عاجل
للبيع والشراء.. الريال السعودي في البنوك المصرية اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026سعر اليورو اليوم في البنوك المصريةسعر الدولار اليوم في البنوك المصرية.. تحركات جديدة في أسعار الشراء والبيعهذه الفاكهة الخريفية تحمى قلبك وتخفض الكوليسترول وتدعم ضغط الدمعمرها أطول مما تتخيل.. كم سنة يمكن أن تعيش فأرة الكمبيوتر السلكية؟10 أيام تفصل أحمد مكى عن الانتهاء من تصوير «فرصة سعيدة جدًا».. وعودة منتظرةكنا فين وبقينا فين.. شاهد كيف أصبحت الأرض الصحراوية فى أخميم الجديدة.. صورلتر 95 بكام؟.. أسعار البنزين والسولار اليوم السبت 11 أكتوبر 2026 في مصر (تفاصيل)
الإضافة إلى المصادر المفضلة

مافيا التبرعات والجريمة المكتملة الأركان!

منذ 9 شهر
  1. مقالات
د. باسم عادل

د. باسم عادل

الأحد 11/يناير/2026 - 10:00 م 1/11/2026 10:00:29 PM

التبرع فى جوهره فعل إنسانى نبيل، وقيمة أخلاقية راسخة فى الضمير الجمعى للمجتمعات الحية، وهو حين يُمارَس فى إطار شرعى وقانونى واضح، ولأسباب مُعلنة، ولمشروعات حقيقية يحتاجها المجتمع ولا تتوافر لها الموارد، يصبح تعبيرًا راقيًا عن التضامن والتكافل، لا موضعَ جدل ولا محلَّ اعتراض، فالدعوة إلى التبرع المادى أو العينى أو بالجهد، إذا استوفت تصاريح جمع المال التى يحددها القانون، وخضعت للرقابة والمحاسبة، وارتبطت بهدف محدد يمكن قياس أثره، تظل أمرًا محمودًا لا خلاف عليه.
لكن ما نشهده اليوم على نطاق واسع لم يعد تبرعًا بالمعنى الحقيقى، بل تحول إلى ظاهرة خطيرة، وإلى صناعة موازية خارج القانون، وإلى ما يمكن وصفه دون مبالغة بأنه جريمة مكتملة الأركان، لا يُستخدم فيها السلاح ولا يُطلق فيها الرصاص، لكنها تُميت الضمائر، وتُفرغ معانى العون والمساعدة من مضمونها، وتشوّه إحدى أنبل القيم الإنسانية. 
الأسوأ أن هذه الجريمة تُمارَس أحيانًا باسم الخير، وتُغلَّف بلغة الرحمة، فيصعب على المواطن العادى تمييزها أو الاعتراض عليها دون أن يبدو قاسى القلب أو عديم الإنسانية.
الفارق بين التبرع والجريمة فارق واضح لمن أراد أن يرى، فحين تُجمع الأموال بلا تصريح، أو تُطلب تحت عناوين عامة فضفاضة لا تحدد مشروعًا بعينه، أو تُفرض بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو تُدار خارج أى حسابات رسمية، أو تغيب عنها التقارير الواضحة والمراجعة المستقلة، فإننا لا نكون أمام عمل خيرى أو تنموى، بل أمام اعتداء صريح على القانون والمجتمع معًا. 
هنا لا نتحدث عن مخالفة إدارية عابرة، بل عن فعل تتوافر له أركان الجريمة كاملة، وهذا التوصيف ليس توصيفًا إنشائيًا ولا مبالغة لغوية، بل توصيف قانونى دقيق: ركن مادى يتمثل فى جمع المال بغير وجه حق وبغير قنوات مشروعة، وركن معنوى يقوم على القصد الجنائى المتمثل فى استغلال العاطفة أو الجهل أو الخوف أو الحاجة، وركن اجتماعى يتمثل فى إحداث ضرر عام يتمثل فى تقويض الثقة، وتشويه منظومة القيم، وفتح أبواب خطيرة للفساد المالى والأمنى.
ولعل المفارقة المؤلمة أن الشحاذ فى الطريق العام، الذى يمد يده طالبًا، يبدو فى كثير من هذه الصور أشرف حالًا؛ فهو يطلب بوضوح، ولك أن تعطيه أو ترفض، أما هنا فالتبرع يُنتزع انتزاعًا، ويُقدَّم على أنه واجب أخلاقى لا يقبل النقاش، ويُمارَس فى أحيان كثيرة تحت ضغط اجتماعى أو وظيفى أو مؤسسي.
ومن أخطر صور هذه الظاهرة ما يحدث داخل بعض المدارس، وخاصة الخاصة منها، حيث تتحول العملية التعليمية إلى بوابة جباية، وتُمارَس ضغوط ناعمة على أولياء الأمور تحت مسميات متعددة: تطوير المدرسة، دعم الأنشطة، تحسين البيئة التعليمية، بينما لا تُقدَّم ميزانيات معلنة، ولا فواتير واضحة، ولا تفسير دقيق لحجم ما يُطلب ولا لوجه إنفاقه، ويصبح ولى الأمر فى موقف لا يُحسد عليه، يخشى أن ينعكس امتناعه عن الدفع على ابنه، ولو بصورة غير مباشرة، فتتحول العلاقة التربوية إلى علاقة مالية مختلّة، ويُفرغ مفهوم الرسوم الدراسية من معناه القانونى.
ولا يقل خطورة عن ذلك ما تمارسه بعض الكيانات غير المنضبطة التى ترفع لافتات العمل الأهلى، فتطلب التبرعات تحت عناوين براقة من قبيل علاج المرضى، ودعم الفقراء، ومساعدة المحتاجين، وهى عناوين لا يستطيع أحد أن يعترض عليها من حيث المبدأ، لكنها تصبح موضع شبهة حين تغيب الشفافية، فلا نعرف حجم ما يُجمع، ولا عدد المستفيدين، ولا نسبة المصروفات الإدارية، ولا نرى أثرًا متناسبًا مع سيل الدعوات المتواصلة، والنتيجة المفزعة أن الفقر يتزايد، والمرض يتمدد، والاحتياج يتسع، بينما ماكينة جمع التبرعات لا تهدأ، فيتسلل السؤال المشروع: أين تذهب هذه الأموال، ومن يراقب، ومن يحاسب؟
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد إلى ما هو أخطر، إذ تحولت التبرعات غير المقننة إلى قناة مثالية لدعم أنشطة غير مشروعة، أو تمويل جماعات محظورة، أو ممارسة أحد أخطر الجرائم الاقتصادية المعاصرة، وهى غسل الأموال. فالأموال التى تُجمع نقدًا، أو عبر حسابات شخصية، أو من خلال منصات غير خاضعة للرقابة، يمكن بسهولة إعادة تدويرها وإخفاء مصدرها الحقيقى تحت غطاء العمل الخيرى، وقد تبدأ القصة بتبرع لحالة إنسانية، ثم يُعاد توجيه المال، كليًا أو جزئيًا، لدعم نشاط غير قانونى، أو لتمويل كيانات تعمل فى الظل، أو لتمرير أموال مشبوهة داخل الاقتصاد المشروع.
والأخطر من كل ما سبق أن هذه التبرعات، حين تقع فى يد من يدعو إليها ويتولى جمعها وتلقيها خارج أى إطار رقابى أو محاسبى، تفتح بابًا واسعًا للاستقطاع الشخصى دون رقيب أو حسيب، حيث يصبح المال العام فى حقيقته مالًا متروكًا لتقدير الأفراد وأهوائهم، فيغدو من السهل- بل المغرى- أن يُقتطع جزء من هذه الأموال لحسابات شخصية، أو تحت مسميات فضفاضة كـمصاريف إدارية أو جهد شخصى أو تكاليف تنظيم، دون أى سند قانونى أو مستندات أو مراجعة مستقلة، بما يحوّل العطاء من فعل جماعى شريف إلى مورد خاص، ويُرسخ ثقافة الإفلات من المساءلة، ويضيف بعدًا جديدًا للجريمة يتمثل فى الاستيلاء المباشر على المال تحت غطاء العمل الخيرى.
هكذا تتحول الرحمة إلى غطاء، والتعاطف إلى أداة، ويصبح المواطن حسن النية شريكًا- دون أن يدرى- فى جريمة تمس الأمن القومى والاقتصاد الوطنى.
وتؤكد تجارب دولية عديدة أن أخطر مسارات تمويل التنظيمات غير المشروعة وغسل الأموال لم تكن دائمًا عبر شبكات إجرامية تقليدية، بل عبر واجهات خيرية غير خاضعة للرقابة، وجمع تبرعات عشوائية تُستغل فيها العاطفة الدينية أو الإنسانية، وصور المرضى والمنكوبين، والنداءات العاطفية، لتأمين تدفقات مالية مستمرة دون لفت الانتباه، تعتمد على صعوبة تتبعها، والتى تبدو بريئة فى ظاهرها لكنها خطيرة فى مجموعها.
ولا يقل خطورة عن ذلك ما يمكن تسميته بصناعة التبرع الفردى، حيث يٌنصّب أشخاص أنفسهم أوصياء على الخير عبر مجموعات واتس آب أو صفحات على مواقع التواصل الاجتماعى، ويُدار الأمر بسيناريو درامى متقن: حالة إنسانية مؤثرة، مبلغ محدد بعناية، إعلان عن جزء تم جمعه لإضفاء المصداقية، وانتظار أهل الخير لاستكمال الباقى، وتُستخدم الصور والقصص واللغة العاطفية لإغلاق باب التساؤل، فلا أحد يعرف من تحقّق من الحالة، ولا من تسلّم المال، ولا ما إذا كانت الأرقام حقيقية، ولا إن كانت المشكلة قد حُلّت أصلًا، ولا إن كانت هذه الأموال قد استُخدمت فيما جُمعت من أجله أم وُظفت فى مسارات أخرى لا يعلمها إلا القائمون عليها.
غير أن الصورة الأكثر فداحة وخطورة هى تلك التى تحدث داخل مؤسسات عامة يفترض أنها تخضع للقانون والرقابة، كمدارس وجامعات ومستشفيات ومنشآت خدمية، حيث يطلب بعض المسئولين تبرعات لإنشاء مبانٍ أو وحدات أو خدمات جديدة، ثم تُجمع الأموال نقدًا وبمعرفتهم، خارج الحسابات الرسمية، وبعيدًا عن أى رقابة، تحت ذريعة تسريع الإنجاز أو تجاوز الإجراءات، والحقيقة أن هذا ليس إنجازًا، بل التفافًا صريحًا على القانون، وفتحًا لباب واسع من أبواب الفساد، بل ولغسل الأموال أحيانًا، إذ تختلط الأموال المشروعة بغير المشروعة، وتُقام منشآت دون مستندات تمويل واضحة، فيضيع الحد الفاصل بين ما هو عام وما هو خاص، وما هو قانونى وما هو إجرامى.
وتبلغ المأساة ذروتها حين تمتد هذه الممارسات إلى طلاب الدراسات العليا فى بعض الجامعات، حيث يُطلب منهم دفع تبرعات لأغراض إدارية أو خدمية، كدهان قسم أو شراء أجهزة، فى وضع يعلم فيه الطالب أن الدفع نظريًا اختيارى، لكنه عمليًا إجبارى، لأن الامتناع قد يكلّفه تعطيل مساره العلمى أو الرسوب، وهنا لا حديث عن رضا أو اختيار، بل عن إكراه مقنّع داخل مؤسسة يفترض أنها عنوان العدالة والعلم، وعن جريمة تتوافر لها أركان الاستغلال والابتزاز واستغلال السلطة.
وإذا كان هذا الواقع الأخلاقى الصادم كافيًا لإدانة ما يحدث، فإن الإطار القانونى يضعنا أمام مسئولية أكبر، ويؤكد أن الأمر لا يدخل فى باب الاجتهاد أو حسن النية، بل يقع صراحة فى نطاق التجريم، فالقانون المصرى رقم 149 لسنة 2019 بشأن تنظيم ممارسة العمل الأهلى، نص بوضوح على حظر جمع التبرعات أو تلقى الأموال أو العينيّات أو التمويلات من داخل البلاد أو خارجها إلا بعد الحصول على التصاريح اللازمة، ووفق ضوابط محددة، مع إلزام الجمعيات والكيانات الخاضعة له بإمساك دفاتر منتظمة، وإعداد قوائم مالية معتمدة، والخضوع لرقابة الجهات المختصة. كما جرم القانون أى نشاط لجمع المال خارج هذا الإطار، واعتبره مخالفة جسيمة تستوجب المساءلة الجنائية، لا مجرد إجراء إدارى يمكن تجاوزه.
ولا يقف الأمر عند قانون العمل الأهلى، بل يمتد إلى قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته، الذى يضع جمع الأموال وتداولها خارج القنوات الرسمية وتحت ستار أنشطة ظاهرها مشروع، فى دائرة الاشتباه المباشر، فغسل الأموال، وفق التعريف القانونى، لا يشترط أن تكون الأموال ضخمة أو أن تمر عبر شبكات دولية معقدة، بل يكفى أن تكون متحصلة من نشاط غير مشروع أو أُعيد توظيفها لإخفاء مصدرها الحقيقى أو تمويه وجهتها، وهو ما ينطبق بدقة على التبرعات غير المقننة التى تُجمع نقدًا أو عبر حسابات شخصية أو منصات غير خاضعة للرقابة، ثم يُعاد ضخها فى أنشطة تبدو مشروعة فى ظاهرها، كإنشاء مبانٍ أو تمويل خدمات أو تقديم مساعدات، بينما يظل مصدرها واستخدامها الحقيقيان مجهولين.
وفى هذا السياق، فإن أخطر ما فى التبرعات العشوائية غير الخاضعة للرقابة ليس فقط ضياع المال أو سرقته، بل قابليتها العالية للتوظيف فى دعم أنشطة غير مشروعة أو تمويل جماعات محظورة أو تمرير أموال مشبوهة داخل الاقتصاد الوطنى، فالتبرعات الصغيرة المتكررة، التى يجمعها أفراد أو كيانات غير معروفة، تُعد من أكثر الوسائل شيوعًا عالميًا فى تمويل أنشطة محظورة، لأنها يصعب تتبعها، وتبدو فى مجموعها بريئة، بينما تتحول عند تجميعها إلى مبالغ مؤثرة.
وتتجسد الخطورة العملية لهذه الآلية فى أن المواطن حسن النية، الذى يسهم بتبرع بسيط بدافع إنسانى أو دينى، قد يجد نفسه دون أن يدرى مشاركًا فى منظومة أوسع بكثير من قصته الفردية، منظومة قد تُستخدم لدعم نشاط محظور، أو لتغطية حركة أموال غير مشروعة، أو لتمويل أعمال تضر بالمجتمع والدولة على المدى المتوسط والبعيد، وهنا لا تكون الجريمة فى النتيجة فقط، بل فى البيئة التى تسمح بحدوثها، وهى بيئة يغيب عنها القانون، وتُستبدل فيها الرقابة بالمشاعر، ويُقدَّم فيها حسن النية باعتباره بديلًا للمحاسبة.
أما حين تمتد هذه الممارسات إلى مؤسسات عامة، وتُجمع الأموال خارج الحسابات الرسمية، فإن الخطر يتضاعف، لأننا نكون أمام خلط خطير بين المال العام والخاص، وبين المشروع وغير المشروع، وبين ما يخضع للرقابة وما يفلت منها. وهذا الخلط لا يفتح فقط باب الفساد الإدارى، بل يخلق مسارًا مثاليًا لغسل الأموال، حيث تُضخ أموال مجهولة المصدر فى إنشاءات أو خدمات قائمة، فتكتسب مظهرًا قانونيًا زائفًا، بينما يضيع أصل المال ومسئوليته، ويُقوَّض مبدأ سيادة القانون من جذوره.
إن ما يحدث، فى مجموعِه، لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة مكتملة الأركان، تتشابك فيها الجرائم المالية مع الجرائم الأخلاقية، وتتقاطع فيها الفوضى الإدارية مع مخاطر أمنية واقتصادية جسيمة، وما نراه اليوم ليس عطاءً ولا تكافلًا، بل نصب واحتيال وسرقة مقنّعة، وتهديدًا صريحًا للقانون ولمفهوم الدولة ذاته، والابتعاد عن القانون، أيًّا كانت الذرائع، هو العنوان الأوضح للجريمة. 
ومن ثم، فإن المواجهة لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية، قانونية، وأخلاقية، تبدأ بتطبيق صارم للقانون دون استثناء، وتمر بتجريم اجتماعى واضح لهذه الممارسات، وتنتهى باستعادة المعنى النقى للعطاء، بوصفه فعلًا إنسانيًا منضبطًا، لا أداة ابتزاز، ولا قناة فساد، ولا ستارًا لجريمة مكتملة الأركان.
ومواجهة هذه الظاهرة لم تعد ترفًا ولا مسألة أخلاقية فقط، بل ضرورة وطنية لحماية المجتمع، وصون الاقتصاد، واستعادة قدسية العطاء من أيدى مافيا التبرعات، قبل أن يصبح الخير نفسه ضحية دائمة.

ads
✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق تحرير اعرف سبورت خبرة في الصحافة الإلكترونية وإعداد وتحرير التقارير الاقتصادية، وفي صياغة المحتوى وفق معايير تحسين محركات البحث (SEO) يتابع الحدث لحظة وقوعه ويتابع كافة أخبار مصر والعالم العربي علي مدار 24 ساعة بدقة وإحترافية

تابعوا آخر الأخبار العربية والعالمية، وآخر المستجدات السياسية والاقتصادية والرياضية أولًا بأول عبر جوجل نيوز

أخبار ذات صلة