لأكثر من عقدين، ظل فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي «سي» أحد أخطر التحديات الصحية التي واجهت مصر، بعدما تسبب في إصابة أعداد كبيرة من المواطنين، وتحول إلى أزمة تؤثر على صحة الأسر المصرية وقدرتها على العمل والإنتاج، قبل أن تبدأ الدولة تنفيذ واحدة من أكبر الحملات الصحية للكشف والعلاج المجاني على مستوى العالم.
وكان فيروس سي يمثل عبئًا صحيًا واقتصاديًا كبيرًا، بسبب ارتباطه بمضاعفات خطيرة على الكبد، من بينها التليف والأورام، إضافة إلى التكاليف المرتفعة للعلاج في ظل احتياج المرضى إلى متابعة طبية مستمرة لفترات طويلة.
سنوات من المعاناة.. حين كان فيروس سي تهديدًا للصحة العامة
قبل إطلاق المبادرات القومية للقضاء على الفيروس، كانت مصر من أكثر الدول التي سجلت معدلات مرتفعة للإصابة بالالتهاب الكبدي الوبائي «سي»، وهو ما جعله أحد الملفات الصحية الأكثر إلحاحًا.
وكانت الإصابة بالفيروس تؤثر على حياة المرضى وأسرهم، حيث يواجه المصابون مخاطر تدهور الحالة الصحية مع مرور الوقت، فضلًا عن تأثير المرض على القدرة على العمل، وزيادة الأعباء النفسية والمادية المرتبطة بالعلاج.
مبادرة «100 مليون صحة».. أكبر حملة للكشف والعلاج
بدأت مصر تنفيذ حملة قومية للكشف عن فيروس سي والأمراض غير السارية تحت شعار «100 مليون صحة»، والتي استهدفت فحص ملايين المواطنين بالمجان في جميع المحافظات.
واعتمدت الحملة على الوصول إلى المواطنين من خلال مراكز الفحص والوحدات الطبية المنتشرة، مع توفير التحاليل والعلاج بالمجان للمصابين، بهدف اكتشاف الحالات مبكرًا وتقليل فرص تطور المرض إلى مراحل متقدمة.
ونجحت المبادرة في فحص أكثر من 60 مليون مواطن خلال مراحلها المختلفة للكشف عن فيروس سي والأمراض غير السارية، ضمن خطة استهدفت القضاء على المرض بدلًا من الاكتفاء بعلاج الحالات المتقدمة.
من العلاج المكلف إلى توفير الدواء للمواطنين بالمجان
قبل التوسع في برامج العلاج، كان الحصول على أدوية فيروس سي يمثل تحديًا أمام بعض المرضى بسبب ارتفاع تكلفتها، إلا أن الدولة عملت على توفير العلاج الحديث للمصابين بأسعار مناسبة ثم بالمجان ضمن المبادرات القومية.
وساهم توفير الأدوية الفعالة وإجراء الفحوصات اللازمة في رفع معدلات الشفاء، وتحويل فيروس سي من مرض يهدد حياة المرضى إلى مرض يمكن القضاء عليه بالعلاج والمتابعة الطبية.
كما ركزت التجربة المصرية على اكتشاف الحالات المصابة قبل ظهور المضاعفات، وهو ما ساعد على تقليل العبء الناتج عن علاج الحالات المتقدمة.
إعلان مصر خالية من فيروس سي.. إشادة دولية بالتجربة
في عام 2023، أعلنت منظمة الصحة العالمية حصول مصر على الإشهاد الدولي بتحقيق المستوى الذهبي على مسار القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي «سي»، بعد نجاحها في خفض معدلات الإصابة والوصول إلى معدلات تتوافق مع معايير القضاء على المرض.
وأشادت المنظمة بالتجربة المصرية باعتبارها نموذجًا في توسيع نطاق الفحص والعلاج، خاصة مع تنفيذ حملة جماهيرية ضخمة تمكنت من الوصول إلى ملايين المواطنين في وقت قياسي.
عبدالغفار: تجربة مصر في القضاء على فيروس «سي» نموذج عالمي
في وقت سابق، أكد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، أن تجربة مصر في القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي «سي» أصبحت نموذجًا عالميًا في التحول الصحي الشامل، مشيرًا إلى أن النجاح لم يقتصر على القضاء على المرض، وإنما امتد إلى بناء منظومة مستدامة لحماية صحة الكبد تعتمد على الكشف المبكر والمتابعة المستمرة.
جاء ذلك خلال كلمة الوزير في فعاليات الاحتفال باليوم العالمي لالتهاب الكبد 2026، حيث أوضح أن مبادرة «100 مليون صحة» نجحت في فحص أكثر من 60 مليون مواطن، وتقديم العلاج المجاني لأكثر من 4 ملايين مريض، ما ساهم في خفض معدل انتشار فيروس «سي» إلى 0.28%، ووضع مصر ضمن الدول الرائدة عالميًا في القضاء على المرض.
وأشار عبدالغفار، إلى أن هذا الإنجاز جاء نتيجة التخطيط العلمي، والاعتماد على قواعد بيانات دقيقة، والحوكمة الفعالة، والتوسع في تصنيع الأدوية محليًا، بالإضافة إلى جهود الفرق الطبية والعاملين بالقطاع الصحي، مؤكدًا أن مصر واصلت العمل بعد القضاء على الفيروس لضمان استدامة النتائج وحماية صحة المواطنين.
ولفت الوزير إلى مرور ثلاثة أعوام على حصول مصر على المستوى الذهبي من منظمة الصحة العالمية في مسار القضاء على فيروس «سي» كتهديد للصحة العامة، مؤكدًا أن الدولة انتقلت من مرحلة مكافحة الفيروس إلى تطبيق نموذج متكامل لرعاية صحة الكبد.
وأوضح أن الوزارة توسعت في تنفيذ البرنامج القومي للكشف المبكر وعلاج سرطان الكبد الأولي، من خلال المتابعة الدورية والتشخيص المبكر وتوفير أحدث طرق العلاج، بما يضمن تقديم رعاية صحية متكاملة وعادلة للمواطنين.
وأكد أن هذه الجهود انعكست على المؤشرات الصحية، حيث لم يعد سرطان الكبد من أكثر أنواع السرطان انتشارًا في مصر، مع تسجيل انخفاض ملحوظ في معدلات الإصابة والوفيات، وفقًا لأحدث التقديرات الدولية.
وشدد وزير الصحة، على أن استمرار النجاحات الصحية يتطلب تطوير منظومة تعتمد على البيانات والتحول الرقمي وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، بما يضمن مواجهة التحديات المستقبلية والحفاظ على المكتسبات الصحية.
وأشار إلى أن مصر تعمل على نقل خبراتها في مكافحة أمراض الكبد إلى الدول الأخرى، خاصة في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، من خلال برامج التدريب وتبادل الخبرات ودعم بناء القدرات، مؤكدًا أن التعاون الدولي يمثل عنصرًا أساسيًا في تسريع التقدم بمجال الصحة العامة.
من جانبه، أكد الدكتور نعمة عابد، ممثل منظمة الصحة العالمية في مصر، أن التجربة المصرية في القضاء على التهاب الكبد الفيروسي تمثل إنجازًا غير مسبوق ورسالة للعالم حول قدرة الدول على القضاء على الأمراض من خلال الإرادة السياسية والتخطيط العلمي، مشيدًا بدور مصر في تعزيز جهود الوقاية واستدامة النجاح.
كما أشادت الدكتورة إليزابيت فايدرباس، مديرة الوكالة الدولية لبحوث السرطان، بتجربة مصر في مكافحة فيروس «سي»، مؤكدة أهمية استمرار جهود الوقاية والكشف المبكر والاعتماد على الأدلة العلمية في مواجهة سرطان الكبد.
وأكد الدكتور وحيد دوس، رئيس اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية، أن التجربة المصرية أصبحت نموذجًا يحتذى به عالميًا، مشددًا على ضرورة استمرار برامج الوقاية والفحص للحفاظ على الإنجازات التي تحققت.
وفي ختام الاحتفالية، كرم الدكتور خالد عبدالغفار نجل الدكتور الراحل حمدي بكر، مدير وحدة علاج الفيروسات الكبدية بمستشفى الفيوم العام، تقديرًا لإسهاماته في رعاية مرضى الكبد ودعم جهود الدولة في مكافحة الفيروسات الكبدية.














0 تعليق