تواجه المنطقة فى العقدين الأخيرين أمواجًا متلاطمة من الأزمات والنزاعات المسلحة التى أعادت تشكيل الخارطة الجيوسياسية، وألقت بظلالها القاتمة على طموحات الشعوب فى التنمية والاستقرار. وفى خضم هذا الاضطراب، برزت الدولة المصرية كقوة إقليمية رشيدة، تتبنى استراتيجية ثابتة لا تحيد عنها. وهى الأولوية المطلقة للحلول السياسية والحوار الدبلوماسى. هذا التوجه المصرى ليس مجرد خيار تكتيكى، بل عقيدة سياسية نابعة من إدراك عميق بأن القوة العسكرية، رغم ضرورتها لحماية الحدود، لا يمكنها وحدها بناء سلام مستدام أو إنهاء صراعات متجذرة فى تعقيدات عرقية أو أيديولوجية أو سياسية.
تنطلق مصر فى رؤيتها لحل أزمات المنطقة من مجموعة من الثوابت التى تشكل البوصلة لتحركاتها الدبلوماسية.
وتؤمن القاهرة بأن تفتيت الدول وسقوط مؤسساتها هو المنبع الرئيس للإرهاب والفوضى؛ لذلك تهدف كل تحركاتها إلى دعم الجيوش الوطنية والمؤسسات المركزية، وترى مصر أن تسييس الأزمات من قبل القوى الدولية غالبًا ما يؤدى إلى إطالة أمد النزاع، وأن الحلول يجب أن تنبع من الداخل وبإرادة الشعوب المعنية. ويؤكد الرئيس السيسى ضرورة احترام السيادة وسلامة الأراضى، وهو مبدأ مقدس فى الدبلوماسية المصرية، يرفض أى محاولات للتقسيم أو الاقتطاع من حدود الدول الشقيقة.
وتعتبر مصر القضية الفلسطينية قضية القضايا، وتؤكد دومًا أن استقرار المنطقة يبدأ من حل عادل وشامل لهذه الأزمة. وبينما تشتعل المواجهات العسكرية، تقود مصر جهود الوساطة لوقف إطلاق النار، ليس فقط كتهدئة مؤقتة، بل كخطوة ضرورية للعودة إلى مسار المفاوضات السياسية.
وتتمسك مصر بحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية. وترى القاهرة أن أى محاولات لتصفية القضية من خلال التهجير القسرى أو الحلول العسكرية محاولات محكوم عليها بالفشل، ولن تؤدى إلا إلى انفجار المنطقة بشكل أوسع.
ويمثل الأمن القومى الليبى امتدادًا مباشرًا للأمن القومى المصرى. ومنذ اندلاع الأزمة الليبية، كانت الرؤية المصرية واضحة وهى ليبيا لليبيين. ونجحت القاهرة فى صياغة إعلان القاهرة الذى رسم خطًا أحمر هو «سرت- الجفرة»، ومنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية شاملة، وفتح الباب أمام المسارات السياسية.
وتضغط مصر باستمرار من أجل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة لإنهاء المراحل الانتقالية. وكذلك خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضى الليبية.
ولا بد من توحيد المؤسسة العسكرية لتكون قادرة على بسط السيادة.
وفيما يتعلق بالأزمة السودانية، ترى مصر ضرورة الحفاظ على كيان الدولة، حيث سارعت لاحتواء الموقف عبر مبادرة دول جوار السودان. وتدرك مصر أن السودان يمر بلحظة فارقة تهدد وجوده، لذا ركزت جهودها على ضرورة الوقف الفورى والشامل لإطلاق النار، مع التأكيد أن الحل يجب أن يكون سودانيًا بعيدًا عن الإملاءات الخارجية التى قد تزيد الانقسام. وتستمد مصر قوتها فى الوساطة من كونها طرفًا موثوقًا يمتلك قنوات اتصال مع جميع الأطراف. فهى لا تسعى لتحقيق مكاسب توسعية أو فرض أيديولوجيا معينة، بل تهدف إلى خلق بيئة آمنة تسمح بالبناء والتنمية.
بالإضافة إلى ذلك، تربط مصر بين الأمن والتنمية. فهى تدرك أن الفراغ السياسى والفقر هما الوقود الحقيقى للنزاعات. ومن هنا جاءت مشروعات الربط الكهربائى، والتعاون فى مجال الطاقة مثل منتدى غاز شرق المتوسط، كأدوات دبلوماسية اقتصادية تعزز المصالح المشتركة وتجعل من السلام خيارًا رابحًا للجميع.
إن تمسك مصر بالحلول السياسية ليس ضعفًا، بل قوة مدعومة بقدرات عسكرية رادعة تحمى ولا تعتدى. فى عالم يتجه نحو الاستقطاب، تظل القاهرة صوتًا للعقل، تذكر الجميع بأن لغة الرصاص قد تحسم معركة، لكن لغة السياسة هى الوحيدة القادرة على بناء وطن وإنقاذ مستقبل الأجيال القادمة. ستظل مصر حجر الزاوية فى أى ترتيبات إقليمية، مستمرة فى دورها التاريخى كصانعة سلام وراعية للاستقرار فى منطقة لا تتحمل المزيد من المغامرات غير المحسوبة.
- توافق مصري تركي.. غزة وليبيا والسودان على طاولة الكبار
- فورين بوليسي: هل حسابات الدبلوماسية المصرية في حروب المنطقة تعبير عن الجهل أم البراعة؟
- السيسي يقود العلاقات المصرية العراقية إلى شراكات سياسية واقتصادية وأمنية.. علاقات القاهرة وبغداد تتجه بخطوات متزايدة نحو المستقبل.. وتحويل الاتفاقات إلى مشروعات فعلية
- مجلس الأمن والجامعة العربية يبحثان تعزيز التعاون وسط تصاعد أزمات المنطقة
- مصر على طريق "حلف مكة"؟ الخليج يقود إنقاذ لبنان والعرب




