سنة 1988 قدم إلى القاهرة رجل يُدعي ستوري آلين قاصدًا لقاء نجيب محفوظ. لم يكن يعرف عنوان لبيته أو الأماكن التى يتردد عليها. لم يكن يعلم سوي أن أدب الرجل قد انطلق من مدة على جناحين عملاقين وطافا افق العالم واجدًا طريقه إلى قلوب وعقول الباحثين عن الوجود والمعني.
على أي حال لم يهدر آلين وقته واتصل فور وصوله بالشؤون الخارجية بوزارة الثقافة، وطلب أن يقابل محفوظ في الموعد الذي يحدده. فاتصل بدوره محمد سلماوي وكيل وزارة الثقافة آنذاك بصاحب الثلاثية وتم تحديد الموعد في الدور السادس بجريدة الأهرام.
كان الزائر هو السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية ستوري آلين الذي اصطحب معه السفير المصري في استوكهولم عبد الرحمن مرعي ليخبرا نجيب محفوظ أن أعضاء لجنة الأدب بالأكاديمية السويدية البالغ عددهم 18 عضوا قد اتفقوا على منح محفوظ جائزة نوبل.
في بداية اللقاء حاول محفوظ أن يُعرب عن شكره للأكاديمية السويدية على نوبل فرد ستوري آلين على الفور قائلا:ً "بل نحن الذين نشكرك على قبولك الجائزة؛ لأنك بذلك قد صححت وضعا كان خاطئا!
وراح يشرح للأديب الكبير أن جائزة نوبل أنشئت منذ ما يقرب من قرن كامل من الزمان، وفاز بها أدباء من مختلف أنحاء العالم، ولم يفز بها أحد من العالم العربي. وإن ذلك الوضع غير سليم فللعرب تاريخ أدبي عريق يرجع إلى عدة قرون مضت، وعدم منح الجائزة لأي أديب عربي طوال عمر الجائزة يمكن أن يمس مصداقيتها
وأضاف لقد شهدت يا أستاذ محفوظ تقلبات اجتماعية وسياسية كثيرة وكبيرة خلال حياتك، وتمكنت من خلال فنك الروائي العظيم أن ترصد كل تلك التحولات وأن تتفاعل معها، بل وأن تستشرف من خلال إنتاجك الأدبي الغزير آفاق المستقبل. أما من الناحية الفنية فإن الفن الروائي العربي أصبح مرادفا لاسم نجيب محفوظ، فأنت الذي أعطيت الرواية شكلها العربي المميز وأثرت في أجيال من الروائيين
كان نجيب محفوظ قبل تلك الزيارة أديب عربي مشهور ترجمت أعماله للغات أجنبيه وحصل على تقدير معقول من الأوسط الاكاديمية التي تناولت اعماله بالدراسة والنقد كما عرفت رواياته طريقها إلى الشاشة والسينما فيما لم ينس الأديب الكبير وسط كل مشاغلة سواء في الكتابة او وظيفته الحكومية أن يشتبك اسبوعيا مع الواقع من خلال ندواته ولقاءاته مع خلصائه وأصدقاءه وتلاميذه ومريديه.. الذين كشفوا لنا عن وجهٍ آخر لأديب نوبل لا يقل بهاء عن مكانته الأدبية.
من هم الحرافيش
يصحح الكاتب الكبير محمد سلماوي في كتابه "في حضرة نجيب محفوظ" الاعتقاد الشائع على الحرافيش قائلا: "هناك اعتقاد سائد بأن جميع أصدقاء محفوظ من الحرافيش، والحقيقة أن هذا غير صحيح فهو لم يكن يطلق هذا الاسم إلا على شلته القديمة التي ظل يلتقي بها حتى آخر أيامه مساء كل يوم خميس بمنزل المخرج السينمائي الكبير توفيق صالح، والتي كانت تضم: "عادل كامل وأحمد زكي مخلوف ومحمد عفيفي وأحمد مظهر وأمين الذهبي.. وغيرهم. وقد عرفت شلة الحرافيش بعض الأعضاء العابرين مثل: صلاح جاهين وأحمد بهاء الدين ومصطفى محمود ولويس عوض، والفنان جميل شفيق.
وكان نجيب محفوظ في حقيقة الأمر يخصص يوم الخميس للقاءين وليس واحدًا كما يخبرنا الكاتب جمال الغيطاني في كتابه "المجالس المحفوظية" قائلا: اللقاء الأول كان مخصصًا في مقهى عرابي بالعباسية مع أصدقاء الطفولة والشباب، كان يمضى بصحبتهم ساعتين بالضبط، من السادسة إلى الثامنة.
ليمضي بعدها سيراً على الأقدام إلى كبابجي شهير قريب من ميدان الجيش يكون الكيلو في انتظاره ملفوفًا، ومن حلواني قريب يأخذ كيلو البسبوسة، ويستقل عربة أجرة حيث لقائه الثاني مع الحرافيش". والطريف ان نجيب صار يتخلي عن كيلو البسبوسة في بداية الستينات بعد اكتشافه اصابته بمرض السكر.
أما يوم الجمعة فقد كان مخصصًا لندوة أسبوعية في الدور العلوي من كازينو أوبرا حيث كانت تعقد كل صباح جمعة ويحضرها عددًا من الأدباء والقصاصين والشعراء والمثقفين والمريدين وغيرهم من المعجبين بأدب نجيب محفوظ
الندوة ملهاش باب
يقول الكاتب صالح مرسي في كتابه "هم وأنا" إن الاقدار كفاءته في بداية حياته الصحفية فمنحته فرصة لقاء أديبه المفضل نجيب محفوظ خلال لقائه الأول بحيي حقي في مكتبه، فهناك دخل عليهما محفوظ ليلتقي صالح بضرب حظ واحدة بالأديبين الكبيرين حقي ومحفوظ.
وخلال اللقاء حاول مرسي ألا يفوت فرصة لقاء محفوظ مرة أخري فاستأذنه حضور ندوته قائلا: كنت عاوز أستأذن حضرتك في حاجه!
اتفضل
ممكن تسمح لي أحضر ندوة الجمعة؟!
فهتف محفوظ مستنكراً :
الندوة ملهاش باب
ليكتشف صالح بعد ذلك الجو العام الذي رآه في ندوة محفوظ قائلا:
"لم تكن الندوة اجتماعاً المجموعة من الأدباء والشعراء والمثقفين للدردشة وازجاء الوقت بل كانت دائماً مجالاً لحوار كان يمتد لساعات تتطاير فيها الآراء وتتفاعل ذلك أن الندوة كانت تضم أدباء من مدارس الأدب المختلفة، والتي كانت خلافاتها في تلك الفترة تزداد ازدهارا"
منهج محفوظ السقراطي
ويتحدث عن دور محفوظ في الندوة قائلا: "وكان نجيب محفوظ يبدو وكأنه حكم في مباراة ثقافية، سؤاله يبدو مثل صفارة حكم يعيد بها المناقشة الى مسارها الطبيعي.. كنت في تلك الأيام استمتع حقاً بذلك الأسلوب الذي كان يتبعه، فلقد أدركت مرة بعد مرة، ما كان الاستاذ يعنيه بسؤاله إذا سأل سيطر على فكرى ذلك الاحساس بسيادة المنهج السقراطي على أسلوب الرجل، ذلك المنهج الذي أطلقوا عليه اسم التهكم والتوليد".
ويحكي صالح عن النظام الدقيق الذي يتبعه محفوظ قائلا:
"لفت نظري شيء غريب، نظر الرجل في ساعته فظننت أنه يريد أن يبرح، رفع رأسه نحو الجرسون الذي كان يقف قريبا من باب القاعة، رفع يده إليه فأحسست أنه يطلب الحساب وتأكد لدى إنه سوف يغادرنا فداخلني ضيق من لم يرتو بعد والمياه بين يديه... اختفى الجرسون لكنه عندما عاد كان يحمل إلى الأستاذ فنجانا آخر من القهوة وضعه أمامه... رشف الرجل من الفنجان رشفة بحساب، ثم أشعل سيجارة!
هكذا عرفت فيما بعد أن الرجل لا يدخن كما ندخن، لا يشعل السيجارة إلا أذا أشار العقرب الكبير في الساعة إلى تمام الستين دقيقة
أحسست يومها أني سعيت إلى الارتواء فإذا بي أزداد عطشا احسست يومها ان ها هنا خلف هذا الوجه يكمن انسان أخذ نفسه بصرامة لم نتعودها مع أنفسنا ولم نتعودها من الآخرين. أحسست أن في داخل هذا الرجل البسيط رجلا نادرًا
جانب محفوظ الإنساني
الجانب النادر من محفوظ لم يراه صالح فحسب وإنما اجمع عليه اغلب معاصريه الذي ارتوا في الرجل سموًا أخلاقيا قلما يجود الزمن بمثله عند انسان.. فقد امتد ظل هذا الحس الاخلاقي حتي مع الذين لا يعرفهم نجيب محفوظ على المستوي الشخصي.
ويروي الكاتب محمد سلماوي حكاية خطاب ورد إليه بعد وفاة نجيب محفوظ من شخص يدعي حسن يقول فيها:
"إنه كان في عام 1977 طالبا بالجامعة، وقد وجد نفسه في بداية ذلك العام معتقلا لأسباب لا يعرفها، وتركت تلك التجربة القاسية على حياته ظلالا داكنة أصابته بالإحباط والاكتئاب، فلم تمكنه بعد الإفراج عنه من أن يعود لحياته الطبيعية"
ويضيف صاحب الرسالة: وفي يوم من الأيام فكر أن يكتب إلى نجيب محفوظ عن محنته وطلب أن يقابله، ففوجئ بعد بضعة أيام برد يأتيه مكتوبا بيد محفوظ: "السيد الأخ حسن .. تحية طيبة وبعد .. فقد قرأت رسالتك وأحزنني جدا ما جاء بها ولعلك لا تعلم أنه يصلني من أسبوع لأسبوع مثيلات لها مما يقطع بما يعانيه شعبنا الشريف الذكي من متاعب ويزيد من حزني أنني لا أجد في إمكاني بطبيعة الحال حلا لها، وأظنك توافقني على ذلك فالأديب أديب وليس مؤسسة ولا من الأثرياء - جعل الله من همتك ثروة تعينك على بلواك
أما عن المقابلة، فإني أجتمع مع أصدقاء من الأدباء مساء كل جمعة بكازينو قصر النيل ما بين الخامسة والنصف والسابعة والنصف فأهلا بك في أي وقت تشاء فهي جلسة خاصة وشبه عامة"
ويسرد سلماوي قصة اخري متأثرا فيها بإنسانية الأديب العملاق الذي كان لا يتواني - برغم مكانته ومشاغله - على مد يد العون لأي إنسان، إذ يحكي أن شخًصا قابل نجیب محفوظ سائرا على قدميه في أحد شوارع القاهرة، فوقف يحيبه، وحين وجد استجابة من الأديب الكبير لتحيته تشجع وشكا له همه كان هذا الشاب قد خرج لتوه من اعتقال هدم حياته وقضى على موهبة أدبية في نفسه كانت في بداية تفتحها ، فلم يواسه نجيب محفوظ ولا طيب خاطره، لكنه اكتفي بدعوته لحضور القائه الأسبوعي بكازينو قصر النيل المطل على نيل الجزيرة، وقال له سأكون في انتظارك فلا تتخلف
وذهب الشاب إلى اللقاء الذي كان كثيرا ما يقرأ عنه في الصحف ويسمع عما يجري فيه من أصدقائه في الأوساط الثقافية، فوجد نفسه جالسا بين عمالقة الأدب والفكر من الدكتور لويس عوض إلى ثروت أباظة والمخرج توفيق صالح وغيرهم ممن جلس يستمع إلى أحاديثهم دون أن ينطق بكلمة، وفي نهاية اللقاء مد يده لنجيب محفوظ يشكره على هذه الدعوة التي أثرت خیاله وفتحت مدارکه، فقال له محفوظ موعدنا الأسبوع القادم إن شاء الله
نجيب يهدي قلمه لشاب لا يعرفه
وهكذا واظب الشاب على حضور جلسات الأديب الكبير أسبوعا وراء أسبوع، حتى وجد نفسه يعود مرة أخرى إلى الاهتمام بالأدب والثقافة والفكر بعد أن كانت لا تسيطر على عقله إلا مشاعر الإحباط والأفكار العدمية التي خرج بها من السجن، وبعد عدة أسابيع بدأ يشارك - على استحياء - في الحديث، وفي نهاية أحد هذه اللقاءات قال له محفوظ : إنك لم تأتني حتى الآن بأي شيء كتبته فقال له الشاب : لقد بدأت الأفكار الأدبية تداعبني مرة أخرى، لكن صدقني لو قلت لك إنني لا أملك حتى ثمن القلم والورق لأكتب ما أريد وهنا أخرج محفوظ من جيبه قلم شيفرز« أعطاه له قائلا : هذا هو قلمي لتكتب به ، ثم أعطاه 20 جنيها قائلا: وهذا ثمن الورق، أما النشر فاتركه لي
وهكذا نجح الرجل بفضل تشجيع نجيب محفوظ أن يعود إلى الكتابة، كما ساعده أيضا في نشر قصة قصيرة كتبها بقلم محفوظ
جانب محفوظ الروحي
البعد الأخلاقي لنجيب محفوظ كان له اصلا صوفيًا في نفس الرجل، يلاحظه القراء بصفة خاصة في الأعمال الأخيرة التي كثيرًا ما تطرقت إلى تلك المناطق المتسامية في النفس البشرية.
ولعل ابرز من لاحظ هذا البُعد وعلق عليه هو الكاتب الفرنسي الكبير إريك إيمانویل شمیت صاحب رواية مسيو إبراهيم الذي قام بتجسيدها على الشاشة الفرنسية الفنان العالمي عمر الشريف.
في حواره شميث مع نجيب محفوظ خلال زيارته لمصر قال له صاحب الثلاثية: لقد لاحظت مما قرئ لي من روايتك مسيو إبراهيم وزهور القرآن أن بها بعدا صوفيا جميلا، فهل هذا البعد موجود في أعمال أخرى لك أم أن وجوده هنا كان بسبب أن بطل الرواية كان صوفيا؟
فقال شميت: أستطيع أن أقول إن هذا البعد موجود بشكل أو بآخر في الكثير من رواياتي، فإذا كانت الصوفية بمعناها العام هي التوحد مع الكون ومع الخالق، وإذا كانت هي تلك النظرة الحكيمة لما وراء ظهر الأشياء، وإذا كانت هي التكامل بين التعبد والفن وعدم الفصل التعسفي بينهما، فهي بالتأكيد موجودة في أعمالي.
ايمانويل شميث : نجيب محفوظ أحد وسائلي للتعرف على الصوفية
فسأله محفوظ وكيف وصلت إلى الصوفية ؟
قال: عن طريق الموت، فقد ضللت طريقي في صحراء الجزائر، وأمضيت الليل ممددًا على الرمل أنظر إلى السماء وأنتظر الموت، لكني وجدت بدلاً منه الإيمان فقد دخلت الصحراء ملحدًا وخرجت منها مؤمنا، ودعني أقول لك صراحة: إن كتاباتك كانت إحدى وسائلي في التعرف على الصوفية، ففي أعمالك بعد صوفي واضح"
محفوظ يقسم قيمة نوبل بين اسرته حسب الشريعة الإسلامية
الدليل الاخر على هذا البعد الصوفي في حياه اديب نوبل هو طريقة تعطيه مع جائزة نوبل التي قسم قيمتها بينه وبين زوجته وكريمته حسب الشرع الإسلامي، ثم تبرع بنصيبه بالكامل إلى أعمال الخير، وقد ذهبت إلى مرضى الفشل الكلوي.
والحكاية يرويها الكاتب محمد سلماوي قائلا: "عندما التقت الكاتبة نادین جوردیمر الحاصلة على جائزة نوبل اهدت نجيب محفوظ كتابين الأول loots يعني الحذور مجموعة قصصية من اصدرتها والثاني كتاب tales telling وقالت إنه لا يحوي إلا قصة واحدة لها ضمن مجموعة من 20 أديبا.
وأشارت وهي تقدم الكتاب لمحفوظ قائلة: "بعضهم من الحاصلين على جائزة نوبل مثلنا، وهم جونتر جراس الألماني، وجابرييل جار سيا ماركيز الكولومبي، وكونزابورو أوي الياباني، وخوسيه سارا ماجو البرتغالي، والباقين لا يقلون عنهم عظمة، مثل آرثر میللر وجون ابدايك وبول ثيرو و مارجريت آتو ود. حنيف قريشي وودي أرين وغيرهم،
وراحت تشرح لنجيب قصة الكتاب قائلا: أنني في العام الماضي فكرت أننا ككتاب علينا أن نفعل شيئًا من أجل المصابين بمرض فقدان المناعة المكتسبة »الإيدز«، وأرسلت إلى 20 كاتبا من أكبر كتاب العالم أطلب إليهم أن يقدموا إلي قصة قصيرة دون أجر، وقلت إني سأبحث عن ناشر لهذا الكتاب يقبل أن يتبرع هو الآخر بنشره لصالح مرضى الإيدز«، وتصورت أنني لو تلقيت موافقة من 10 أو 15 كاتبا فهذا يكفي لنشر الكتاب، لكني فوجئت بأن جميع الكتاب الـ 20 الذين خاطبتهم وافقوا وأرسلوا لي على الفور قصصهم، فكان هذا الكتاب الذي يضم 20 قصة لأكبر كتاب العالم والذي بيع منه حتى الآن 50 ألف نسخة، كما صدر حتى الآن بـ 15 لغة، ويسعدني أن أهديه لك هو الآخر.
فشكرها محفوظ وأخذ الكتاب بين يديه، ثم قال: لو أنك طلبت مني التبرع بقصة من قصصي لأعمال الخير لأرسلتها لك، فقالت له جورديمر: لكنا عرفنا حين حصلت على نوبل أنك تبرعت بالفعل للخير، أليس كذلك ؟
قال : "لقد قسمت قيمة الجائزة بيني وبين زوجتي وكريمتي حسب الشرع الإسلامي، وما خصني أنا تبرعت به بالكامل إلى أعمال الخير، وقد ذهب في العام الماضي إلى مرضى الفشل الكلوي الذين يعيشون على عملیات غسيل الكلى وهي مكلفة جدا في مصر.




















0 تعليق