قالت الكاتبة والأكاديمية الأردنية هيا صالح، المتخصصة في أدب الأطفال واليافعين، إن الكتابة لم تعد اليوم ممارسة معزولة على الورق، بل أصبحت جزءًا من فضاء واسع تتداخل فيه الكلمة مع الصورة، والسرد مع الخبر، والخيال مع الواقع، مؤكدة أن النص لم يعد كيانا مغلقا كما كان في السابق، بل تحول إلى عنصر داخل شبكة معقدة من الوسائط والتفاعلات.
وأوضحت، خلال ندوة "تجربة الكتابة بين الصحافة والأدب في العصر الرقمي" ضمن فعاليات الندوة الافتتاحية "الرباط عاصمة الإعلام العربي" بمعرض الرباط للنشر والكتاب، أنها خاضت تجارب متنوعة في الكتابة، شملت الرواية للكبار، وأدب اليافعين، والقصص التعليمية، إلى جانب الكتابة للطفل في الصحافة الورقية والإلكترونية، فضلا عن تقديم أعمال درامية للإذاعة والتلفزيون، وإعداد برامج موجهة للأطفال، والعمل على منصات تقدم محتوى تعليميًا للفتيان.
التحول الذى أصاب الكتابة أصبح واقعا ينعكس على اللغة
وأشارت إلى أن هذه المسارات المتعددة كشفت لها أن التحول الذي أصاب الكتابة لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل أصبح واقعًا يوميًا ينعكس على اللغة والأسلوب، ويمتد إلى إعادة تشكيل تصور القارئ نفسه، الذي لم يعد متلقيا سلبيا، بل طرفا ثالثا فاعلا في العملية الإبداعية.
مفهوم الكتابة تغير
وأضافت هيا صالح، أن مفهوم الكاتب تغير بدوره، فبعدما كان ينظر إليه باعتباره المنتج الوحيد للنص، أصبح اليوم جزءا من منظومة تداول أوسع، فالنص ينشر، ثم يعاد قراءته وتأويله، وتقتطع منه مقاطع وتعاد صياغتها داخل سياقات مختلفة، بعضها لم يكن متوقعا لحظة الكتابة، وبذلك أصبح النص قابلا لإعادة البناء، لا بوصفه نقصا، بل كخاصية من خصائص تداوله في العصر الرقمي.
ولفتت إلى أن هذا التحول يتجلى بوضوح في الكتابة المنفتحة على الوسائط المتعددة، حيث تتقاطع أشكال التعبير وتتداخل، مستشهده تجارب مبكرة في الرواية الرقمية لدى الكاتب الأردني محمد سناجلة، في أعماله حيث يتجاوز القارئ دور المتلقي ليدخل في بنية النص عبر مسارات متعددة واختيارات تفاعلية.
الأعلام لا يقتصر على نقل الحدث
وأكدت أن هذا الواقع يعكس تقاطعا واضحا بين الأدب والإعلام، إذ لم يعد الإعلام يقتصر على نقل الحدث، بل يعيد بناءه سرديا من خلال اختيار زاوية الرؤية وضبط الإيقاع وصياغة المشهد، بما يعزز تأثيره في المتلقي، وفي المقابل، تأثر الأدب بهذا التحول، ليس فقط على مستوى الشكل، بل في علاقته بالزمن، حيث انتقل من إيقاع متدرج يسمح بتراكم المعنى إلى زمن سريع يفرض حضورا مباشرا واستجابة فورية.
وأشارت إلى أن هذا التغير يضع الكتابة أمام معادلة دقيقة، الحفاظ على العمق دون الانفصال عن شروط التلقي الجديدة، مؤكدة أن الوسائط الرقمية لم تغير فقط وسيلة النشر، بل أعادت تشكيل بنية التلقي ذاتها، إذ أصبح القارئ مشاركا فاعلا يعلق ويعيد النشر ويعيد توظيف النص داخل سياقات جديدة، ما يمنحه حياة أخرى تتجاوز لحظة إنتاجه.
وأضافت أن هذه التحولات تبدو أكثر وضوحا في مجال أدب الأطفال واليافعين، حيث يتفاعل القارئ الصغير مع النص داخل بيئة متعددة الوسائط تجمع بين القصة والصورة والفيديو والتطبيقات التفاعلية، وهنا يبرز تحد خاص يتمثل في الحفاظ على جوهر الحكاية بوصفها مساحة للخيال، دون أن تذوب في زخم العناصر البصرية.
وأكدت هيا صالح، على أن النص لم يعد لحظة مكتملة، بل عملية مستمرة تتشكل عبر التفاعل والتداول، معتبرة أن هذا التحول لا ينتقص من قيمة العمل الإبداعي، بل يضعه في سياق أوسع تتداخل فيه الأجناس الأدبية مع الإعلام، ورجحت أن تقود هذه التحولات مستقبلا إلى أشكال كتابية جديدة، قد تتسم بطابع جماعي، بحيث لا تعود ملكيتها حكرا على كاتب واحد.

















0 تعليق