ظاهرة المقاهى من الظواهر القديمة المتجددة فى مصر، سواء اتخذت اسم «القهوة» الشائع فى الأحياء الشعبية، أو اسم «الكافيه» داخل الأحياء المتوسطة والثرية. لا نستطيع بحال أن نحدد عدد المقاهى والكافيهات داخل القاهرة أو على مستوى الجمهورية فى الوقت الحالى، والسر فى ذلك كثرتها وتناميها المستمر، ووجود سجلات تضم بعضها، وعدم تسجيل بعضها الآخر، لكننا فى كل الأحوال نستطيع القول إن لدينا عشرات الآلاف من المقاهى والكافيهات التى تنتشر فى كل حدب وصوب من أرض المحروسة مصر.
تستطيع أن تستدل على ذلك من تأمل أعداد المقاهى فى حقب قديمة بالنسبة لعدد السكان، لتخلص إلى حقيقة أن عدد المقاهى والكافيهات حاليًا يعد بعشرات الآلاف. ارجع على سبيل المثال إلى دراسة «المصريون المحدثون» ضمن أعمال كتاب «وصف مصر» الذى وضعته الحملة الفرنسية، وستجد أن القاهرة كانت تضم- أوائل القرن التاسع عشر- ١٢٠٠ مقهى، بخلاف مقاهى مصر القديمة وبولاق، حيث ضمت مصر القديمة ٥٠ مقهى، أما بولاق فبلغ تعداد مقاهيها ١٠٠ مقهى، يعنى ذلك أن إجمالى عدد مقاهى العاصمة كان ١٣٥٠ مقهى، فى وقت كان عدد السكان فيه ٢.٥ مليون نسمة، ولك أن تتوقع كم عدد المقاهى والكافيهات حاليًا فى وقت يقترب فيه عدد سكان مصر من ١١٠ ملايين نسمة.
هناك مسافة تفصل، إلى حد ما، بين مقاهى القاهرة القديمة وأغلب المقاهى والكافيهات الحديثة. المقاهى أيام الحملة الفرنسية كانت عبارة عن أماكن فسيحة تتراص فى جوانبها «الدكك الخشبية»، وتفرش الدكك فى العادة بالحصر أو السجاجيد، «وذلك فى المقاهى الفاخرة»، وكان الزبون من هؤلاء يضطجع على «الدكة»، ويتناول فنجان القهوة ويأخذ فى الرشف منه.
وقتها كان المصريون معتادين على شرب القهوة دون سكر، وقد فوجئوا بالفرنسيين يشربونها «سكر زيادة»، وكان هذا الأمر محل سخريتهم، لأن «القهوة» لا تعد قهوة- من وجهة نظرهم- إلا لو كانت «سادة».
وكانت المقاهى فى ذلك الوقت تخضع لتنظيم دقيق، ويشرف عليها رئيس يشترى لنفسه حق التزامها، وتدفع له المقاهى رسمًا سنويًا، ولم يكن بمقدور أى صاحب مقهى أن يعمل بعيدًا عن هذا الإشراف، بل ولم يكن له أن يبدأ العمل إلا بتفويض من المشرف على الحرفة. ويعنى ذلك أن ظاهرة المقاهى- أوائل القرن التاسع عشر- لم تكن فوضوية، بل كانت منظمة وعليها إشراف.
وكان التدخين يمثل طقسًا آخر من طقوس المصريين وهم يرشفون القهوة على المقاهى، وأداة التدخين هى «الشُبُك»، وهى عبارة عن «غليون طويل» يوضع فيه الدخان، ويشد الفرد الأنفاس من قصبته، وكان أصحاب المقاهى يحتفظون بعدد من النارجيلات لمن يحب أن يدخن نارجيلة.
وإلى جانب القهوة والدخان كان يقدم مخدر الحشيش والأفيون داخل المقاهى، إذ كان حتى ذلك الوقت متاحًا للبيع والشراء، لم تكن السلطات حينذاك تمنع الحشيش والأفيون، لكنها كانت تضبط من يتلبس بحالة سكر، ويُحدِث ما يُحدِثُه السكارى من صخب.
وخلال هذه الفترة كان للمنشدين والرواة أدوار مهمة داخل المقاهى، إذ كانوا يطربون روادها بالإنشاد وقص الحكايات الدينية والتاريخية، مثل قصص «أبوزيد الهلالى» و«الزينى بركات» و«على الزيبق» وغيرها.
ويذكر «عبدالمنعم شميس» مؤلف كتاب «قهاوى الأدب والفن فى القاهرة» أن «فن القافية» كان يمثل وسيلة أخرى لتسلية الجالسين على المقاهى: «والقافية مباراة كلامية بين شخصين يطلب أحدهما من صاحبه أن يدخل معه فى قافية، وعندما يقول الأول كلامًا لاذعًا فى وصف صاحبه يقول الشخص الآخر (اشمعنى) وهى اختصار لعبارة (إيش معنى؟)، فيرد عليه الشخص الأول ردًا لاذعًا أيضًا، ومن شروط هذه المباراة ألا يغضب أحد الطرفين مما يقال»، واشتهر بعض المقاهى بكونها مقاهى فن ونغم تقدم الأغانى والطرب.
تحتفظ بعض الكافيهات المعاصرة ببعض سمات المقهى القديم، خصوصًا فى استخدام الآرائك الدوارة التى تلتف حول منضدة أو أكثر، وهى تختلف فى شكلها وفرشها الوثير عن الدكك المتواضعة داخل مقاهى القرن التاسع عشر، لكنها تتشارك معها فى الطبيعة، وخصوصًا حين تتيح للمرتاد الاضطجاع عليها.
وتحتفظ الكافيهات المعاصرة بمشروب القهوة الذى يعد المشروب الأشهر لمرتاديها، يضاف إليه بالطبع قائمة من المشروبات الجديدة التى لم يعرفها أجدادنا.
عادة التدخين أيضًا ما زالت قائمة على الكافيهات المعاصرة مثلما كان الحال على المقاهى القديمة، لكن التدخين يتوقف عند حد التبغ الذى لم يعد يدخن فى «غليون» كما كان الوضع فى الماضى، بل فى لفافات السجائر، لكن النارجيلة ما زالت موجودة داخل الكافيهات، كما كان الوضع فى الماضى. بعض كافيهات اليوم يقدم الأطعمة والحلويات إلى جوار المشروبات، وقد تحول بعضها إلى سلاسل شهيرة، وأصبح بعضها الآخر ملحقًا بفنادق كبرى.
ومن اللافت أيضًا أن افتتاح «كافيه» بات مشروعًا مغريًا بالنسبة لكثيرين، حيث يعتبرونه مشروعًا مربحًا، ويجتهد صاحب كل مشروع فى تجديد أنواع المشروبات والأطعمة والحلويات التى تتاح للرواد، وأنواع التسلية التى تقدم لهم، والتى بات التليفزيون وما يبثه من مباريات كرة «حصرية» وسيلة للجذب، بالإضافة إلى إتاحة بعض المطربين والمطربات الذين يؤدون وصلات غنائية على أنغام فرق موسيقية فى مشاهد تتشابه مع ما كان يسود بعض المقاهى المصرية، خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
فى كل الأحوال تظل مشاهد المقاهى والكافيهات فى مصر معبرة عن ساحة من ساحات الترفيه التى يفضلها المصريون، أيًا كان مستواهم الاجتماعى والاقتصادى.






