الداعمة لكل فصيل تدرك جيداً أن أي شرارة صراع مسلح ستكلف الجميع خسائر فادحة، وستقضي على آمال الاستقرار الاقتصادي الذي بات مطلباً ملحاً لجميع المواطنين بعد سنوات الصراع.
اجتماعات سرية وخلافات تعرقل الصفقة
في سياق متصل، نقل الباحث السياسي الليبي، حافظ الغويل، تفاصيل إضافية عما أسماه مصادر موثوقة وقريبة من اجتماعات سرية عُقدت في تونس ودول أخرى لمناقشة هذا المقترح. وكشف الغويل أن المشاورات المباشرة وغير المباشرة بين صدام حفتر وممثلي الدبيبة لم تنضج بعد بشكل كافٍ يسمح بإعلان اتفاق رسمي. وما زالت هناك عقبات كبيرة تتعلق بتوزيع الحقائب السيادية والمناصب الحساسة في الدولة.
وأشار الغويل إلى أن مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، يواجه بدوره ضغوطاً سياسية متزايدة داخل أروقة الإدارة في واشنطن بسبب طريقة إدارته لهذا الملف الشائك. وتتردد أحاديث متزايدة في الأوساط الدبلوماسية عن قرب مغادرته لموقعه الحالي، مما قد يهدد بانهيار المبادرة برمتها إذا لم تحظ بدعم مؤسسي واسع من وزارة الخارجية الأميركية وغيرها من الأجهزة المعنية بملف الأزمة في ليبيا.
وأوضح الباحث أن المقترح يواجه تحديات جسيمة، ليس فقط من القوى السياسية المبعدة عن طاولة المفاوضات، بل أيضاً نتيجة الخلافات العميقة داخل كل معسكر على حدة. ففي المنطقة الغربية، يشعر الدبيبة بقلق متزايد إزاء تذمر الشارع من تدهور الوضع الاقتصادي والخدمي. وفي المقابل، تدرك الأطراف في المنطقة الشرقية وجود خلافات وتنافس خفي بين صدام حفتر وأشقائه حول النفوذ وإدارة الملفات الحساسة.
وخلص الغويل في تحليله للمشهد إلى أن إتمام هذه الصفقة المطروحة بهذا الشكل المتسرع لن يكون سوى حل مؤقت وهش لتهدئة الأوضاع. وأكد أن هذا النهج لا يمثل بناءً حقيقياً لأساسات الدولة الديمقراطية الحديثة، بل يكرس هشاشة المؤسسات في ظل انعدام تام للثقة بين القوى الفاعلة التي تفتقر إلى رؤية وطنية موحدة تنتشل البلاد من الفوضى وتؤسس لسلام دائم وشامل ومستدام.
ورغم المواقف الرافضة، أبدى رئيس اللجنة المالية بالمجلس الأعلى للدولة، عبد الجليل الشاوش، اعتراضاً علنياً على موقف مجلسه المتشدد. وعدّ الشاوش هذا الرفض المطلق بمثابة استباق غير مبرر لأي حوار سياسي مقبل قد يخرج ليبيا من نفقها المظلم. ولفت في اتصال هاتفي مع قناة إخبارية محلية إلى أنه يعارض بشدة سياسة إغلاق الأبواب أمام المبادرات الدبلوماسية التي قد تحمل حلولاً عملية.
واختتم الشاوش تصريحاته بالتأكيد على أن الأجدى والأكثر حكمة للقيادات الليبية هو الانخراط الإيجابي والمشاركة الفعالة في أي حوار سياسي جاد. ويرى أن التفاعل مع المبادرات المطروحة يسمح بتعديل مسارها وتوجيهها نحو تحقيق ما يخدم المصلحة العليا للبلاد، بدلاً من الاكتفاء بمقاعد المتفرجين أو ممارسة النقد الهدام الذي يطيل أمد الأزمة ويزيد من معاناة المواطنين الباحثين عن بصيص أمل في استقرار وطنهم.

















0 تعليق