الأستاذ صادق سعد «١٩١٩- ١٩٨٨» مفكر كبير وأحد رموز الحركة الوطنية المصرية، وأحد قادة الحركة الشيوعية فى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضى، ولد فى شبرا لأسرة يهودية، وحصل على بكالوريوس الهندسة سنة ١٩٩٤٢، له العديد من المؤلفات حول فلسطين المحتلة، وتنوعت كتاباته بين التاريخ الاجتماعى الاقتصادى والتحليل السياسى.
أعادت دار «ديوان» مؤخرًا نشر كتابه «فلسطين بين مخالب الاستعمار»، الذى نشر سنة ١٩٤٧، أى قبل النكبة بعام، وهو من الأعمال الأولى التى تناولت القضية الفلسطينية من منظور يسارى، قدم للطبعة الجديدة شهاب إسماعيل حفيد المؤلف، الذى قال إن الكتاب لا يعبر فقط عن موقف صادق سعد الشخصى، بل كان ثمرة التلاقى الفكرى والعمل المشترك بين اليسار المصرى والفلسطينى فى أربعينيات القرن العشرين.
حيث اجتمعت فى القاهرة سنة ١٩٤٥ بعض قيادات الفجر الجديد «صادق سعد ويوسف درويش ومحمد يوسف المدرك» وعصبة التحرر الوطنى فى فلسطين، وهو تنظيم عريض جمع بين صفوفه العمال والمثقفين الفلسطينيين.
كان الهدف منه التنسيق المشترك بمناسبة المؤتمر الدولى «للاتحاد العالمى لنقابات العمال» المزمع عقده فى باريس فى سبتمبر من العام نفسه، كان هذا المؤتمر أول اجتماع دولى يضم ممثلى النقابات العمالية فى العالم أجمع، وبالتالى مثّل فرصة مهمة لعرض القضية الفلسطينية على الساحة الدولية، والخروج من المناورات الضيقة التى تديرها بريطانيا.
الكتاب يحلل سياسات الاستعمار الاستيطانى التى اعتمدتها الصهيونية، من أجل إنشاء مجتمع استعمارى مواز فى فلسطين الانتدابية، بداية من احتلال الأرض عن طريق شرائها من كبار الملاك وطرد الفلسطينيين منها، مرورًا بـ«احتلال العمل»، أى طرد العمال العرب من المؤسسات اليهودية، وقد استعمل صادق سعد لفظ «الاحتلال» بمعنى الاستيطان.
الكتاب أيضًا يرسم صورة عن أفق الفكر اليسارى التقدمى فى مصر وفلسطين فى ذلك الوقت، لقد رفض سعد مقترح تقسيم فلسطين إلى دولتين منذ البداية، وتبنى الحل الذى قدمته «العصبة» للقضية الفلسطينية، وهو الاستقلال الكامل عن بريطانيا وتأسيس دولة فلسطينية واحدة ذات حقوق متساوية لجميع سكانها، عربًا ويهودًا، وهو ما عرف بعد عام ١٩٦٧ بحل الدولة الواحدة.
ولم يكن هذا الحل من وجهة نظر الحفيد من باب «العقلانية» أو اعتراف بالأمر الواقع، بل على العكس تمامًا، فقد كان بدافع تقديم ما هو مبدأى على أى اعتبار آخر.
تأثر المؤلف بكتاب «اضمحلال اليهودية» ١٩٣١ لأوتو هيلر، وهو كاتب يهودى شيوعى «نمساوى تشيكى ألمانى»، وهو الكتاب الذى بلور التحليل الماركسى للمسألة اليهودية القائلة إن خلاص اليهود من الاضطهاد الذى تعرضوا له لن يكون بالبحث عن حل خاص بهم كجماعة دينية مستقلة، ولا بالبحث عن أرض الميعاد المزعومة، بل بالاندماج فى مجتمعاتهم والانخراط فى الحركات التحررية فيها، وقد تبنى صادق سعد هذه الرؤية حتى النهاية.
قام بتغيير اسمه من «أيزيدور سلفادور رفائيل» إلى «صادق سعد»، الذى أعلن إسلامه سنة ١٩٥٧ ليصبح «أحمد صادق سعد»، درس أصول اللغة العربية على يد شيخ أزهرى؛ لكى يتمكن من الكتابة بها فى وقت قصير؛ لأن تعليمه كان بالفرنسية، وحول سؤال: هل اليهود أمة؟ يجيب سعد سنة ١٩٤٧: «إن الأمة هى تلك الجماعة الثابتة التى تكونت تكوينًا تاريخيًا، والتى يشترك أفرادها فى اللغة والمنطقة والحياة الاقتصادية والطبيعة الإنسانية اشتراكًا يجد تعبيرًا له فى الثقافة المشتركة.
ولا شك أن نسبة كبيرة من اليهود، يهود غرب أوروبا وأمريكا، تفتقر إلى غالبية هذه الصفات المميزة، وإن لم تكن تفتقر إليها افتقارًا كاملًا، فهم يفتقرون أولًا وقبل كل شىء آخر إلى المنطقة المشتركة؛ لأنهم مبعثرون بين الولايات المتحدة وأمريكا الوسطى والجنوبية وإنجلترا وأوروبا الوسطى والشرقية، فكيف اليهود أمة إن لم يكن لهم وطن مشترك؟».
الغالبية الكبرى من اليهود لا يتكلمون لغة مشتركة، وهو لا يعتبر العبرية لغة اليهود، إنه فى ذلك الوقت كان يتحدث بها ٣٫١٪ من يهود العالم، ووصفها باللغة الميتة التى لا تستعمل إلا لأداء الفروض الدينية.
فى تقديمه للكتاب الذى صدر قبل ٧٩ عامًا كتب صادق سعد «قد يظهر غريبًا للقارئ أن نكتب عن مشاكل فلسطين فى حين أننا فى مصر نجتاز مرحلة من أدق مراحل تاريخنا، ولكن فى الحقيقة أن قضية فلسطين ليست مختلفة فى جوهرها عن قضية بلادنا، فهى أيضًا قضية التحرر من الاستعمار الأجنبى، وهى أيضًا قضية التحرر من الحكم الرجعى المفروض على الشعب فرضًا، بل لعل التأمل فى قضية فلسطين وتطوراتها يفيد الوطنى المصرى إفادة مباشرة، إذ إنها قضية واضحة جلية ومجردة عن كثير من المناورات التى تجرى وراء الكواليس، كما هى الحال عندنا، فمن هذه الناحية تستطيع قضية فلسطين أن تعطى لدارسها الخطوط الرئيسية لقضيتنا نحن المصريين».

















0 تعليق