لم يكن الأدب في مصر القديمة نتاج الخيال وحده، بل كان صدى حيًّا لتحولات التاريخ وتقلبات الزمن فقد تشكّلت ملامحه تحت تأثير ما شهدته البلاد من قوة وضعف، واستقرار واضطراب، فانعكس ذلك كله في نصوص حملت روح العصر وهموم الإنسان ومن هنا، يصبح النظر في التاريخ المصري القديم خطوة ضرورية تمهّد لفهم هذا الأدب، وتكشف الخلفية التي صنعت موضوعاته ووجّهت مسيرته، ومن أبرز من تحدثوا عن الأدب المصرى القديم عالم المصريات الكبير سليم حسن، من خلال موسوعته الشهيرة "موسوعة مصر القديمة".
العصر الإهناسي
يقول سليم حسن في موسوعة مصر القديمة الجزء السابع عشر: الأدب المصري القديم: في القصة والحكم والأمثال والتأملات والرسائل الأدبية، وفي فصل بعنوان "لمحة عن التاريخ المصري القديم" والذي تحدث فيه عن تطور الأدب المصرى بدءً من الدولة القديمة إلى الدولة الحديثة مرورًا بالعصر الإهناسي والدولة الوسطى وعصر الهكسوس، وسنقف اليوم عند العصر الإهناسي فقط: العصر الإهناسي – اللأسرتان التاسعة والعاشرة (2445 – 2160 ق.م)، وقد ظلت البلاد مفكَّكَة إلى أن أسَّس «خيتي» في «هيراكليوبوليس» — إهناس المدينة الحالية — مملكة مصرية، وقد أخذت البلاد في عهده وعهد مَن خلفوه تنتعش من غشيتها، وتحس حرارة الحياة مرة أخرى، ولكن عقارب الخلاف كانت لا تزال تدب في جسمها، حتى وهبها الله ملوك الأسرة الحادية عشرة فشفوا أدواءها، وأعادوا إليها شيئًا من وحدتها بعد حروب داخلية طاحنة، واتخذوا مدينة «طيبة» عاصمة لملكهم.
وقد يبدو غريبًا أن يظهر نوع من الأدب الراقي في هذا العصر، مع ما فيه من تقاطع وتدابر وانحلال وحروب قاسية، ولكن إذا علمنا أن الأدب الصافي ما كان وليد العاطفة المتأججة، وأن الرجات السياسية والهزات العنيفة مما يثير النفوس ويطلق اللسان، أدركنا كيف قوي الأدب ونبتت فيه أنواع جديدة وسط هذا الجو الصاخب المضطرم، وأن الانفعالات النفسية التي يبعثها البؤس والشقاء أعمق أثرًا من تلك التي يبعثها الصفاء والرخاء؛ لذلك رأينا في هذا العصر أوصافًا مؤثرة لما يحتدم في النفوس ويعتلج في الصدور من سوء الحال، وشكوى الزمان، وتأملات فيما صارت إليه الأمور؛ وكأن الذين كتبوها كانوا يريدون بها إصلاح حال البلاد الاجتماعي في ظل حكومة عادلة مما سنفصِّله بعدُ.














0 تعليق