محاصرة «الأموال القذرة».. كيف نجحت الداخلية فى إحباط غسل أموال بـ7 مليارات جنيه في 6 أشهر؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

3 مراحل رئيسية للعملية تبدأ بالإيداع وتنتهى بدمج الأموال فى الاقتصاد الرسمى

القانون ينص على مصادرة جميع الأموال المضبوطة

 

تواصل وزارة الداخلية، بقيادة اللواء محمود توفيق، ضرباتها الأمنية الناجحة فى مختلف القطاعات المختلفة، ضد العناصر الإجرامية الخارجة على القانون، ولا تكتفى الوزارة بضبطهم فى القضايا الإجرامية المتنوعة، ولكن تلاحق الأموال القذرة التى جمعوها من جرائمهم.

نجحت «الداخلية» فى توجيه ضربات أمنية استباقية هى الأقوى لتفكيك شبكات واسعة لغسل الأموال غير المشروعة، محققة رقمًا قياسيًا جديدًا بحصر وتجميد أصول وممتلكات بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من ٧ مليارات جنيه، خلال عام ٢٠٢٦، عبر الضربات المتلاحقة التى قادتها قطاعات الوزارة، وعلى رأسها قطاع مكافحة المخدرات والأسلحة والذخائر غير المرخصة بالتعاون مع مباحث الأموال العامة.

وأسفرت هذه الضربات المتلاحقة عن إسقاط ١٣٠ عنصرًا إجراميًا، حاولوا صبغ أموالهم الحرام بالصبغة الشرعية، وشراء الوهم لتمرير ثرواتهم المشبوهة، التى باتت تشكل خطرًا حقيقيًا على مفاصل الدولة وأمنها القومى.

 

«وحدة» و«لجنة وطنية» لمكافحة الجريمة بكل صورها

تتنوع الأنشطة الإجرامية للمتهمين فى غسل الأموال بين الاتجار بالمواد المخدرة، والاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبى خارج السوق المصرفية، وصولًا إلى متهمى النصب الإلكترونى الذين احترفوا سرقة حسابات المواطنين البنكية بعد انتحال صفة موظفى خدمة العملاء، والاتجار فى العملة، والاتجار فى البشر.

ولإصباغ الصبغة الشرعية على هذه الأموال، وإظهارها كأموال نظيفة ناتجة عن كيانات مشروعة، توسع هؤلاء المتهمون فى تأسيس الشركات، وضخ الملايين لشراء معارض السيارات الفارهة والعقارات والأراضى الزراعية والفيلات فى المناطق الراقية، فضلًا عن أساطيل السيارات والدراجات النارية.

وفى إطار محاربة الأموال القذرة الناتجة عن هذه الجرائم المختلفة، أسست الدولة «وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب» بموجب القانون رقم ٨٠ لسنة ٢٠٠٢، لتكون وحدة التحريات المالية المستقلة ذات الطابع الخاص.

ونص القانون فى مادته الثالثة على إنشائها داخل البنك المركزى، وتمثل فيها الجهات المعنية، ويلحق بها عدد كافٍ من الخبراء من أعضاء السلطة القضائية والمتخصصين فى المجالات ذات الصلة، وتتولى الاختصاصات المنصوص عليها قانونًا، وامتدادًا لهذه الجهود الوطنية، أُنشئت كذلك «اللجنة الوطنية التنسيقية فى مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، وفقًا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٦٣ لسنة ٢٠٠٥ وتعديلاته وآخرها القرار رقم ٦٠٠ لسنة ٢٠١٩، والتى تتولى التنسيق والتعاون لإعداد واعتماد استراتيجية مصر لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والإشراف على تنفيذ أهداف هذه الاستراتيجية.

يترأس هذه اللجنة المستشار رئيس مجلس أمناء الوحدة، وتضم فى عضويتها ممثلين على مستوى عالٍ من وزارات: الخارجية والداخلية والتضامن الاجتماعى والتموين والتجارة الداخلية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والعدل والمالية، بالإضافة إلى النيابة العامة، وهيئة الأمن القومى، وهيئة الرقابة الإدارية، والبنك المركزى المصرى، والهيئة العامة للرقابة المالية، ووحدة مكافحة غسل الأموال، والمعهد المصرفى المصرى، وإدارة المخابرات الحربية والاستطلاع بالقوات المسلحة.

قانونيون: سجن المتورطين وغرامة مثلىّ الأموال المضبوطة

قال عمرو عبدالسلام، المحامى بالنقض والدستورية العليا، إن عقوبة المتهمين فى غسل الأموال تتضمن السجن المشدد لمدة تصل إلى ٧ سنوات، والغرامة المالية التى تصل إلى مثلىّ قيمة الأموال المضبوطة، إلى جانب مصادرة الأموال محل الجريمة حال ثبوت إدانتهم.

وأوضح «عبدالسلام» أن المادة ١٤ من قانون مكافحة غسل الأموال رقم ٨٠ لسنة ٢٠٠٢، المعدل بالقانون رقم ٧٨ لسنة ٢٠٠٣، نصت على أن «يعاقب بالسجن المشدد مدة لا تتجاوز ٧ سنوات وبغرامة تعادل مثلىّ الأموال محل الجريمة كل من ارتكب أو شرع فى ارتكاب جريمة غسل الأموال المنصوص عليها فى المادة ٢ من هذا القانون. ويُحكم فى جميع الأحوال بمصادرة الأموال المضبوطة، أو بغرامة إضافية تعادل قيمتها، فى حال تعذر ضبطها أو فى حالة التصرف فيها إلى الغير الحسن النية».

وأضاف المحامى بالنقض والدستورية العليا: «الأموال المضبوطة؛ سواء كانت أرصدة فى البنوك، أو أسهمًا أو سنداتٍ، أو منقولاتٍ مثل السيارات والمشغولاتِ الذهبية، أو العقارات، ستتم مصادرتها جميعًا لصالح الدولة».

أما إسماعيل بركة، المحامى بالنقض، فقال إن القانون عرّف جريمة غسل الأموال بأنها كل سلوك ينطوى على اكتساب أموال أو حيازتها أو التصرف فيها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو ضمانها أو استثمارها أو نقلها أو تحويلها أو التلاعب فى قيمتها إذا كانت متحصلة من جريمة من الجرائم المنصوص عليها فى المادة ٢ من هذا القانون مع العلم بذلك، متى كان القصد من هذا السلوك إخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحبه أو صاحب الحق فيه أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك أو عرقلة التوصل إلى شخص مَن ارتكب الجريمة المتحصل منها المال. 

وأضاف «بركة»: «غسل الأموال جريمة لاحقة، وغالبًا ما تكون بعد جريمة أخرى، مثل الاتجار بالمخدرات أو الرشوة أو الاتجار بالآثار وتهدف لإخفاء مصادر الأموال بإجراء معاملات عبر تحويلات بنكية أو شراء عقارات أو أراضٍ أو أسهم، أو تأسيس شركات أو مطاعم أو فنادق أو مصانع، إلى جانب تجارة السيارات والعملات الافتراضية، وبعض الأنشطة باستخدام مواقع التواصل الاجتماعى، وذلك كله بهدف إضفاء الشرعية على هذه الأموال، والاستفادة منها دون مساءلة قانونية».

وأشار إلى أن قانون مكافحة غسل الأموال حدد شروط الإعفاء القضائى، فنص على أن يُعفى من العقوبات الأصلية المقررة فى المادة ١٤ من هذا القانون كل من بادر من الجناة بإبلاغ الوحدة أو أى من السلطات المختصة بالجريمة قبل العلم بها، فإذا حصل الإبلاغ بعد العلم بالجريمة تعين للإعفاء أن يكون من شأن الإبلاغ ضبط باقى الجناة أو الأموال محل الجريمة.

 

خبراء أمن: أخطر الجرائم الاقتصادية وتمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى

أكد اللواء نجاح فوزى، مساعد وزير الداخلية الأسبق لقطاع مباحث الأموال العامة، إن جريمة غسل الأموال لا تكون قضية مستقلة بمفردها، بل ترتبط دائمًا بجريمة أصلية نتجت عنها الأموال غير المشروعة، مثل الاتجار فى المواد المخدرة أو الرشوة أو الفساد أو غيرها من الجرائم التى تحقق عائدات مالية غير قانونية.

وأوضح «فوزى» أنه جرى إنشاء وحدة للاستخبارات المالية تعمل من خلال البنك المركزى، وتتولى فحص المعلومات والبلاغات المتعلقة بالعمليات المالية المشبوهة واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، مشيرًا إلى أن كل بنك يضم قطاعًا تكون مهمته متابعة حسابات العملاء وتحديث بياناتهم والتأكد من مصادر دخولهم ورصد أى زيادة غير مبررة فى الثروات أو التعاملات المالية.

وأضاف أن الهدف من قوانين مكافحة غسل الأموال هو حرمان المجرمين من الاستفادة من الأموال الناتجة عن الأنشطة غير المشروعة، لافتًا إلى أن أغلب مرتكبى هذه الجرائم أصحاب سوابق جنائية، وقد يشارك آخرون ليس لهم أى تاريخ إجرامى فى غسل أموال الغير مقابل الحصول على مكاسب مالية.

وكشف عن أن جرائم التموين والتهرب الضريبى لم تكن مدرجة ضمن الجرائم المرتبطة بغسل الأموال قبل عام ٢٠١٤، وبعد ذلك جرى إدراجها ضمن القانون، فى إطار جهود الدولة لمواجهة مختلف صور الجرائم الاقتصادية.

ولفت إلى إنشاء وحدات لتتبع الثروات داخل الإدارات الشرطية المختلفة مثل إدارات المخدرات والآداب والتموين والتهرب الضريبى بهدف تتبع الأموال الناتجة عن الجرائم وضبط مرتكبيها، مؤكدًا أن جريمة غسل الأموال تعد من أخطر الجرائم الاقتصادية الحديثة، لأنها تقوم على إضفاء صفة المشروعية على أموال غير قانونية، من خلال دمجها فى أنشطة اقتصادية واستثمارية تبدو مشروعة، وهو ما يسمح لأصحابها بإخفاء مصدرها الحقيقى والاستفادة.

وأوضح: «تتم عملية غسل الأموال عادة عبر عدة مراحل متتابعة؛ تبدأ بإدخال الأموال غير المشروعة إلى النظام المالى، ثم نقلها وتحويلها عبر عمليات متعددة لإخفاء مصدرها الحقيقى، وصولًا إلى إعادة ضخها فى مشروعات أو استثمارات تبدو قانونية».

وتابع: «تشكل هذه الجريمة خطرًا كبيرًا على الأمن القومى، لأنها تساعد على استمرار الجريمة المنظمة وتمويل الإرهاب، كما تؤثر سلبًا على الاقتصاد وتضعف ثقة المستثمرين فى المؤسسات المالية وتؤثر على سمعة الدول فى الخارج، لذلك تستمر جهود مواجهة هذه الجرائم من خلال القوانين والرقابة المالية والتحريات الأمنية والتعاون مع الجهات الدولية المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب».

من جهته، ذكر اللواء أشرف عبدالعزيز، الخبير الأمنى، أن القانون المصرى اهتم فى وقت مبكر بمواجهة جرائم غسل الأموال، ولذلك صدر قانون مكافحة غسل الأموال رقم ٨٠ لسنة ٢٠٠٢، وجرى تعديله أكثر من مرة لمواكبة تطور هذه الجرائم وطرق تنفيذها ولزيادة قدرة الدولة على مواجهتها.

وأوضح «عبدالعزيز» أن غسل الأموال يعنى إخفاء مصدر الأموال أو تغيير حقيقتها، مثل تحويلها أو نقلها أو إيداعها، مع العلم أنها ناتجة عن جريمة، مؤكدًا أن العقوبات لا تقتصر على مرتكبى الجريمة فقط، بل تشمل مصادرة الأموال الناتجة عنها وفرض غرامات مالية والسجن المشدد من ٣ إلى ٧ سنوات.

وأضاف أن جرائم غسل الأموال تؤثر بشكل سلبى على الاقتصاد والأمن القومى، لأنها تضر باستقرار العملة وتضر بالمنافسة فى الأسواق، كما تساعد على انتشار الفساد وتمويل الأنشطة الإرهابية.

وأشار إلى أن حجم عمليات غسل الأموال يقدر بنحو ٥٠٠ مليون دولار سنويًا، وجزء كبير من هذه الأموال مرتبط بأنشطة غير مشروعة، مثل تجارة المخدرات والأسلحة والاتجار فى الآثار وتمويل الإرهاب.

ولفت إلى أن مافيا غسل الأموال تعتمد على أساليب معقدة تتطور بتطور التكنولوجيا المالية، لكنها فى الغالب تمر عبر ثلاث مراحل متتابعة؛ أولًا مرحلة الإيداع وهى المرحلة الأصعب، إذ يجرى إدخال الأموال السائلة الضخمة أو الكاش المتحصلة من الجريمة إلى النظام المالى سواء عبر إيداعات بنكية مجزأة لتفادى الرقابة أو شراء سلع ثمينة كالعقارات والذهب، ثانيًا مرحلة التمويه أو التغطية، وهنا تبدأ عملية فصل الأموال عن مصدرها غير المشروع عبر سلسلة معقدة من العمليات المالية كالتحويلات البنكية بين عدة دول أو شراء وبيع أسهم وسندات لجعل تتبعها أمرًا شبه مستحيل، ثالثًا مرحلة الدمج وهى المرحلة النهائية، إذ تعود الأموال إلى الاقتصاد وكأنها أرباح نظيفة ناتجة عن مشروعات تجارية أو استثمارية شرعية لتبدأ الدورة من جديد.

وتابع: «بسبب التكنولوجيا أصبح المجرم لا يحتاج إلى حمل سلاح ولا إدارة عصابة ظاهرة للعيان، فهناك جرائم أخطر وأكثر تعقيدًا تُرتكب خلف شاشات الكمبيوتر وداخل شركات وهمية وحسابات بنكية».

وأكد: «جريمة غسل الأموال تمثل الجسر الذى تمر منه حصيلة جرائم المخدرات والفساد والرشوة والاتجار فى البشر والتهرب الضريبى والجرائم الإلكترونية، للوصول للاقتصاد الرسمى، ولذلك فإن مكافحة جريمة غسل الأموال ليست قضية مصرفية فقط، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومى لأى دولة، لأنها مرتبطة بتمويل الإرهاب والجريمة المنظمة وتقليل الثقة فى المؤسسات الاقتصادية».

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق