فوضى السوشيال ميديا.. كيف تعيد الخوارزميات تشكيل قراءة 50 عامًا من تاريخ مصر؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

على مدار نحو خمسة عقود، مرت مصر بتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية متلاحقة، من حرب أكتوبر وما تبعها من تغيرات إقليمية ودولية، مرورًا بسنوات الإصلاح الاقتصادي والتحولات السياسية، وصولًا إلى أحداث 25 يناير 2011 وما أعقبها، ثم مواجهة الإرهاب والتعامل مع أزمات اقتصادية وإقليمية وعالمية متتالية.

لكن قراءة هذا التاريخ الطويل تواجه اليوم تحديًا جديدًا لا يتعلق فقط باختلاف الروايات أو تعدد وجهات النظر، وإنما بالطريقة التي تصل بها المعلومات إلى الجمهور نفسه، ففي عصر السوشيال ميديا، لم يعد القارئ يذهب بالضرورة إلى كتاب أو أرشيف أو مصدر متخصص ليبحث عن تفاصيل مرحلة تاريخية، وإنما قد تصله القصة في فيديو مدته دقيقة، أو منشور قصير، أو صورة أرشيفية أعيد نشرها خارج سياقها، أو مقطع قديم عاد إلى الواجهة باعتباره مادة جديدة.

وفي الوقت نفسه، لا تعرض المنصات كل ما لديها للمستخدم بصورة عشوائية، وإنما تستخدم خوارزميات التوصية لتحليل تفاعلاته واهتماماته واختيار جزء كبير من المحتوى الذي يظهر أمامه، وهنا تبرز القضية التي حذر منها الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال كلمته اليوم في احتفالية المولد النبوي الشريف، عندما تحدث عن وجود «فوضى في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام في المعرفة والطرح والإلمام بالتحديات التي واجهت مصر خلال الخمسين عامًا الماضية».

فالمشكلة لم تعد فقط: هل المعلومة التي أراها صحيحة أم خاطئة؟ ، وإنما أصبحت أيضًا: لماذا أرى هذه المعلومة تحديدًا؟ ولماذا أرى بعدها عشرات المعلومات المشابهة؟ ومن الذي يحدد الصورة التي تتكون في ذهني عن حدث تاريخي أو سياسي؟

عندما تتحول 50 سنة من التاريخ إلى محتوى قصير

التاريخ بطبيعته معقد، فحرب، أو أزمة اقتصادية، أو تحول سياسي، أو قرار حكومي، لا يمكن فهمه عادة من خلال واقعة واحدة منفصلة عن الظروف التي سبقتها أو النتائج التي ترتبت عليها لكن طبيعة المنصات الرقمية تدفع باتجاه آخر؛ محتوى أقصر، عنوان أكثر إثارة، صورة أكثر جذبًا، وفيديو يمكن فهمه خلال ثوانٍ.
وهكذا يمكن أن يتحول حدث تاريخي يمتد لسنوات إلى صورة واحدة، أو تصريح واحد، أو مقطع لا يتجاوز عدة ثوانٍ، المشكلة هنا ليست بالضرورة أن المحتوى كاذب، وإنما أنه قد يكون صحيحًا في جزء منه، لكنه لا يقدم القصة كاملة، وهذا الفارق مهم.
فحذف السياق يمكن أن يغير معنى المعلومة، حتى لو كانت المعلومة الأصلية صحيحة.

الخوارزمية لا تعرف أهمية الحدث.. وإنما تعرف اهتمامك

في وسائل التواصل الاجتماعي، لا تعمل خوارزميات التوصية باعتبارها مؤرخًا يقرر ما الذي يجب أن يعرفه المستخدم، هدفها الأساسي هو اختيار محتوى يُرجح أن يتفاعل معه المستخدم، اعتمادًا على إشارات مثل المشاهدة والتفاعل والاهتمامات وأنماط الاستخدام.

فإذا توقف المستخدم أمام فيديو يتحدث عن حدث تاريخي، أو شاهده حتى نهايته، أو تفاعل مع التعليقات، فقد تصبح هذه الإشارات جزءًا من الصورة التي تستخدمها المنصة لتحديد ما قد يهمه لاحقًا، ثم تظهر مواد مشابهة، ومع استمرار التفاعل، قد يجد المستخدم أمامه مجموعة أكبر من المحتوى الذي يدور حول الرواية أو الزاوية نفسها.
وهنا تظهر ظاهرة تعرف باسم «غرفة الصدى»، حيث يتعرض المستخدم بصورة متكررة لأفكار ومعلومات متشابهة، بينما تقل فرص رؤيته لوجهات نظر مختلفة، لكن الأبحاث العلمية تحذر من تبسيط هذه العلاقة، فالخوارزمية ليست آلة تأخذ المستخدم حتمًا من معلومة إلى أخرى، ولا توجد نتيجة واحدة تحدث مع كل المستخدمين. فاختيارات الإنسان واهتماماته السابقة وطريقة استخدامه للمنصة تلعب دورًا أيضًا.

وبالتالي، فإن العلاقة ليست «الخوارزمية تقود المستخدم» فقط، وإنما يمكن أن تكون دائرة متبادلة: المستخدم يتفاعل مع محتوى معين، والخوارزمية تتعلم من هذا التفاعل، ثم تقدم له محتوى مشابهًا، فيزداد تعرضه لهذا النوع من المعلومات.

 

من «معلومة» إلى «رواية»

وهنا تبدأ المشكلة الأكثر تعقيدًا، المستخدم قد يبدأ بمعلومة واحدة، لكنه لا يبقى أمام معلومة واحدة، فبعد مشاهدة فيديو عن حدث تاريخي، قد تظهر له فيديوهات أخرى تفسر الحدث بالطريقة نفسها، ثم مقاطع تتحدث عن نتائجه، ثم محتوى يقارن بينه وبين أحداث أخرى، وبمرور الوقت، لا يعود المستخدم يتعامل مع كل منشور باعتباره معلومة منفصلة، وإنما تبدأ مجموعة المنشورات في تكوين رواية متكاملة في ذهنه، وقد تكون هذه الرواية صحيحة في بعض أجزائها، أو ناقصة، أو منحازة، أو مبنية على معلومات مضللة، لكن تكرارها يجعلها أكثر ألفة، وبالتالي أكثر قابلية للتصديق لدى بعض المستخدمين، وهنا لا تكون المشكلة في «كذبة واحدة»، وإنما في تراكم عشرات الأجزاء الصغيرة التي تصنع في النهاية صورة كاملة قد لا تعكس كل جوانب الحقيقة.

 

عندما تتحول الأحداث التاريخية الي «تريند»

أحد أخطر مظاهر هذه الظاهرة هو إعادة تقديم الأحداث التاريخية وفق منطق الترند، مثل صورة أرشيفية قديمة تعود للانتشار بعد سنوات، أو تصريح لمسؤول يعاد نشره دون معرفة الظروف التي قيل فيها، أو فيديو من حدث قديم يوضع بجوار حدث جديد لصناعة مقارنة جذابة، أو رقم اقتصادي من فترة زمنية معينة يستخدم للحكم على فترة أخرى، فكل ذلك يمكن أن يمنح المستخدم شعورًا بأنه «يعرف القصة»، بينما هو في الحقيقة شاهد جزءًا محدودًا منها.

 

الصورة والفيديو لا يحكيان القصة كاملة

تمنح الصورة أو الفيديو إحساسًا قويًا باليقين، لكن وجود تسجيل لحدث لا يعني بالضرورة أن التسجيل يقدم تفسير الحدث، قد نرى ما حدث، لكننا لا نعرف دائمًا ما الذي سبقه، أو ما الذي جاء بعده، أو لماذا حدث، أو كيف كانت الظروف المحيطة به، ومع أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة، أصبح التحدي أكثر تعقيدًا، بعدما أصبح من الممكن إنتاج أو تعديل الصور والفيديو والصوت بدرجة يصعب معها على المستخدم العادي اكتشاف التلاعب دائمًا، وهنا يصبح التحقق من مصدر المادة وتاريخها وسياقها أكثر أهمية من أي وقت مضى.

 

المشكلة لا تتوقف عند السوشيال ميديا

ورغم أن منصات التواصل هي البيئة الأكبر لانتشار المحتوى السريع، فإن مسؤولية الفوضى المعلوماتية لا تقع عليها وحدها، فبعض المؤسسات الإعلامية تواجه هي الأخرى ضغوطًا مرتبطة بسرعة النشر والمنافسة على المشاهدات والزيارات والتفاعل، وفي هذا السياق، يمكن أن يتحول العنوان من وسيلة لتقديم الخبر إلى أداة لجذب المستخدم فقط، وقد يؤدي الاختصار الشديد إلى فقدان جزء من السياق.
وهنا يصبح الإعلام أمام اختبار مختلف: كيف ينافس سرعة المنصات، دون أن يتخلى عن أهم ما يميزه، وهو التحقق ووضع المعلومة في سياقها؟

 

الاقتصاد.. نموذج آخر على خطورة المعلومة المبتورة

لا يقتصر الأمر على الأحداث السياسية والتاريخية، فالقضايا الاقتصادية تقدم مثالًا واضحًا على مشكلة الأرقام المنفردة، ويمكن لمنشور واحد أن يعرض سعر صرف، أو نسبة تضخم، أو حجم دين، أو رقمًا للاستثمارات، ثم يستخدم هذا الرقم للحكم على سنوات كاملة، لكن الرقم الاقتصادي لا يحمل معناه بمفرده، فلا بد من معرفة السنة، والمؤشر المستخدم، وطريقة الحساب، وما إذا كان الرقم اسميًا أم حقيقيًا، وما الذي تغير خلال الفترة نفسها، ولهذا، فإن تقييم مسيرة اقتصادية كاملة من خلال رقم واحد متداول على السوشيال ميديا يشبه محاولة فهم فيلم كامل من خلال لقطة واحدة.

 

من يقود الآخر.. المستخدم أم الخوارزمية؟

وهنا نصل إلى السؤال الأصعب، هل الخوارزمية هي التي تقود المستخدم إلى رواية معينة؟أم أن المستخدم هو الذي يكشف للمنصة، من خلال تفاعلاته، عن الرواية التي يريد رؤيتها؟، الحقيقة أن العلاقة أكثر تعقيدًا من اختيار أحد الاحتمالين، فالخوارزمية تتعلم من المستخدم، والمستخدم بدوره يتأثر بما تعرضه الخوارزمية، وكلما تكررت دائرة التفاعل، يمكن أن يصبح المحتوى المتشابه أكثر حضورًا في تجربة المستخدم، وفي بعض الحالات، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تضييق مساحة المعلومات التي يتعرض لها الشخص، وزيادة استقطابه، خصوصًا عندما تكون الموضوعات سياسية أو اجتماعية شديدة الحساسية.

 

50 عامًا لا تختصرها خوارزمية

خلال نصف قرن، مرت مصر بتغيرات أكبر بكثير من أن تختصرها منشورات متفرقة أو فيديوهات قصيرة، وليس المطلوب أن يتفق الجميع على تفسير واحد لكل هذه الأحداث، فالاختلاف حق طبيعي، والنقد جزء أساسي من أي مجتمع.
لكن الاختلاف يصبح أكثر فائدة عندما يستند إلى معرفة حقيقية بالمعلومات والسياق والوثائق، أما الخطر فيبدأ عندما تحل الخوارزمية محل البحث، ويحل الترند محل السياق، ويصبح عدد المشاهدات بديلًا عن قيمة المعلومة، ففي النهاية، لا تكمن المشكلة فقط في أن السوشيال ميديا قد تنشر معلومة خاطئة، وإنما في احتمال أن تمنح المستخدم جزءًا من الحقيقة بصورة متكررة، حتى يظن أنه رأى الحقيقة كاملة.
وهنا تبدو أهمية التحذير من «فوضى المعرفة والطرح»: فالمعركة الحقيقية ليست فقط ضد الشائعة، وإنما من أجل حق المواطن في أن يرى الصورة كاملة، وأن يعرف الفرق بين ما حدث فعلًا، وما قيل إنه حدث، وما تختار الخوارزمية أن تعرضه له.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق