الكاتب حامد الناظر: فى "عائلة شجرة الليمون" رصدت ما تفعله الحرب بحياة الناس

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ينطلق الكاتب والروائى السودانى حامد الناظر فى روايته "عائلة شجرة الليمون"، محاولًا الاقتراب من أثر الحرب فى الإنسان، أكثر من انشغاله بتسجيل وقائعها السياسية والعسكرية.

فى الرواية تدخل الحرب إلى البيوت، وتتسلل إلى العلاقات بين أفراد الأسرة، وتكشف ما كان مستترًا خلف تفاصيل الحياة اليومية، بينما تصبح الذاكرة والحب والخوف والفقد والفن وسائل مختلفة لفهم عالم تغير بعنف، ويأتى صوت «بدر الدين الخواجة»، الشخصية الهشة نفسيًا واجتماعيًا، ليأخذ القارئ إلى منطقة تتداخل فيها الذاكرة بالواقع والخيال، وتصبح الحكاية العائلية مدخلًا إلى أسئلة أوسع عن المجتمع والحرب والنجاة.
وفى حواره مع "اليوم السابع" يتحدث حامد الناظر عن الحرب بوصفها تجربة تعيد تشكيل الإنسان، وعن العائلة باعتبارها عالمًا من الحب والخلاف والأسرار، وعن الفن كمساحة للمقاومة وحماية الجزء الإنسانى وسط الخراب..

عائلة شجرة الليمون
عائلة شجرة الليمون

 

وإلى نص الحوار:

هل كنت حريصًا على الكتابة عن الحرب بوصفها تجربة إنسانية تعيد تشكيل مصائر الأفراد وذواتهم، أكثر من كونها حدثًا سياسيًا وعسكريًا؟

لعل هذا هو الجانب الذى جذبنى إلى الكتابة عن الحرب، الصحافة تمنحنى فرصة لمتابعة الحدث وتوثيق تفاصيله، بينما تتيح لى الرواية الاقتراب من الإنسان الذى يعيش داخل الحدث.
كنت أريد أن أرى ماذا تفعل الحرب بحياة شخص عادى، وكيف يمكن لحدث كبير أن يصل إلى غرفة صغيرة داخل بيت، وأن يغير علاقة أب بابنه أو زوج بزوجته أو أخ بأخته.
عندما تصل الحرب إلى هذه المساحة تصبح جزءًا من تكوين الشخصيات نفسها، وتصبح مصائرهم امتدادًا لما جرى حولهم.

الحرب لا تنتهى بانتهاء المعارك أو صمت السلاح.. إلى أى مدى كان ما تتركه الحرب داخل الإنسان هو المساحة الأساسية التى أردت الاشتغال عليها فى الرواية؟

هذا الأثر الداخلى كان من أهم المساحات التى اشتغلت عليها، هناك أشياء تظل مع الإنسان بعد عودته إلى البيت، وتظهر فى أحلامه، وفى علاقاته، وفى طريقته فى التعامل مع الآخرين.
أحيانًا يحمل الإنسان الحرب معه إلى مكان آمن، فتستمر داخله صورة المكان الذى غادره، أو الشخص الذى فقده، أو القرار الذى اضطر إلى اتخاذه.
أردت أن أقترب من هذا الزمن الداخلى للحرب، حيث تستمر الأحداث فى الذاكرة حتى بعد أن تتوقف فى الخارج.

تكشف الرواية أثر الحرب فى العلاقات الإنسانية داخل الأسرة والمجتمع، فهل تستطيع الحرب، فى رأيك، أن تهدم روابط تبدو أكثر صلابة مما تستطيع أن تهدم البيوت؟ 

الحرب تختبر العلاقات إلى أقصى حدودها، البيت يمكن أن يتغير أو ينهار، لكن الإنسان يكتشف فى أوقات الحرب أن الروابط التى تجمعه بالآخرين تحتاج إلى قدر كبير من الثقة والقدرة على الاحتمال.
لكن الصوت الراوى، "بدر الدين الخواجة"، شخصية هشة تعانى من الناحية النفسية والاجتماعية، وهذا وسّع كثيرًا المساحات والأبعاد التى تمددت فيها الأحداث بين الذاكرة والواقع والخيال.
فى الرواية تدخل الحرب إلى العلاقات العائلية، وتكشف ما كان مختبئًا تحت سطح الحياة اليومية. يصبح لكل فرد خوفه وقراءته لما حدث، وقد يجد أفراد الأسرة أنفسهم أمام مواقف تجعلهم يعيدون النظر فى علاقتهم ببعضهم.
وهنا تصبح العائلة صورة مصغرة للمجتمع؛ لأن أفرادها يعيشون الحدث نفسه، بينما يخرج كل واحد منهم منه بصورة مختلفة.

حامد الناظر
حامد الناظر

 

العائلة فى الرواية ليست دائمًا مساحة للأمان؛ إلى أى مدى أردت مساءلة الصورة التقليدية للعائلة بوصفها الملاذ الأول للإنسان؟

العائلة بالنسبة لى عالم كامل، فيه الحب، وفيه الخلاف، وفيه الذاكرة، وفيه الأسرار، لذلك كنت أتعامل معها بوصفها كائنًا حيًا يتغير مع الظروف.
الحرب تضغط على هذا العالم، وتدفع أفراده إلى مواجهة أشياء كانت مؤجلة، أحيانًا يكون أقرب الناس إلى الإنسان هم الأكثر قدرة على جرحه، لأنهم يعرفون تاريخه ويعرفون نقاط ضعفه.

كيف تعاملت مع التباين بين الأجيال داخل العائلة؟ وهل تعكس اختلافات الشخصيات اختلافًا فى القيم والرؤى، أم أنها بالأساس نتيجة لاختلاف التجارب التى مر بها كل فرد؟

لا يوجد صراع أجيال بالمعنى المعروف فى هذه الرواية، بقدر ما أن هناك تباينًا فى النظر إلى الأمور بين جيل الأبناء والآباء، يرتبط بالتجربة التى عاشها كل منهما. الشخص الذى عاش مرحلة معينة من تاريخ السودان يحمل تصورًا مختلفًا عن الشخص الذى نشأ فى ظروف أخرى.
لهذا فإن الاختلاف يأتى من الطريقة التى صنعت بها الحياة كل واحد منهم. الجيل الأكبر يرى العالم من خلال ما عاشه، بينما يراه الجيل الأصغر من خلال تجربة طازجة عاشها خلال فترة الثورة والحرب، إلى جانب ذكريات الطفولة البعيدة.
هذه الفجوة منحت العائلة جزءًا من توترها، لأن كل شخص يحمل روايته الخاصة لما جرى.

تبدو شخصيات الرواية بعيدة عن التقسيم البسيط بين الخير والشر، هل تعمدت بناءها داخل مناطق رمادية؟ وما الذى تضيفه هذه المساحات إلى رؤيتك للإنسان فى زمن الحرب؟

كنت أبحث عن الإنسان فى لحظاته المعقدة، ولذلك جاء بدر الدين الخواجة بكل تعقيداته وبساطته فى آن واحد. الحرب تضع الشخص أمام اختيارات صعبة، وقد تدفعه إلى اتخاذ قرار لم يكن يتخيل أن يتخذه فى ظروف أخرى.
لذلك أحب أن تظل الشخصية قابلة للفهم حتى عندما يختلف القارئ معها. الإنسان يحمل تناقضاته معه، وقد يحب ويخطئ ويخاف ويحاول النجاة فى الوقت نفسه.
هذه المساحة تمنح الشخصيات حياة أكبر، وتجعل القارئ مضطرًا إلى النظر إليها من الداخل، بدلًا من إصدار حكم سريع عليها.

 بدر الدين الخواجة فنان، فهل يمكن للفن، والرسم تحديدًا، أن يتحول إلى فعل مقاومة فى مواجهة الحرب، أم أنه فى النهاية محاولة فردية لحماية الإنسان من الانهيار؟

أرى الفن وسيلة لحماية الجزء الإنسانى فينا. بدر الدين يرسم لأنه يحتاج إلى طريقة يرى من خلالها العالم، ويحافظ بها على صلته بنفسه، لأنه شخص مختلف أيضًا.
قد لا يستطيع الفنان أن يوقف الحرب، لكنه يستطيع أن يحتفظ بصورة الإنسان وسط الخراب. الرسم بالنسبة إلى بدر الدين يصبح مساحة يتنفس فيها، ويعيد من خلالها ترتيب علاقته بالعالم.

وربما تكون هذه إحدى صور المقاومة التى يعمل فيها الفن على مستوى آخر؛ مستوى الذاكرة والروح وقدرة الإنسان على الاستمرار.

فى حكاية مريم تطرح الرواية قضية شديدة القسوة تتعلق بنظرة المجتمع إلى ضحية الاغتصاب؛ هل أردت القول إن محاكمة المجتمع للضحية قد تضيف إلى الجريمة عنفًا آخر لا يقل قسوة؟

مريم، كما فى خيال بدر الدين الخواجة، تحمل جرحًا صنعه شخص آخر، ثم تجد نفسها أمام مجتمع ينظر إليها من خلال ما حدث لها، هنا يصبح السؤال أكبر من الجريمة نفسها؛ لأنه يتعلق بالطريقة التى يتعامل بها المجتمع مع الضحية.
كنت مهتمًا بكشف اللحظة التى يتحول فيها المجتمع من مساحة للحماية إلى مصدر آخر للضغط على الإنسان، حين يحمل الناس الضحية مسؤولية ما تعرضت له، يصبح عليها أن تواجه الجريمة ونظرة الآخرين إليها فى الوقت نفسه.
هذه واحدة من أكثر حكايات الرواية قسوة، كما تخيلها الراوى على الأقل؛ لأنها تضع القارئ أمام مسؤولية المجتمع تجاه من تعرض للأذى.

إلى أى مدى تلعب الذاكرة دورًا فى تشكيل حاضر أفراد العائلة؟ وهل يستطيع الإنسان فعلًا أن يتحرر من ماضى أسرته، أم أنه يظل يحمل شيئًا منه مهما حاول الابتعاد؟

الذاكرة حاضرة بقوة فى الرواية، وربما يمكن اعتبارها شخصية غير مرئية تتحرك بين أفراد العائلة.
كل شخص يحمل جزءًا من الماضى، لكن كل واحد يتعامل معه بطريقة مختلفة. هناك من يحاول استعادته، وهناك من يحاول الابتعاد عنه، وهناك من يعيد تفسيره كلما تغيرت حياته.
الإنسان يرث من عائلته أكثر من الاسم والمكان؛ يرث الحكايات والصمت والخوف، وبعض الأشياء التى لم يجد أحد الشجاعة الكافية لقولها.
لذلك يظل الماضى حاضرًا فى تكوين الإنسان، حتى عندما يقرر أن يبدأ حياته من مكان آخر.

هل يمكن اعتبار «عائلة شجرة الليمون» محاولة لمقاومة النسيان، ليس عبر تأريخ الحرب فى صورتها الكبرى، وإنما عبر حفظ حكايات الأشخاص العاديين الذين تطحنهم الأحداث الكبرى عادة؟

ربما كانت مقاومة النسيان واحدة من الدوافع الأساسية لكتابة الرواية. الحروب الكبرى تترك وراءها أرقامًا وتواريخ وأسماء للمعارك، لكن حياة الأشخاص الذين عاشوا تلك الأحداث يمكن أن تختفى مع مرور الوقت.

كنت أريد أن أحتفظ بشىء من حياة هؤلاء الناس، وأن أضع حكاياتهم داخل الذاكرة الأدبية. بالنسبة إلىّ، التاريخ يعيش أيضًا فى البيوت، وفى تفاصيل الحياة اليومية، وفى الأشياء التى يحتفظ بها الناس بعد رحيل من أحبوا.

الرواية تمنح هؤلاء الأشخاص فرصة أخرى للحضور، وتقول إن للحرب وجهًا آخر يظهر فى حياة الذين عاشوها من الداخل.

أنت صحفى وإعلامى إلى جانب كونك روائيًا؛ ما الذى يستطيع الأدب أن يفعله إزاء مآسى الحروب، ولا يستطيع الخبر الصحفى أو الكتابة التاريخية الوصول إليه بالدرجة نفسها؟

الصحافة تبحث عن الحدث وتضعه أمام القارئ فى أسرع وقت، والتاريخ يمنح الحدث سياقه ومساره، بينما تمنح الرواية الإنسان مساحة أوسع داخل الحدث.
الخبر يستطيع أن يخبرنى بأن بيتًا دُمّر، لكن الرواية تستطيع أن تجعلنى أفكر فى الشخص الذى عاش فى ذلك البيت، وفى الأشياء التى تركها خلفه، وفى معنى أن يعود يومًا إلى المكان الذى كان يسميه وطنًا.
بحكم عملى فى الصحافة والإعلام، أعرف قيمة الخبر وأعرف مسؤوليته تجاه الحقيقة. لكن الرواية تمنحنى نوعًا آخر من الأسئلة؛ أسئلة تتعلق بما يفعله الحدث فى الروح، وبالطريقة التى تتحول بها التجربة إلى ذاكرة.
ربما لهذا أجد أن الصحافة والرواية تتقاطعان عند نقطة معينة: الصحافة تحفظ تفاصيل اللحظة، والرواية تحاول أن تحفظ أثر تلك اللحظة فى الإنسان.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق