«الهاربات» هو العرض التونسى الذى حصد جوائز أفضل عرض وأفضل نص، لوفاء طبوبى، وأفضل ممثلة، لبنى نعمان، بمهرجان المسرح العربى، وهى جوائز تعكس تماسك الرؤية الفنية وتكامل عناصر العرض المسرحى.
العرض المسرحى «الهاربات» من تأليف وإخراج وفاء طبوبى، المخرجة التونسية التى يحمل مشروعها الإبداعى همًّا أنثويًا- إنسانيًا واضح المعالم، يتبدّى فيما تعكسه عروضها من رؤية للعالم، تتكئ فيها على الأنثى، لتنفتح على أفق الإنسان والوجود، حيث الحركة فى أعمالها ليست انتقالًا مكانيًا بقدر ما هى ارتحال داخلى، بحث عن معنى، وعن خلاص مؤجل.
سبق أن شاهدتُ لها عرضى «الأرامل» و«آخر مرة»، حيث تتكرر تيمة الضجر وفقدان البوصلة والبحث عن الذات والانتظار، لتبلغ فى «الهاربات» درجة أكثر تجريدًا. يحمل العرض عنوان «الهاربات»، بينما تتبدى لنا على الخشبة خمس نساء ورجل واحد، فقدوا الطريق، ويسيرون فى فضاء غير محدد، باحثين عن مَخرج، متبعين إحداهن التى تقنعهم بأنها تعرف الطريق، غير أن الرحلة تطول، ويتحول المسير إلى حالة دائرية من التيه، حيث لا مكان واضحًا ولا نهاية مرئية.
خلال الرحلة، تنفتح مساحات البوح تحكى الشخصيات عن أوجاعها، كاشفةً عن ملامح طبقة متوسطة تتآكل وتندثر، وطبقة فقيرة ترزح تحت ثقل الفقر والعوز والعنف الاجتماعى والاقتصادى، هؤلاء هم «هامش الهامش»، أناس لا يراهم العالم، ولا يلتفت إليهم، حتى وإن اختفوا فلن يبحث عنهم أحد، فيصبح البوح هنا معادلًا مسرحيًا للإعلان عن الوجود، صرخة فى عالم منشغل بالحروب والقتل، وبالسطو على ثروات الآخرين، عالم يبحث عن النفط أكثر مما يبحث عن الإنسان.
نسأل أثناء العرض سؤالًا معاصرًا: لماذا لا يستخدمون الخرائط الإلكترونية أو الـGPS؟، ويأتى الرد متأخرًا، حين يستخرج أحدهم هاتفه المحمول، فلا يجد شبكة، إجابة تبدو بسيطة، لكنها تكشف فكرة العزلة الكاملة، العزلة عن العالم، وعن التكنولوجيا، وعن أى نظام إرشاد غير بشرى، ويلفت النظر إلى أنهم ربما منشغلون بالبحث عن الإنسان لا عن الآلة.
مع تصاعد الإيقاع، يتفكك الجمع، يرتبك الباحثون عن الطريق، يتخبطون، يتبادلون الاتهامات، ويحاول كل فرد أن يجد خلاصه منفردًا، وهنا تتجلى واحدة من أجمل لحظات العرض بصريًا ودلاليًا، عبر توظيف عضوى بالغ الجمال للإضاءة:
يسير كل منهم فى خط نور خاص، خطوط مستقيمة متقطعة متقاطعة، لا تقود إلى الخارج، بل إلى الداخل.
مسارات الضوء لا ترسم طريقًا مكانيًا، بل تكشف مسارًا ذاتيًا، إنه بحث كل شخصية عن مسار الضوء الداخلى الخاص بها، الذى كان ينبغى لها البحث عنه منذ البداية، وحين يكتمل هذا الوعى الفردى، فإنه يقودها ويتقاطع بالضرورة مع وعى جمعى، حيث تتجمع الشخصيات فى بؤرة واحدة، وتستشرف طريقًا صحيحًا ما دام بحثت عنه.
على مستوى الأداء، يقدّم العرض خمس ممثلات بديعات هن: فاطمة بن سعيدان ومنيرة الزكراوى ولبنى نعمان وأميمة البحرى وصابرين عمر، وممثلًا بديعًا هو أسامة الحناينى، وقد استطعن واستطاع تحقيق معادلة شديدة الصعوبة هى ضبط الإيقاع الفردى لكل شخصية داخل نسيج جماعى متماسك، فلكل ممثلة صوتها الداخلى، وتوترها الخاص، وإيقاعها النفسى المختلف، دون أن يتحول هذا التمايز إلى نشاز أو استعراض منفصل، بل على العكس، يتشكل الأداء الجماعى بوصفه كيانًا واحدًا يتنفس بتعدد، ويتحرك وفق موجات مدٍّ وجزر دقيقة، تتقدم فيها شخصية، وتتراجع أخرى، دون أن يختل الميزان العام للعرض.
