في كتابه «من التاجر إلى الساحر: تحولات صورة اليهود في سيرة الظاهر بيبرس» يقدم عمرو منير، دراسة موسعة عن وضعية اليهود في المجتمع المصري خلال عصر سلاطين المماليك، يستعرض الكتاب الدور الاقتصادي والاجتماعي لليهود وتأثيرهم على الوعي الشعبي، إلى جانب الصور الذهنية المتداولة عنهم في الأدب والسيرة الشعبية.
يركز الكتاب على العلاقة بين اليهود والسحر، بدءًا من تسلط الحكاية على كتب حكماء اليهود والكهان القدماء، التي تضمنت معارف شاملة من نشأة العالم إلى نهايته، بما فيها كتب الملاحم والجفر، في سيرة الظاهر بيبرس، نجد الحكيم يونان يقدم المعارف السحرية لابنه جوان لمساعدته في تحقيق حيلته، بينما ينقض الحكيم إينان ما ورد في كتاب أبيه بعد إسلامه، في دلالة على الصراع بين المعرفة القديمة والممارسات الجديدة.
كما أشار الباحث إلى استخدام رجال الكهنوت المسيحي واليهودي الخدع السحرية في الكنائس والأديرة لإظهار المعجزات، ما دعم الإيمان والتطهر، وجلب المال الوفير للرهبان، وقد خصص عبد الرحمن الجوبري فصلًا للكشف عن أسرار الرهبان، وآخر لأحبار اليهود وأعمالهم في السحر والشعوذة.
في سيرة الظاهر، نرى اليهودي عزرا يستخدم السحر للتحكم بالجغرافيا الطبيعية وحماية ثرواته، بينما توثق بعض مخطوطات الجنيزا العزائم والتمائم السحرية لأغراض الحماية والنجاح، غالبًا مزينة بالنجمة السداسية أو رموز يهودية أخرى، يشير ابن دانيال إلى استعمال العزائم السحرية على الأطفال، بما يوحي بعمق تأثير السحر في الثقافة الشعبية.
كما يؤكد الكتاب على ممارسات اليهود في التنجيم، حيث يروي ابن دقماق أن يهوديًا كان يدير حانوتًا بالقاهرة لأكثر من أربعين سنة، وممارسة السحر الشعبي باستخدام المزامير لعلاج الأمراض والحماية من الشرور، وتشير مصادر أخرى إلى أن السيرة الشعبية استوعبت هذه التصورات الغيبية، وربطت بين السحر والنجاح العسكري والاجتماعي، كما في سيرة الظاهر بيبرس وسيرة أبي زيد الهلالي، حيث كان السحر والطلسمات أدوات حيوية لتحقيق الانتصار.
يتضح من خلال الكتاب أن اليهود في مصر المملوكية لم يكونوا مجرد تجار، بل كانوا جزءًا من النسق الاجتماعي الذي جمع بين التجارة، الدين، والشعوذة، وأن السحر والكهانة كانا متأصلين في تصورات الجماعة الشعبية، ما انعكس في الأدب الشعبي العربي والسير البطولية التي دمجت بين الواقع التاريخي والمعتقدات الغيبية.






