يتساءل البعض عن طبيعة الموقف الفرنسى من الحرب الدائرة الآن بين أمريكا- إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وربما يأتى هذا السؤال نتيجة وضع فرنسا كإحدى الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن، ومن لها حق النقض «فيتو». يُضاف إلى ذلك مكانة فرنسا داخل الاتحاد الأوروبى، كإحدى القوى الرئيسية، بل والمؤسسة للاتحاد، خاصةً بعد خروج بريطانيا منه. كما لا ننسى أن فرنسا عضو مؤسس لحلف شمال الأطلنطى «ناتو». ويشير البعض أيضًا إلى الوجود الفرنسى السابق فى المنطقة، وبالتالى المصالح الفرنسية فى المنطقة.
وفى حقيقة الأمر، فإن المعطيات التاريخية تشير إلى تراجع الدور التاريخى لفرنسا، وبالتالى خفوت ثم تلاشى هذا الدور فى العقود الأخيرة، إذ تعتبر فرنسا بحق خير نموذج على الحكمة التاريخية التى ترى أن فى الحروب ليس هناك خاسر ومنتصر، فالخسارة للجميع. فعلى الرغم من خروج فرنسا- وأيضًا بريطانيا- منتصرة فى الحرب العالمية الثانية، وعودة الإلزاس واللورين لها، فإنها فى حقيقة الأمر فقدت دورها كقوة عظمى فى العالم، وفى منطقتنا على وجه الخصوص، لصالح القوى الجديدة أمريكا والاتحاد السوفيتى «روسيا الآن».
ولن نتكلم عن تراجع الدور الفرنسى فى شمال إفريقيا، وخسارة فرنسا الحديقة الخلفية لها، وأقصد غرب ووسط إفريقيا، لصالح قوى جديدة أمريكا وروسيا والصين، ولكن حديثى ينصب أساسًا على منطقتنا.
هنا لا بُد من الإشارة إلى الصراع الخفى بين فرنسا وأمريكا على منطقتنا، إذ تنظر فرنسا إلى المنطقة على أنها «الشرق الأدنى» بما يحمله هذا المصطلح من تداعيات تاريخية، فالشرق الأدنى أى الشرق القريب من أوروبا، الشرق القريب من فرنسا «شرقنا»! وعلى العكس من ذلك تنظر أمريكا- وربما بريطانيا- الآن إلى المنطقة على أنها «الشرق الأوسط»، الأوسط للجميع، مع التوسع الجغرافى للمصطلح، بما يعطى مشروعية لأمريكا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فى التدخل فى المنطقة، إذ ترفض الدوائر العلمية ودوائر صنع القرار فى أمريكا مصطلح «الشرق الأدنى»، بل وتذهب إلى توسيع المجال الجغرافى لـلمصطلح من خلال التعديل الأمريكى على المصطلح، ونقصد به مصطلح «الشرق الأوسط الكبير»، وهو ما لا تقبله الدوائر الفرنسية.
ومع الأحداث المتصاعدة فى المنطقة نلاحظ تركّز الدبلوماسية الفرنسية الآن على المسألة اللبنانية، وصراع حزب الله- إسرائيل. وهنا لا بُد من الإشارة إلى العُقدة التاريخية لفرنسا تجاه لبنان، إذ تظن فرنسا- وحتى الآن- أنها هى التى خلقت «لبنان الكبير»، وهو مصطلح يعرفه جيدًا كل مهتم بتاريخ لبنان والمشرق العربى. وعلى ذلك ترى فرنسا، ويتبعها بعض التيارات اللبنانية، نفسها الأم الرءوم للبنان.
من هنا ترفض فرنسا التدخل الإيرانى، عبر حزب الله، فى لبنان، وكذلك التدخل الإسرائيلى- الأمريكى فى الشأن اللبنانى. ومع ذلك فإن وقائع العقود الأخيرة تشير إلى أن فرنسا لم تفلح فى تقديم أى شىء للبنان، ولا حمايته من التدخل الإيرانى وأيضًا الإسرائيلى، بل وأن قرار السلم ووقف الحرب فى لبنان هو بيد أمريكا بالدرجة الأولى، وهو ما تجلى مؤخرًا فى الدور المتعاظم للمبعوث الأمريكى، توم باراك، الذى هو من أصل لبنانى. ولا تملك فرنسا الآن إزاء الحرب فى لبنان إلا بيانات التنديد، أو شعار «ارفعوا أيديكم عن لبنان».
الأمر الآخر الجدير بالملاحظة فى مسألة موقف فرنسا من الحرب الدائرة الآن، هو طبيعة علاقاتها مع «أصدقائها» من دول الخليج. وهنا لا بُد من الإشارة إلى ازدياد الدور الفرنسى مع دول الخليج العربية. وتجلى ذلك عبر صفقات التسليح التى حصلت عليها فرنسا من دول الخليج، وهو الأمر الذى لا ترحب به أمريكا كثيرًا، لأن أمريكا ترى أنها هى القوة الأولى والأخيرة المهيمنة على مقدرات الخليج منذ نهايات الحرب العالمية الثانية. وبالتوازى مع تجارة السلاح، تستثمر فرنسا تاريخها الثقافى فى الانتفاع من دول الخليج، وخير مثال على ذلك تأسيس فرع لمتحف اللوفر فى أبوظبى وكذلك فرع لجامعة السوربون، والتعاون الفنى الثقافى. كما ينبغى الإشارة إلى استفادة فرنسا من غاز ونفط الخليج.
ولكن يبقى السؤال: ومع كل ذلك، ماذا قدمت فرنسا لأصدقائها الخليجيين فى محنة الحرب؟ تقريبًا لا شىء!
وهذا ما سنتناوله فى المقال المقبل،


