النحات ناثان دوس: ما زلنا في حاجة إلى استعادة علاقتنا الطبيعية بفنوننا القديمة حوار "2_2"

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عن ضرورة ان يكون الفنان مثقفا، وعن الأزمة القديمة المتجددة بين الفن" التشكيلي والنحت" ورجل الشارع، وأهمية  دعم المؤؤسات الثقافية للفن، وعن الدور التنويرى  الذي يلعبه فن النحت في مصر، يحدثنا الفنان التشكيلي ناثان دوس في  التالي: 

 

هل بالضرورة أن يكون النحات مثقفا ومشتبكا مع الفلسفة والتاريخ والأدب ؟

لا يمكن أن يكون الفنان غير مثقف، فبدون الثقافة لا يصبح فنانا مجددا وصاحب سؤال. فالاشتباك مع الفلسفة والأدب والسياسة والعلوم الإنسانية في جوهره هو ما يمنح العمل الفني عمقه الفكري والإنساني، ويحوله من مجرد مهارة بصرية إلى موقف من العالم.

فمشروعي قائم على ثلاثة محاور رئيسية: التنوير، والانتصار للإنسان، والانحياز للمقهورين في هذه الأرض، إيمانا وقناعة بأن الفن صوت وطريق للحرية. وهذا ما أفعله، فالانحياز للإنسان في ضعفه وقوته وأحلامه وهشاشته، بعيدا عن أن يتحول الفن إلى أداة جمالية بلا معنى.

ثمة أزمة في علاقة الجمهور بالفن التشكيلي والنحت، وكأنه موجه للنخبة بكل ما تحمله من رؤى وأفكار، بعيدا عن العامة؟

أزمة العلاقة بين الفن التشكيلي والنحت والجمهور العام هي أزمة قديمة متجددة. فلا شك أن هذه الفنون ما زالت إلى الآن فنون نخبة، تعرض داخل قاعات مغلقة يرتادها متخصصون ومهتمون أكثر مما تعيش في الشارع أو تصل إلى الناس البسطاء. فما زالت هذه الفنون في حالة افتراق مع الشارع، خاصة أن الجمهور العريض لا يملك فرصة حقيقية للاحتكاك اليومي بها.

لكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار العلاقة بين النحت تحديدا والشارع، لأنه ليس غريبا عن الثقافة المصرية، بل هو جزء أصيل من الوعي الحضاري للمصريين منذ العصور القديمة. غير أن غياب ثقافة "الميادين" وانتشار الأعمال النحتية في الفضاء العام وفق استراتيجية واضحة، حرم الناس من بناء علاقة طبيعية مع هذا الفن.

فالتماثيل الميدانية التي ارتبطت غالبا بالشخصيات التاريخية والزعامات السياسية، مثل تماثيل قادة ثورة 1919 أو رموز الدولة الحديثة، ظلت مرتبطة بفكرة التمجيد التاريخي أكثر من ارتباطها بإنتاج خطاب جمالي أو تنويري واسع يخاطب الناس يوميا.

هل غياب النحت أو ندرته في الميادين والفضاءات العامة يحد من قدرة الفنان على إيصال رسالته؟

قد يبدو أن الأمر تغير نسبيا مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، التي منحت الفنان مساحة أوسع للوصول إلى الجمهور. فمن خلالها أستطيع عرض أعمالي وإضافة شرح لما ترمي إليه من أفكار ورؤى، وقد يصادف أن يراها شخص لم يدخل معرضا فنيا طوال حياته، فتغير فيه وتصبح نقطة انطلاق للاشتباك مع مفهوم الفن.

فالوسائط الحديثة تجاوزت في تأثيرها كثيرا من الأدوات الثقافية التقليدية، مثل الندوات وقصور الثقافة والمعارض المحدودة، فالهاتف اليوم أصبح وسيطا أساسيا وأحد أبرز أدوات تلقي المعرفة في مختلف المجالات.

أما عن أزمة النحت في مصر، فهي ليست أزمة موهبة أو تقنية، بل أزمة وعي ثقافي طويل تشكل عبر قرون من الالتباس في العلاقة بين الفن والدين. ولذلك فإن إعادة الاعتبار للنحت ليست مجرد قضية فنية، بل جزء من معركة أوسع تخص التنوير واستعادة الإنسان المصري لعلاقته الطبيعية بالجمال والخيال والإبداع.

تواكب وتشتبك مع وسائل التواصل الحديثة، إلا أنك ما زلت تعمل بالأدوات التقليدية، فما سر ذلك؟

اشتغالي بالأدوات التقليدية في إنتاج أعمالي النحتية نابع من كونها جزءا رئيسيا من طقوس النحت. فهي تحمل حميمة خاصة، وكأنها أقرب إلى طقوس الصلاة. كما أن عملي بها ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل نابع من شغفي بدراسة تقنيات النحت المصرية القديمة، التي أصبحت خبيرا بها، وشاركت في العديد من البعثات الخاصة بدراستها.

وهذا يدعو إلى التساؤل: كيف استطاعت الأدوات القديمة أن تنتج كل هذا الإبداع المدهش الذي ما زلنا نراه في المتاحف، بينما تبدو الأدوات الحديثة، رغم تطورها التكنولوجي، أقل قدرة على إنتاج الروح نفسها؟

يرجع ذلك إلى أن علاقة الفنان بأدواته ليست علاقة تقنية فقط، بل علاقة روحية ومعرفية أيضا. فالأداة القديمة تحمل خبرة الزمن وذاكرة الحرفة، وتربط الفنان بجذور الفن الأولى، تماما كما تربط الكتابة القديمة الكاتب بعلاقته الحميمة مع الورق والحبر.

أما المزج بين الأصالة والتكنولوجيا فلا أرفضه، لكنني أستخدمه في أضيق الحدود الممكنة، لأنني بطبيعة تجربتي أميل إلى جوهر الحرفة القديمة وأدواتها، التي تقدم المنتج بحرفية أعلى، إلى جانب الطقس الإنساني العميق الذي يجعل من الفن فعلا روحيا يتجاوز مجرد الإنتاج البصري.

كيف ترى مستقبل مشهد فن النحت في مصر، وأين نحن من المشهد العالمي؟

يؤكد ناثان أن المشهد النحتي في مصر له تاريخ عريق، وهو جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية المصرية، ولا يمكن فصله عن التاريخ العميق لهذه الأرض. فالمصريون القدماء تركوا روائعهم محفورة على المسلات والأهرامات والمقابر، مستخدمين أقسى أنواع الأحجار وأكثرها صلابة، وسجلوا عبرها تفاصيل حياتهم وعقائدهم وأساطيرهم، حتى أصبح النحت المصري القديم واحدا من أعظم منجزات الفن في التاريخ الإنساني.

لكن هذا الامتداد الحضاري تعرض لقطيعة طويلة بعد دخول الديانات السماوية، سواء اليهودية أو المسيحية أو الإسلام، إذ إن العلاقة بين هذه الديانات والفن لم تكن دائما علاقة متصالحة، خصوصا مع النحت والتجسيد. ففكرة "تحريم النحت" خلقت مسافة بين المجتمع المصري وتراثه البصري القديم، وأضعفت حضور الفن في الوعي الشعبي عبر قرون طويلة.

وهذا ما يدعو إلى مراجعة عقلانية لهذه الموروثات، وطرح التساؤل: هل النحت فعل محرم فعلا؟ أم أنه فن إنساني وجمالي وحضاري جرى التعامل معه بحساسية دينية وتاريخية معقدة؟

فلا شك أننا ما زلنا في حاجة إلى استعادة علاقتنا الطبيعية بفنوننا القديمة، لا باعتبارها مجرد آثار سياحية، بل بوصفها جزءا من الوعي الثقافي والهوية الحضارية.

أما عن واقع النحت المعاصر، فعلينا أن نتوقف عند الدور المهم الذي لعبه سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت على مدار نحو ثلاثة عقود، في إعادة إحياء فن النحت الحجري في مصر، وخلق أجيال جديدة من النحاتين القادرين على التعامل مع الأحجار الصلبة مثل الجرانيت الأسواني والبازلت والديوريت.

وقد ساهم هذا الحدث في تكوين خبرات تقنية وفنية مهمة، كما منح الفنانين المصريين فرصة للاحتكاك بالتجارب العالمية، حتى أصبح كثير منهم يشارك في سمبوزيومات دولية حول العالم، بوصفهم سفراء للفن المصري المعاصر.

ويرى أن هذه اللحظة الراهنة قد تكون من أهم الفترات في تاريخ النحت المصري الحديث، بسبب التنوع الكبير في الرؤى والخامات والتقنيات.

كما أن نجاح تلك السمبوزيومات، والتي كان آخرها سمبوزيوم العاصمة، يدعونا إلى طرح فكرة إنشاء "حديقة التنويريين"، تضم رموز الفكر والإبداع المصري الحديث، باعتبارهم جزءا من الهوية الثقافية التي ينبغي الاحتفاء بها بصريا ورمزيا داخل المجال العام، لا أن تبقى محصورة في الكتب والندوات. فجعل الفن جزء من الحياة اليومية ضرورة فكرية  ليس فقط  مجرد عنصر تجميلي.

أنجزت أعمالا مثل نفرتيتي وإخناتون وغيرها من الأعمال التي تنتصر للهوية المصرية، لماذا؟

أنجزت هذه الأعمال تحية للمتحف الكبير، ولكل من ينتصر للهوية المصرية، وتأكيدًا على أن الفنان المعاصر هو امتداد للفنان القديم، لكنه يمتلك أفقا أكثر اتساعا وانفتاحا وتطورا. فهو لم يعد مجرد مسجل للحياة اليومية أو خادم للمعبد والمؤسسة، بل صار قادرا على التعبير عن الأسئلة الفلسفية وأغوار النفس البشرية وتعقيدات الإنسان الحديث.

ومن هنا جاءت رغبتي في إنجاز مجموعة نحتية مستوحاة من روح المتحف المصري القديم، لكن بروح معاصرة، للتأكيد على أن الفنان المصري، قديما وحديثا، هو في النهاية امتداد لسلسلة طويلة من البحث عن المعنى والخلود والجمال.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق