كل عام تعود «الذكرى» خطوة للخلف، فيما يعود التألق لاحتفالات عيد الشرطة، التى تشاركها اليوم نفسه، وهو ٢٥ يناير.
المتمسكون بروح الثورة ونسائمها التى هبت على مصر قبل ١٥ عامًا صوتهم بات ضعيفًا ودون تأثير أو تفاعل، منابرهم صارت قليلة، أحيانًا لا يجدون صحفًا ولا مواقع ولا فضائيات لينشروا عليها إنتاجهم سوى صفحاتهم الشخصية.
الدولة الرسمية، ومنذ عشر سنوات تقريبًا، باتت تتحيز أكثر لاحتفالات عيد الشرطة، فيما تتعامل برؤية نقدية وبمراجعات عميقة للمسار الذى خلقته ثورة يناير.. تهتم بالتداعيات السلبية التى جرت فى القاهرة والمحافظات. يروجون أن الثورة صنعتها أو أسهمت فيها، وخاصة الانفلات الأمنى، والكسادين الاقتصادى والمالى، وخروج جزء مهم من الاستثمارات الأجنبية فى هذه الأجواء.
هذه التصورات الرسمية تذهب إلى أن الديون الخارجية، التى وصلت لمستويات قياسية، وكذلك الديون المحلية على الحكومة هما أحد الإفرازات السلبية لثورة يناير وما تلاها من أحداث سياسية.
السيد الرئيس بنفسه يتبنى هذه الأفكار بشكل كبير. يركز دائمًا على أن الدولة كانت على وشك الانهيار، وأننا دفعنا ثمنًا كبيرًا خلال سنوات عدم الاستقرار، وفى هذه الأجواء تراجعت معدلات السياحة والاستثمار، وانخفض الاحتياطى النقدى، وتعطلت التنمية والمشروعات، وارتفعت معدلات البطالة.
هذا العام، الخطاب الرئاسى أخذ بُعدًا أعمق فى هذا الاتجاه. كلمة الرئيس ولقاؤه، فى حضور كبار قيادات الدولة ورموزها الرسمية وغير الرسمية، تمَّا داخل المقر القيادى لمنظومة الداخلية المصرية، وهى أكاديمية الشرطة. الصفحة الرسمية للمتحدث الرسمى لرئاسة الجمهورية كتبت بيانًا تفصيليًا عن برنامج زيارة الرئيس للأكاديمية ونص الكلمة التى ألقاها سيادته.
ما يهمنى هنا أن المتحدث الرئاسى أكد فى بداية بيانه أن الزيارة والكلمة والرسائل التى وجهها الرئيس لعدد من وزراء الحكومة، وكذلك للرأى العام، جاءت فى مناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة المصرية، ولم يذكر أى شىء عن ذكرى ثورة يناير.
كما قلت فإن «الثورة» غائبة عن الخطاب الرسمى وكذلك الإعلامى.. وأن هذا المنهج سيزداد فى السنوات المقبلة. أنا شخصيًا لا يهمنى الأمر بشكل مبدئى، أتوقف أكثر عند تحقيق الحياة الكريمة والحرية والعدالة الاجتماعية، التى طمح إليها المصريون عندما خرجوا للميادين فى ٢٥ يناير وحتى تنحى مبارك فى ١١ فبراير ٢٠١١، وهى المطالب نفسها التى ركزوا عليها مرة أخرى، خلال الموجات الشعبية التى خرجت فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ضد الرئيس الإخوانى محمد مرسى. وأُضيف فى هذه الثورة شعارات تدعو لاستعادة هوية الدولة المدنية.
لا يهم الآن، مراجعة أحوالنا السياسية والاقتصادية، وهل تحسنت بفعل الثورتين أم لا؟ ما يهمنا أيضًا أن نخرج من حالة عدم الاستقرار، ونتوقف عن إلقاء اللوم عن المعوقات السابقة.. وننطلق للأمام. خطاب الرئيس يوم الأحد بمناسبة عيد الشرطة تضمن مجموعة من الأفكار المهمة حول الواقع الإقليمى المضطرب وموقف مصر منه. لكننى أتوقف عند ما قاله عن ضرورة إصلاح مؤسسات الدولة. ركز الرئيس أيضًا على أهمية تحديث الجهاز الإدارى للدولة، وأهمية المحاسبة والشفافية فى التعيينات.. وكذلك تحسين منظومتى الصحة والتعليم.
عبارات مكثفة قيلت فى الكلمة أو المداخلات، لكنها قوية جدًا. بالفعل نحتاج لثورة فى الإدارة تشمل كل الهيئات الحكومية بالقاهرة والمحافظات. بصراحة شاملة، ورغمًا عن كل الدعايات الرسمية حول الحداثة الإدارية فى مكاتب الحكومة، وسياسة الشباك الواحد، والشمول المالى، فإن منظومة الخدمات الحكومية قبل يناير ٢٠١١ كانت أفضل منها الآن. الآن لدينا تطور تقنى هائل، لكن لم يصاحبه تحديث فى المنظومة الرقابية والقانونية. غالبية القرارات يتم اتخاذها فى عجالة وفى غرف مغلقة ودون دراسات كافية. أيضًا هناك تداخلات لا مبرر لها من جهات بعينها، باتت عبئًا على منظومة الخدمات الحكومية.
النماذج كثيرة وواضحة للمطلوب تحديثه وبشكل عاجل. نتمنى أن تتبع دعوة الرئيس، هذه المرة، خطوات إجرائية إصلاحية، لكى نستطيع بعدها أن نقول إن الأوضاع صارت أفضل.
أما واقع الحريات والمجتمع المدنى والأحزاب، والمقارنة لما قبل يناير ٢٠١١ وأوضاعها الآن، فتلك قضية أخرى. سأتوقف عندها فى مقال جديد.
- 13 عامًا على 30 يونيو.. ثورة أنقذت الدولة وأطلقت الجمهورية الجديدة
- مجدي البري: 30 يونيو نقلت مصر من مرحلة إنقاذ الدولة لتأسيس الجمهورية الجديدة
- الرئيس السيسي: ثورة 30 يونيو جسدت إرادة المصريين للحفاظ على هوية الدولة المصرية
- ثورة عبد الغنى آل جميل.. أول انتفاضة شعبية فى بغداد ضد الحكم العثمانى
- النائب إبراهيم البنا: ثورة 30 يونيو أسست لنهضة اقتصادية شاملة





