"مسار مستعرب"..هكذا كرّس أندريه ميكيل حياته لخدمة الثقافة العربية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في كتابه الصادر مؤخرا عن مشروع “كلمة” للترجمة، التابع لمركز أبوظبي للغة العربية، بعنوان “مسار مستعرب”، في نسخته العربية للمترجم أبو بكر العيادي، يقول المستعرب الفرنسي، أندريه ميكيل، متيما في عشق لغة الضاد: "كنت أقضي ساعات من النهار أدرس عربيتي بهمة، وأقرأ صفحات وصفحات من كتاب الجغرافي المقدسي، خاطبتني جانيت زوجتي: "انظر إليّ قليلًا، وأخبرني أيهما تفضل، أنا أم اللغة العربية؟" فكان جوابي في نبرة تحد تبرز حقيقة على وجه حسن: "العربية، طبعا، ولكن لأجلك، ولأجلنا معا"، مما يعكس ثراء اللغة العربية وجاذبيتها للعشرات من ناطقي اللغات الأخري حول العالم.

أندريه ميكيل.. المأخوذ بلغة الضاد

تاريخ طويل يربط بين المستعرب الفرنسي أندريه ميكيل ليس فقط بلغة الضاد، وإنما بآدابها وفنونها، وهو ما تعكسه مؤلفاته، والتي نُشرت في سلسلة كلاسيكيات الأدب الفرنسي، من بينها: العالم والبلدان- دراسات في الجغرافيا البشرية عند العرب، بترجمة محمد آيت حنّا (2016)، ليلى يا عقلي (2021)، وعربي عبر القرون (2025) وكلاهما بترجمة أبو بكر العيادي.

مراجعة شاملة ومكثفة لمسيرته العلمية والأدبية

وفي كتاب "مسار مستعرب" يقدّم "ميكيل" مراجعة شاملة ومكثفة لمسيرته العلمية والأدبية، المنذورة في الجزء الأعظم منها للتعريف بالثقافة العربية ودراسة تاريخها ونصوصها الكبرى وتحليلها وترجمة العديد منها. إنه يتتبع، مرحلة تلو الأخرى، نمو شغفه بالعالم العربي والبحث في ماضيه وحاضره، مهتديًا بالآثار الكبرى والأعمال العظيمة. 

يستعرض الكاتب والمؤرخ والمستعرب أندريه ميكيل،  ماضيه الحافل بعناء البحث ولذة الاكتشاف ويدعونا إلى تذوّق ثمار هذه المسيرة الاستثنائية كما لو كانت مسيرة شخص آخر، وبين مناقب عديدة يحفل بها هذا الكتاب، يمكن أن نرى فيه مديحًا للتجربة وتقريظًا لاختيار الصعوبة وقبول الامتحان، شوطًا بعد شوط.

ويتابع كاظم جهاد مراجع الكتاب في المقدمة ـ لم تكن التجربة بلا مصاعب، وتضحيات، لكن ميكيل قرّر هنا كما في كتب أخرى، عن نبل وحياء، ألا يتوقف إلا عند الرائع والمثمر والمثير. 

لم يكن لديه فاصل بين الحياة الشخصيّة والممارسة الأكاديمية والمغامرة الأدبية

وظف أندريه ميكيل لمسيرته العلمية والأدبية المنعقدة حول الثقافة العربية بوجه خاص حياته بكاملها، وأشرك فيها حياة أسرته، ولم يعد لديه من فاصل بين الحياة الشخصيّة والممارسة الأكاديمية والمغامرة الأدبية.

 هذا كله نراه مترابطًا هنا، يتنامى أمامنا منذ اختياره العربية مجالًا للترجمة والبحث في مقتبل شبابه حتى بلوغه خريف عمره، فهذا هو كتابه الأخير، وضعه وقد تجاوز سن التسعين بعامين، وصدر قبل وفاته بشهور. هنا نرى الحياة الأسرية تمتزج بالمغامرة العلمية، والأسفار الحقيقية تقترن بالرحلات الطويلة في قارات المعرفة وثنايا التاريخ. 

لا يعرض ميكيل هنا سيرته ورحلاته وأعماله فقط، بل مصادر معرفته أيضًا، ومنطلقات نضاله الفكري والأدبي، وبعض مفاتيح الثقافة العربية التي أمضى عمره يجتهد في توضيحها وترسيخها. وفي أولها «الأدب»، بالمعنى العربي القديم والشامل للكلمة، وشخصية الأديب أو المثقف التي يلخصها هنا من جديد، مضيفًا إلى تعريفاته السابقة لها وضوحًا وسلاسة وعمقًا. إنها تتلخص لديه في ثلاث سمات كبرى: معرفة السلوك السوي الرصين، ومعرفة البحث عن المناهل الحقيقية للفكر.

يقول أندريه ميكيل في مقدمة كتابه: هل يتعلّق الأمر بالمعرفة وحدها؟ في مرحلة حاز فيها العالم العربيّ مكانة هامّة، كيف لا نتعجّب من أن يُساء النّظر إليه؟ الجانب الأكبر من كتبي أو مقالاتي، دون ذكر الدّروس والمحاضرات، حام حول ما أسمّيه مهمّتي، مع الاعتذار عن استعمال هذه الكلمة الفخمة. 

ناقل لثقافة العرب

فكرت، كما قلت في مقدمة الكتاب، أن من واجبي أن أسهم في معرفة عالم عربي أعطانا الكثير في أيامه القديمة، وأن هذه الرسالة تتوجه ربّما إلى مواطني، على أنها تتوّجه أيضًا إلى عرب اليوم المدعوين، بغض النظر عن اضطرابات الحاضر، إلى إعادة اكتشاف تراثهم، في حرص مشترك على عالم يمكن تقاسمه.

 تلك كانت مهمّتي، وفي الأقلّ ذلك ما أردت، بوصفي ناقلًا لثقافة العرب، أو "عبارًا" لها كما يقول أصدقائي، الذين هم شهودي بالمناسبة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق