- مقالات
محمد عبدالعزيز
قرأت قبل يومين منشورا للأكاديمية النابهة دكتورة سارة فوزي المدرس بكلية الإعلام جامعة القاهرة علّقت فيه على توجهات الشباب المصري نحو وسائل الإعلام التقليدية، بناء على الملاحظات التي رصدتها على إثر المقابلات الشخصية التي أجرتها للطلاب الجُدد الملتحقين بإعلام القاهرة هذا العام. حيث ذكرت أنها خرجت بانطباع هام إزاء توجهات جيل الشباب بشأن متابعة وسائل الإعلام التقليدية، إذ تأكد لها أن شبابنا لا يتابعون برامج الأحداث الجارية أو التوك شو أو أي من المنصات الإخبارية، في حين أن وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة ومنشوراتها هي المصدر الرئيسي للأخبار لدى هذا الجيل من الشباب.
في الحقيقة كنا نتوقع هذا من خلال متابعاتنا وبحكم احتكاكنا بمن حولنا من الشباب الذين نتعامل معهم في محيطنا العائلي أو العملي، غير أن قيمة هذا الكلام تأتي من أنه جاء في سياق لا يميل للشخصنة أو الانطباعات الذاتية. أتى هذا الاستنتاج في إطار حديث شبه أكاديمي خرجت به باحثة مُنحت درجتي الماجستير والدكتوراه بمرتبة الشرف، فهي تعرف إذن طريقة جمع البيانات الإحصائية وكيفية وأهمية الاستدلال بها. وبناء عليه، فأنا أتمنى على الدكتورة سارة وغيرها من الباحثين الجادين، والجهات الأكاديمية المختصة، ومؤسسات الإنتاج الإعلامي الكبرى كالشركة المتحدة، وكذلك مراكز استطلاع الرأي العام أرجو من هؤلاء جميعا دراسة توجهات الجمهور المصري نحو متابعة وسائل الإعلام التقليدية، وأن تُولي تلك الاستبيانات اهتماما بفئة الشباب في الفئة العمرية بين 18 إلى 29 عاما والذين يمثلون نحو 21% من إجمالي تعداد السكان.
و إذا ثبتت دقة تلك الملاحظة – وهوما أعتقده وأميل إليه - يكون على الجميع بحث سبل استعادة كل وسائلنا المقروءة والمسموعة والمرئية للنسبة الأكبر والقاعدة الأهم من جمهورها وهم فئة الشباب. وهنا يتوجب على الخبراء والأكاديميين وقيادات الإعلام بما في ذلك مجلسه وهيئتيه بحث سبل استعادة جمهور الشباب ودراسة ما يستهويهم وتقديم مواد برامجية وفنية جاذبة لهذه الفئة العمرية.
قد يقول قائل: وما الذي يقلقك ويشغلنا إذا انصرف الجمهور عن متابعة وسائل الإعلام التقليدية واستبدلها بالفضاء الإلكتروني ليتابع من خلاله ما يشاء وقتما يشاء ؟ وأرد بالقول إننا يجب أن ننشغل جميعا بهذا الأمر، فلا يخفى على أحد نوعية ما يبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي حاليا من مواد مكتوبة أو مصورة وفيها من الكوارث ما يهدد كيان أي مجتمع، لأن في هذا المحتوى ما قد يضرب الثوابت، ويشكك في العقائد، ويهدد السلم المجتمعي. ونحن وإن كنا لا ننكر دورا مقدرا تبذله الأجهزة والجهات المكلفة بحماية العقل الجمعي للمصريين، إلا أن ما يبث على مدار الساعة ومستوى ثقافة القائمين بالاتصال وأعداد رواد السوشيال ميديا وصناع المحتوى كلها أمور أصبحت تمثل عبئا كبيرا على المكلفين بالرصد والمتابعة، فضلا على أن فلترة ما يُبث قبل أن يُطرح على الرأي العام يبدو أمرا شبه مستحيل.
هناك مخرج آخر لهذه المعضلة يتمثل في قيام وسائل الإعلام التقليدية بالتوجه نحو وسائل التواصل ليتم من خلالها تقديم المحتوى الذي نأمن به على مستقبل أولادنا ونؤمنه، ولكن بآليات هذا العصر وبلغة يفهمها الشباب وبوسائل إبهار تجعل تقبُل هذا المحتوى أمرا مؤكدا. مبلغ ظني أن هذا الهدف سيتحقق بوتيرة أسرع، كما يمكن أن يعود الشباب لوسائل الإعلام التقليدية بكثافة إن نحن اهتممنا بتقديم ما يهم هؤلاء الشباب وينفعهم ويلبي احتياجاتهم وينمي مهاراتهم ويتفاعل مع متطلبات سوق العمل الذي يستهدفونه فعليا.
كما يتطلب الأمر إعادة النظر في بعض الوجوه والأصوات والأقلام التي قد لا تكون حققت المستهدف بالوصول إلى القاعدة الشبابية من الجمهور الذي تستهدفه وسائل الإعلام، أو تلك التي قد لا تكون غير مؤهلة لمخاطبة الرأي العام والتأثير فيه. يستدعي الأمر كذلك العودة للاهتمام بدراسة توجهات الرأي العام من خلال عمليات المسح المدروس لفئات عمرية وثقافية ومجتمعية تُمثل كل أطياف المجتمع وسؤالهم عما يستهويهم وما يشغلهم لتتم تلبيته برامجيا ودراميا في المرحلة القادمة. أظن أيضا أن آلية جديدة لمعدل بث الفقرات الإعلانية صارت مطلوبة كذلك حتى لا يهجر الشباب الأجهزة التقليدية ليشاهدوا المواد لاحقا عبر هواتفهم بدون تقطيع أو إعلانات.
في اعتقادي أن الرسائل التي كان يقدمها الإعلام التقليدي فيما مضى وبصورة حوارية مباشرة صار التفكير في بثها من خلال دراما مشوقة أو أغنية رقيقة أو مسابقة محفزة أمورا لا غنى عنها. كلي يقين أن المتنفذين في حقل الإعلام من كل الجهات الرسمية والأكاديمية يعكفون على دراسة تلك الظاهرة الجديدة، ولا يوجد لدي أدنى شك من أنهم سيجدون المخرج الصحيح الذي يعيد القارئ والمستمع والمشاهد لمنصاته الوطنية التقليدية بما يستتبعه هذا الأمر من ضمان لجودة المحتوى وكونه ممتعا ومشوقا ومستهدفا للمصلحة العليا للوطن.
- معركة الوعى فى عصر السوشيال ميديا.. كيف يواجه المصريون الشائعات؟
- رنا أمين تكتب: من الحقيقة إلى الترند.. كيف صنعت السوشيال ميديا فوضى المعلومات؟
- رنا أمين تكتب: السوشيال ميديا بين سرعة الانتشار وفوضى المعلومات
- ما وراء الخوارزمية (12).. إشارات مهمة للمستخدمين تجمعها السوشيال ميديا
- كيفية حماية أبنائك من المحتوى المتطرف على السوشيال ميديا






