Advertisement
لهذا السبب، تبدو الزيارة أبعد من مجرد محطة جديدة في العلاقات السعودية - المصرية. التوقيت والظروف المحيطة بها يفتحان الباب أمام قراءة سياسية أوسع ترتبط بمساعي إعادة ترتيب البيت العربي وتعزيز التنسيق بين القوى الأساسية في المنطقة.
المشهد اليوم مزدحم بالتطورات: الحوثيون يتقدمون في منطقة باب المندب، الحرب الإسرائيلية على لبنان مستمرة، فيما تتصاعد التهديدات الإسرائيلية المرتبطة بسوريا وجنوبها، بالتزامن مع استمرار الحرب بين إيران وأميركا. وإلى جانب كل ذلك، برز "حلف مكة"، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، ما يطرح تساؤلات بشأن شكل التوازنات الإقليمية الجديدة وإمكان اتساع هذا الإطار ليشمل دولاً عربية أخرى.
وسط هذه الخارطة، تكتسب زيارة بن سلمان إلى مصر أهمية استثنائية، خصوصاً أن القاهرة تمثل ثقلاً أساسياً لا يمكن تجاوزه في أي محاولة لبناء موقف عربي أكثر تماسكاً.
عملياً، تسعى السعودية إلى تعزيز التضامن الخليجي وربطه بمساحة عربية أوسع، فيما تشكل مصر ركيزة أساسية في أي معادلة من هذا النوع. وإذا تطور التنسيق بين الرياض والقاهرة إلى مستوى استراتيجي أوسع، فإن ذلك قد يمنح القرار العربي ثقلاً إضافياً في التعامل مع الأزمات المتلاحقة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية التقارب السعودي - المصري، فوجود الرياض والقاهرة ضمن رؤية متقاربة، بالتوازي مع العلاقات المتنامية مع تركيا وباكستان، يمكن أن يؤدي إلى تشكيل مساحة إقليمية واسعة قادرة على التأثير في ملفات الحرب والسلام والأمن الإقليمي.
بالنسبة إلى إسرائيل، فإن تبلور مثل هذا التقارب ستكون له حساباته الخاصة، فتقارب قوى عربية وإقليمية كبيرة يعني أن تل أبيب قد تجد نفسها أمام بيئة سياسية أكثر تماسكاً وأقل قابلية للتعامل معها عبر ساحات عربية متفرقة، خصوصاً إذا تحول التنسيق السياسي إلى رؤية مشتركة حيال ملفات لبنان وسوريا وفلسطين والأمن الإقليمي.
كذلك، فإن ارتباط السعودية بشبكة أوسع من الشراكات والتحالفات يمنح دول الخليج هامشاً أكبر في مواجهة أي مشاريع قد تهدد استقرار المنطقة أو تعيد رسم خرائطها السياسية والأمنية.
غير أنَّ الصورة الخليجية لا تقتصر على السعودية وحدها، فالإمارات تؤدي دوراً مؤثراً في التوازنات السياسية والاقتصادية في المنطقة، فيما تحتفظ قطر بدورها كمنصة للوساطات وتقريب وجهات النظر، إلى جانب حضورها في الملف الفلسطيني. أما سلطنة عمان، فما زالت تؤدي دوراً محورياً في قنوات التفاوض والوساطة بين أطراف إقليمية ودولية متخاصمة.
هذا التوزيع في القوى قد يتحول إلى عنصر قوة إذا جرى جمعه ضمن رؤية عربية أكثر تنسيقاً، بدلاً من أن تبقى التحركات موزعة بين عواصم المنطقة. ومن هنا، يبرز السؤال الأكبر: هل تنضم مصر إلى "حلف مكة" إذا اتجه هذا الإطار إلى التوسع؟
حتى الآن، يبقى الحديث عن خطوة كهذه في إطار الاحتمالات ما لم يصدر إعلان رسمي بشأنها، لكن مجرد طرح السيناريو يعكس حجم التحولات الجارية. وعملياً، فإنَّ انضمام القاهرة إلى إطار يجمع السعودية وتركيا وباكستان، إذا تحقق، سيعني ولادة كتلة إقليمية ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي وديموغرافي كبير. وعندها، لن تكون المسألة مجرد تحالف جديد، بل محاولة لإعادة صياغة ميزان القوى في الشرق الأوسط.
في المقابل، فإن بقاء مصر خارج أي إطار إقليمي واسع من هذا النوع قد يحد من قدرته على التعبير عن قرار عربي جامع، نظراً إلى وزن القاهرة التاريخي والسياسي والعسكري.
في المحصلة، تبدو زيارة الامير محمد بن سلمان إلى مصر محطة تستحق المراقبة أبعد من مضمون الاجتماعات الثنائية. حتماً، المنطقة تقف أمام صراع مشاريع ونفوذ، في ظل تمدد إسرائيلي ومواجهة مفتوحة مع إيران وتبدلات متسارعة في خرائط التحالفات.
وفي خضم هذه التحولات، قد يكون التقارب السعودي - المصري أحد أهم مفاتيح إعادة بناء التوازن العربي، فإذا التقت الرياض والقاهرة ضمن مسار واحد، وتكامل هذا المسار مع أدوار بقية دول الخليج وشراكات تركيا وباكستان، فقد تكون المنطقة أمام نواة جبهة إقليمية جديدة.





0 تعليق