لقد قدموا لنا درسًا مهمًا فى أداء الممثل، من حيث توظيف الطاقة ودمج طاقة الفردى فى الجماعى، هذا الوعى الجماعى بالأداء يعكس حسًا عاليًا بالمسئولية الفنية، وقدرة على الإصغاء المتبادل، تجعل من الجسد والصوت فعلين دراميين لا يقلان أهمية عن الكلمة.
وتأتى الإضاءة، لـفيصل صالح، بوصفها شريكًا خلاقًا فى إنتاج المعنى، لا مجرد عنصر تقنى مكمِّل، إضاءة عبقرية تتجاوز وظيفتها التوضيحية، لتصبح أداة تفكير بصرى، تخلق دلالات نفسية ووجودية عميقة، وتدعم رؤية المخرجة فى تحويل الرحلة من مسار مكانى إلى مسار داخلى.
خطوط النور، وتقطعاتها، وانكساراتها، لم تكن ترسم الطريق بقدر ما كانت تكشف هشاشته، وتفضح وهم اليقين، وتؤكد أن الخلاص لا يُمنح بل يُكتشف.
أما السينوغرافيا، أزياء مروة منصورى وديكور لطفى الجبالى، بالتضافر مع رؤية المخرج، فجاءت فى أقصى درجات البساطة الذكية أو السهل الممتنع، فراغ مسرحى ذو ألوان محايدة، يتراجع فيه الديكور لصالح أجساد الممثلين، التى شكّلت اللبنات الأساسية للتكوين البصرى، أجساد تتحرك، تتجاور، تتصادم، وتنكمش، لتصنع الفضاء أكثر مما تشغله. غير أن هذا الحياد البصرى كان يُكسر دومًا عبر تيمة لونية حمراء، تتسلل بوعى ودقة فى الشنطة الحمراء التى تحملها السيدة العجوز، فى بلاطات الرصيف، وفى البناطيل الحمراء التى تنكشف حين يجلس الجميع مستندين إلى الرصيف، ويتبادلون الحكى والبوح، وبدا لى أن الأحمر علامة على الجرح، وعلى الحياة، وعلى الخطر الكامن.
بهذا التضافر بين الأداء، والإضاءة، والسينوغرافيا، ينجح العرض فى بناء عالمه الجمالى والفكرى، غير أن السؤال يظل معلقًا: هل ممر النور الذى يصلون إليه هو ممر داخل العالم أم خارجه؟، هل هو خلاص حقيقى، أم مجرد وهم آخر؟، هل هو اندماج فى الواقع أم انسحاب منه؟، وهنا تتكثف دلالة العنوان، «الهاربات»، الهروب من ماذا؟، هل هو هروب من عتمة الأرواح؟ أم من ضغوط اجتماعية واقتصادية خانقة؟ أم من الخوف، ومن الحروب، ومن العنف؟ أم من ضجيج هذا العالم وزيفه وظلمه؟، مما يقودنا فى النهاية إلى سؤال أكثر إلحاحًا وعمقًا: لماذا اختارت وفاء الطبوبى جمع المؤنث عنوانًا للعرض، رغم وجود رجل ضمن الشخصيات؟
وهنا نعود إلى الرؤية الفكرية لوفاء طبوبى، التى أشرنا إليها من قبل، رؤية تتكئ على الأنثى لتنفتح على الإنسان، والأنثى هنا ليست جنسًا بيولوجيًا بل هى موقع وجودى، موقع الهشاشة، والقصى، والمقموع، والمهمّش، فالرجل الموجود على الخشبة لا يُنتج سُلطة، ولا يمارس مركزية، بل يتحرك داخل الحالة الأنثوية ذاتها، ويشاركها القلق والتيه والهروب.
الهروب فى العرض أنثوى لأنه هش، ولأنه بلا حماية، ولأنه يتم من الداخل لا من الخارج، ولأن الأنثى- كما تقدمها الطبوبى- هى الكائن الأكثر قدرة على تحويل الألم إلى وعى، والتيه إلى سؤال.
بهذا المعنى، يصبح عرض «الهاربات» إعلانًا جماليًا وأخلاقيًا فى آن واحد، لا عن نساء يهربن، بل عن إنسانية كاملة تبحث عن خلاصها عبر الأنثنة فى قلب الأنسنة.
- مسلسل مازالت في السابعة عشر الحلقة 3.. مواعيد العرض والأحداث المنتظرة
- مسلسل ورد وذنوب الحلقة 31 مترجمة.. أبرز الأحداث ومواعيد العرض
- مسلسل أورهان الحلقة 22 مترجمة.. مواعيد العرض وأحداث الحلقة الجديدة
- قبل طرحه.. التفاصيل الكاملة لـ مسلسل أركان حرب وقنوات العرض
- إنقاذ كلب على قيد الحياة أسفل ركام عقار أبو سليمان بالإسكندرية.. صور






