لم تعد الشائعة مجرد معلومة عابرة تظهر على شاشة هاتفك ثم تختفي، فقد تبدأ بفيديو قصير أو منشور مجهول المصدر، لكن التفاعل معها قد يفتح بابًا لسلسلة طويلة من المحتوى المتشابه، تقود المستخدم تدريجيًا إلى روايات أكثر حدة، ثم إلى مساحة لا يرى فيها إلا من يؤكدون ما يعتقده.
وفي وقت حذر فيه الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال كلمته اليوم في احتفالية المولد النبوي الشريف، من وجود «فوضى في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام في المعرفة والطرح والإلمام بالتحديات التي واجهت مصر خلال الخمسين عامًا الماضية»، يبرز سؤال آخر لا يتعلق فقط بصحة المعلومات المتداولة، وإنما بالطريقة التي تصل بها هذه المعلومات إلى المستخدم أصلًا.
فماذا يحدث عندما تلتقط خوارزميات منصات التواصل اهتمام المستخدم بشائعة أو رواية مثيرة للجدل؟ وهل يمكن أن تدفعه أنظمة التوصية، التي صُممت أساسًا لإبقائه متفاعلًا مع المنصة، من محتوى إلى آخر أكثر تطرفًا؟ أم أن الصورة أكثر تعقيدًا، وأن المستخدم نفسه هو الذي يقود الخوارزمية من خلال اختياراته وتفاعلاته؟
من «شائعة» إلى «معلومة تؤكد ما أعتقده»، ثم إلى «كل من يخالفني مخطئ»، ، قد لا يكون الطريق مستقيمًا ولا حتميًا، لكنه يكشف عن واحدة من أخطر مشكلات عصر المنصات: عندما لا تعود الخوارزمية تكتفي بعرض ما نريد، وإنما تساعد في تحديد ما نراه، ومن نسمعه، وما الذي نعتقد أنه الحقيقة، وهنا تبدأ الرحلة: كيف يمكن لمعلومة مضللة أن تجد طريقها إلى خوارزمية التوصية؟ ولماذا قد يدفع التفاعل مع محتوى معين إلى ظهور محتوى مشابه وأكثر حدة؟ وأين ينتهي دور الخوارزمية ويبدأ دور المستخدم؟ وهل نحن أمام «آلة» تدفع الناس نحو التطرف، أم حلقة متبادلة بين خوارزميات التوصية وميول المستخدمين وغرف الصدى والاستقطاب؟
الخوارزمية لا «تفكر».. لكنها تتعلم منك
أنظمة التوصية لا تعمل عادة وفق قرار بشري مباشر يقول: «هذا المستخدم يجب أن يرى محتوى متطرفًا»، وإنما تعتمد على نماذج تتعلم من عدد كبير من الإشارات، ويوضح يوتيوب، مثلًا، أن توصياته تعتمد على سجل المشاهدة والبحث والاشتراكات والإعجابات وعدم الإعجاب واختيار «لست مهتمًا» وغيرها من الإشارات، كما يستخدم الفيديو الذي يشاهده المستخدم حاليًا عاملًا رئيسيًا في اقتراح ما قد يشاهده بعده،
وهذا يعني أن مشاهدة المستخدم لمقطع عن نظرية مؤامرة لا تجعل المنصة «تعرف» بالضرورة أنه يؤمن بها؛ لكنها تعرف شيئًا أبسط وأكثر أهمية بالنسبة إلى نظام التوصية: أن هذا النوع من المحتوى جذب انتباهه، وإذا تكرر السلوك، يصبح لدى النظام قدر أكبر من المعلومات عن احتمالات تفاعله مع المحتوى المشابه،
من الشائعة إلى محتوى أكثر حدة..كيف تحدث القفزة؟
المسار ليس بالضرورة خطيًا، ولا توجد قاعدة علمية تقول إن كل مستخدم يشاهد شائعة سينتهي إلى التطرف، لكن الخطر يظهر عندما تتكرر سلسلة معينة: محتوى مثير للاهتمام، ثم محتوى مشابه، ثم محتوى أكثر تخصصًا أو حدة، ثم مجتمعات رقمية تتبنى الرواية نفسها وتعيد إنتاجها.
وقد وجدت دراسة منشورة في Internet Policy Review اختبرت أنظمة توصية على ثلاث منصات، أن الحسابات التي تفاعلت بكثافة مع محتوى اليمين المتطرف على يوتيوب أصبحت أكثر عرضة لرؤية محتوى متطرف أو هامشي لاحقًا، وفي التجربة نفسها لم تظهر النتيجة ذاتها على Reddit، وهو ما يؤكد أن تأثير الخوارزميات ليس واحدًا في جميع المنصات،
وهذه النتيجة مهمة؛ لأنها تنقل النقاش من فكرة مبسطة تقول إن «الخوارزمية تصنع المتطرف» إلى سؤال أكثر دقة: كيف يتفاعل تصميم المنصة مع سلوك المستخدم ومع طبيعة المحتوى الموجود أصلًا؟
المستخدم يقود الخوارزمية.. والخوارزمية تعيد توجيه المستخدم
في البداية قد يكون المستخدم هو الطرف الأقوى، هو الذي يختار الفيديو، ويبحث عن موضوع معين، ويتوقف عند مقطع دون آخر، لكن هذه الاختيارات تتحول إلى بيانات تستخدمها المنصة في بناء توقعاتها، بعد ذلك تنقلب العلاقة جزئيًا؛ فالمستخدم لا يختار كل ما يراه، وإنما يجد أمامه محتوى تقترحه المنصة، وإذا كان هذا المحتوى قريبًا من اهتماماته، فمن المرجح أن يتفاعل معه، فتتعلم الخوارزمية أكثر، وتصبح توصياتها أكثر تخصيصًا، فهذه هي حلقة التغذية الراجعة: المستخدم يؤثر في التوصية، والتوصية تؤثر في ما يراه المستخدم، وما يراه يؤثر مرة أخرى في سلوكه.
وتشير دراسة منشورة في Journal of Public Economics عام 2026 إلى أن هناك حلقة ديناميكية بين سلوك المستخدم وترتيب المحتوى خوارزميًا، وأن إعطاء وزن أكبر للتفاعلات مثل الإعجاب والمشاركة يمكن أن يزيد من انتشار المعلومات المضللة والاستقطاب، خصوصًا عندما تكون الحسابات الأكثر تطرفًا أكثر نشاطًا في التفاعل.
المشكلة ليست «التطرف» فقط.. بل المحتوى الذي يحقق التفاعل
الخوارزمية لا تحتاج إلى معرفة أن المحتوى «خطير» حتى تدفعه إلى الأمام؛ يكفي في بعض أنظمة الترتيب أن تظهر مؤشرات تدل على أن المستخدمين يتفاعلون معه، وهنا تكمن أهمية المشاعر، فالمحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف أو الصدمة أو الاستفزاز قد يدفع المستخدم إلى التعليق والمشاركة والمشاهدة لفترة أطول، وقد وجدت دراسة تجريبية منشورة في PNAS Nexus عام 2025 أن نظام ترتيب يعتمد على التفاعل في تويتر/إكس أدى، مقارنة بالترتيب الزمني، إلى زيادة ظهور محتوى مشحون عاطفيًا وعدائي تجاه الجماعات السياسية الأخرى.
وبالتالي قد لا يكون السؤال الذي «تسأله» الخوارزمية هو: ما المحتوى الأكثر صحة؟ وإنما، بحسب تصميم النظام وإشاراته، قد يكون أقرب إلى: ما المحتوى الذي يُرجح أن يتفاعل معه هذا المستخدم؟
لكن هل تقود الخوارزمية الجميع إلى التطرف؟
هنا يجب الحذر من المبالغة، فالأبحاث لا تقدم دليلًا على وجود «طريق حتمي» يبدأ بالشائعة وينتهي بالتطرف لدى كل مستخدم، بل إن دراسة واسعة لتدقيق نظام توصيات يوتيوب، اعتمدت على 100 ألف حساب تجريبي، وجدت أن التوصيات أصبحت أكثر توافقًا مع الميول السياسية للمستخدمين الحزبيين، لكنها لم تجد زيادة ذات معنى في التطرف الأيديولوجي كلما تعمق المستخدم في سلسلة التوصيات، وإن وجدت ارتفاعًا في نسبة التوصيات القادمة من قنوات مصنفة إشكالية، وكان ذلك أوضح لدى المستخدمين الأكثر يمينية..
وهذا يضعف الرواية السهلة التي تقول إن «الخوارزمية وحدها تصنع التطرف»، الأدق أن نقول إن الخوارزمية قد تضخم بعض الاتجاهات الموجودة لدى المستخدم، وقد تزيد تعرضه لمحتوى متوافق مع ميوله، وفي بعض الظروف قد تسهّل الوصول إلى محتوى أكثر تطرفًا أو إشكالية، لكن النتيجة تختلف باختلاف المنصة والمستخدم ونوع المحتوى ونظام التوصية نفسه..
من الشائعة إلى التطرف.. ليست «قفزة» وإنما سلسلة
الخطر الحقيقي لا يكمن بالضرورة في أن يرى المستخدم فيديو متطرفًا فجأة، وإنما في أن تتشكل أمامه بيئة معلوماتية ضيقة ومتكررة يصبح فيها المحتوى المتشابه أكثر حضورًا، وتختفي تدريجيًا الأصوات المخالفة أو المحتوى الذي يضع المعلومات في سياق مختلف، وقد تكون البداية شائعة سياسية، أو معلومة صحية مضللة، أو نظرية مؤامرة، أو خطابًا عدائيًا تجاه فئة معينة، وإذا أصبح المستخدم يتفاعل باستمرار مع هذا النوع من المحتوى، فقد تساعد أنظمة التوصية على زيادة تعرضه لمحتوى مشابه، وفي بعض الحالات، يمكن أن تتدرج المواد من الادعاء المثير إلى التفسير التآمري، ثم إلى خطاب أكثر عدائية وتطرفًا، لكن العامل الحاسم يظل التفاعل بين الإنسان والمنصة، وليس الخوارزمية وحدها، وهنا تكمن المفارقة: المستخدم لا يكون مجرد ضحية للخوارزمية، والخوارزمية ليست مجرد مرآة محايدة للمستخدم، كلاهما يؤثر في الآخر.


















0 تعليق