قال الوزير المفوض الدكتور منجى على بدر الدين عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والاحصاء والتشريع ، إن التحولات التي يشهدها المجتمع المصري لم تعد مجرد تغيرات سطحية في أنماط الاستهلاك أو السلوك الاجتماعي بل باتت تعكس إعادة تشكيل عميقة في الوعي الاقتصادي والثقافي وتقف عند تقاطع حساس بين طموح استهلاكي متصاعد لدى شرائح واسعة من المواطنين وتمسك متجذر لدى شرائح أخرى بثقافة تقليدية حذرة تفضل الاستقرار وتتفادى المخاطرة وهذا التناقض الظاهري لا يمثل أزمة بحد ذاته بقدر ما يكشف عن مرحلة انتقالية دقيقة تمر بها مصر تتحدد على ضوئها قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز تنافسيتها الدولية وترجمة مستهدفات رؤية مصر 2030 إلى واقع ملموس.
أولًا: صعود الطموح الاستهلاكي يمثل تحولات سلوكية ذات أبعاد هيكلية
وأضاف منجي بدر الدين، فى تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أنه مع بداية العام الجديد 2026 شهدت السنوات الأخيرة تغيرًا ملحوظًا في السلوك الاستهلاكي للمواطن المصري مدفوعًا بعدة عوامل متداخلة، فعلى الرغم من التحديات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، تحقق تحسن نسبي في مستويات الدخل الأساسي لدى قطاعات من العاملين في مجالات الاتصالات والخدمات والتشييد والاقتصاد الرقمي، إلى جانب دور التحويلات الخارجية وبرامج الحماية الاجتماعية في تعزيز القدرة الشرائية؛ إلا أن العامل الأكثر تأثيرًا كان الثورة الإعلامية والرقمية التي أعادت تعريف مفاهيم الرفاهية والنجاح الاجتماعي، حيث ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تعميم أنماط استهلاك عالمية وخلق نزعة مقارنة دائمة مع المجتمعات الأخرى وتعزيز الاستهلاك القائم على الصورة والرمزية.
واوضح عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أن هناك انتقال تدريجي من ثقافة “الاكتفاء” إلى ثقافة “الطموح المعيشي”، خاصة بين الشباب الذين يشكلون الكتلة السكانية الأكبر في مصر وهذه الظاهرة تحمل في طياتها فرصة اقتصادية حقيقية إذا ما جرى توجيه الطلب الاستهلاكي نحو الإنتاج المحلي ولكنها تتحول إلى عبء إذا انفصلت عن زيادة الإنتاجية.
ثانيًا: الثقافة التقليدية وعدم المخاطرة تعتبرعقلانية تاريخية لا جمود فكري
وأفاد الوزير المفوض، أنه في المقابل لا يزال قطاع معتبر من المصريين متمسكًا بثقافة اقتصادية تقليدية تقوم على الادخار الحذر وتفضيل الأصول الآمنة والبحث عن الوظيفة المستقرة وغالبًا ما يُساء تفسير هذا التوجه باعتباره مقاومة للتحديث بينما يعكس في جوهره عقلانية اجتماعية تشكلت بفعل الخبرات التاريخية.
ويرى أن الاقتصاد المصري مر بدورات متكررة من عدم اليقين شملت تقلبات سعر الصرف وارتفاع الأسعار وتغير السياسات الاقتصادية مما رسخ في الوعي الجمعي أهمية الاستقرار وتجنب المغامرة غير المحسوبة، كما لعبت عوامل ثقافية ومؤسسية مثل ضعف الشمول المالي والوعي الاستثماري دورًا في الحد من الإقبال على ريادة الأعمال والمشروعات عالية المخاطر.
وهذه الثقافة، رغم ما تفرضه من قيود على الابتكار أسهمت في تعزيز التماسك الاجتماعي والحد من الانفلات الاستهلاكي وهو ما يجعلها عنصر توازن لا يُستهان به في معادلة التنمية المستدامة.
ثالثًا: بين الطموح والتحفظ هل هو صراع أم تكامل تنموي؟
وأوضح أن التحليل الاستراتيجي يظهر أن الظاهرتين ليستا بالضرورة في حالة صراع صفري بل يمكن تحويلهما إلى علاقة تكاملية فالطموح الاستهلاكي يعزز الطلب ويحفز النمو، بينما يضمن التحفظ التقليدي قدرًا من الانضباط المالي والاستدامة والمشكلة لا تكمن في وجود أي من الظاهرتين بل في اختلال التوازن حيث الطموح الاستهلاكي غير مدعوم بإنتاج محلي قوي يؤدي إلى تفاقم العجز التجاري، بينما التحفظ المفرط يحد من الاستثمار والابتكار ويضعف القدرة التنافسية، وهنا يظهر دور الدولة والسياسات العامة في إعادة توجيه السلوك الاقتصادي نحو مسار إنتاجي مستدام.
رابعًا: الانعكاسات على التنمية المستدامة والتنافس الدولي
وكشف د. منجي بدر الدين، أنه على مستوى التنمية المستدامة يؤدي الاستهلاك غير الرشيد إلى ضغوط على الموارد والطاقة بينما يحد التحفظ الثقافي من تبني الابتكار والتكنولوجيا أما التنافس الدولي فيتطلب مجتمعات تجمع بين مستهلك واعٍ ومستثمر جريء وثقافة مالية منضبطة، ولا يمكن لمصر أن تحجز موقعًا متقدمًا في سلاسل القيمة العالمية دون تحويل السوق المحلي إلى منصة إنتاج وتصدير وليس مجرد سوق استهلاكية.
خامسًا: استثمار العوامل الكامنة فى المجتمع المصرى وتحويلها من الإمكان إلى الفعل
وأفاد أن مصر تمتلك رصيدًا استراتيجيًا فريدًا يتمثل في مجتمع شاب واسع قادر على الابتكار إذا تم ربط التعليم بسوق العمل وتعزيز ريادة الأعمال وتاريخ وحضارة عميقة يمكن تحويلها إلى قوة اقتصادية عبر الصناعات الثقافية والاقتصاد الإبداعي وموقع جغرافي عبقري يؤهل مصر لتكون مركزًا لوجستيًا وصناعيًا عالميًا بشرط كفاءة الإدارة وتكامل البنية التحتية، مشيرًا إلى أن هذه المزايا لا تعمل تلقائيًا بل تتطلب سياسات ذكية ومستدامة تحول الطموح الشعبي إلى طاقة إنتاجية والتحفظ الثقافي إلى ركيزة للاستدامة.
وأكد أن مستقبل مصر الاقتصادي لا يُبنى على الانحياز لاستهلاك متسارع ولا على التمسك بأنماط تقليدية بل على إدارة ذكية للتوازن بين الطموح والانضباط لأن التنمية المستدامة والتنافس الدولي لا يتحققان إلا عندما يتحول المجتمع من مستهلك طامح إلى منتج واثق ومن ثقافة خوف من المخاطرة إلى ثقافة إدارة المخاطر.
وأوضح أن رؤية مصر 2030 تمثل فرصة تاريخية لصياغة نموذج مصري خاص بالتنمية يستند إلى خصوصية المجتمع ويستثمر شبابه ويحول موقعه وتاريخه إلى أدوات قوة اقتصادية والنجاح في هذه المعادلة لا يضمن فقط نموًا اقتصاديًا بل يرسخ دور مصر كفاعل إقليمي ودولي قادر على المنافسة والاستدامة في عالم شديد التغير.
- على مستوى 3 محافظات .. 49 مشروعًا تعزز الابتكار والاستثمار الأخضر وتدعم مسارات التنمية المستدامة
- مسئولة أممية: مصر تمتلك تنوعًا بيولوجيًا رائعًا والاستراتيجية الوطنية لحماية الموارد الطبيعية
- ميلوني تجتمع برئيس وزراء ألبانيا لإبرام اتفاقية تعاون استراتيجية
- مطار الأقصر الدولي يستقبل وفود قمة الاستثمار العربي الإفريقي بمشاركة 40 دولة
- جامعة قناة السويس تستقبل وفد رابطة البروفيسورات الإندونيسية لتعزيز التعاون






