حين نتخيل القراءة اليوم، ربما نرى شخصًا يجلس وحيدًا في ركن هادئ، وبين يديه كتاب، أو مكتبة يخيّم عليها الصمت لكن هذه الصورة التي تبدو طبيعية لنا لم تكن دائمًا كذلك، فالقراءة ارتبطت لآلاف السنين بالصوت والجماعة، وكان النص يُسمع بقدر ما يُقرأ.
القراءة طقس يُسمع
منذ ظهور الكتابة، ظل عدد القادرين على القراءة محدودًا، لذلك لم تكن الكتب نشاطًا فرديًا كما نعرفه اليوم، كان من يستطيع فك رموز الكتابة يقرأ النصوص للآخرين، سواء كانت منقوشة على ألواح أو مكتوبة على اللفائف.
ويشير الكاتب ألبرتو مانجويل، في كتابه “تاريخ القراءة” (A History of Reading)، إلى أن الكتاب في الفترة الممتدة من نحو القرن الخامس قبل الميلاد وحتى العصور الوسطى كان يُكتب مع افتراض أن النص سيُسمع، لا أن تراه العين فقط. وكانت الكلمات تُكتب في كثير من النصوص القديمة متصلة، من دون المسافات وعلامات الترقيم التي تساعد قارئ اليوم على متابعة الجمل بسهولة.
ولهذا تخيل مانجويل أن المكتبات القديمة، ومنها مكتبة الملك الآشوري آشوربانيبال ومكتبتا الإسكندرية وبرجاموم، لم تكن أماكن صامتة بالمعنى الذي نعرفه الآن، بل ربما امتلأت بأصوات من يقرؤون النصوص.
ومن أشهر الشواهد التي تُذكر عند الحديث عن القراءة الصامتة ما كتبه القديس أوغسطينوس في “اعترافاته” عن أمبروسيوس، أسقف ميلانو، الذي كان يقرأ دون أن يحرك صوته أو لسانه.
من القراءة الجماعية الي مساحة خاصة
لم تتحول القراءة إلى نشاط صامت في لحظة واحدة، فقد ساهم تطور شكل النص، بما في ذلك زيادة استخدام المسافات بين الكلمات وعلامات الترقيم، في جعل القراءة بالعين أكثر سهولة، دون الحاجة إلى نطق كل كلمة.
ثم جاء اختراع الطباعة، فانتشرت الكتب واتسعت دائرة القراء، لكن القراءة الجماعية ظلت حاضرة حتى بدايات العصر الحديث؛ إذ كانت الكتب تُقرأ في الورش والحانات وأماكن التجمع، وتدخل في الحياة الاجتماعية اليومية.
ومع القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أصبحت القراءة الصامتة أكثر انتشارًا، ومنحت القارئ علاقة أكثر خصوصية بالنص.
هل اختفت القراءة بصوت عالٍ؟
رغم أن القراءة الصامتة أصبحت القاعدة اليوم، فإن القراءة بصوت عالٍ لم تختفِ، فما زالت حاضرة في قراءة الآباء لأطفالهم، ونوادي القراءة، ومشاركة النصوص بين الأصدقاء، كما أعادت الكتب الصوتية إلى القصص جزءًا من حضورها المسموع.
وتشير أبحاث نقلت عنها هيئة الإذاعة البريطانية BBC إلى أن قراءة الكلمات بصوت عالٍ قد تساعد على تذكرها بصورة أفضل مقارنة بقراءتها في صمت، إذ يتعامل الدماغ معها من خلال المعلومات البصرية والسمعية معًا.
وهكذا، فإن الصمت الذي نربطه اليوم بالقراءة ليس جزءًا ثابتًا من طبيعة الكتاب، بل نتيجة رحلة طويلة تغيرت خلالها علاقة الإنسان بالكلمات؛ بدأت بصوت يُسمع وسط الجماعة، وانتهت بكتاب يفتح صفحاته كل قارئ على طريقته، وفي هدوء عالمه الخاص.
- :نيويورك بوست": ألغت وزارة الخارجية الأميركية أكثر من 250 ألف تأشيرة في حملة تدقيق واسعة النطاق للهجرة في عهد إدارة ترامب
- قصف مدفعي إسرائيلي متقطّع على أطراف ميفدون وتمشيط أطراف كفرشوبا بالرشّاشات الثقيلة
- الخزانة الأميركيّة: على أوروبا طرح كميّات إضافية من الديزل فورًا
- الخارجية الإيرانية: نطالب بعودة حركة الطيران بين إيران والعراق والقيود تتعارض مع علاقات حسن الجوار
- "أ. ف. ب": دوي انفجارات قوية في العاصمة اليمنية صنعاء

















0 تعليق