صانعة البهجة سهير زكي والمقارنة السخيفة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الثلاثاء 05/مايو/2026 - 09:57 ص 5/5/2026 9:57:54 AM


أحمد الله أنني لست من قراء عمار علي حسن، لا تعاليًا ولا ادعاء صفاء ذائقة، لست من قراء عمار لأنني أبحث عمن يضيف للروح اتساعًا لا ضيقًا، وللفكر أفقًا لا وصاية، ومع ذلك، طاردني منشور له على فيسبوك، كأنما شاءت الصدفة أن أواجه نموذجًا لما يمكن أن تفعله بعض الكتابات حين تختار أن تتخفى خلف لغة رصينة لتقول في الجوهر ما هو أقل رصانة بكثير.

الكتابة عن الراحلين امتحان أخلاقي قبل أن تكون تمرينًا لغويًا، هي لحظة إنسانية خالصة، يفترض فيها أن نضع خلافاتنا جانبًا، وأن ننظر إلى الإنسان في تمامه، لا أن ننتقي منه ما يخدم فكرة مسبقة أو موقفًا مؤدلجًا، لكن ما حدث من الكاتب عمار في تناول رحيل سهير زكي لم يكن رثاءً بقدر ما كان محاكمة مستترة، أو مقارنة غير عادلة، أو بالأحرى محاولة لإعادة ترتيب سلّم القيم على نحو يختزل الحياة في زاوية واحدة ضيقة.

ليست المشكلة في الإشادة بالعلماء، فالعلماء تاج الرؤوس، ولا خلاف على ذلك، لكن المشكلة في تحويل هذه الإشادة إلى أداة للمقارنة المبتذلة، وكأننا أمام معادلة صفرية إما العلم أو الفن، إما الجدية أو البهجة، هذه النظرة في حقيقتها، لا تظلم فنانة بعينها فقط، بل تظلم فكرة الحياة نفسها.

سهير زكي لم تكن مجرد راقصة في نظر جمهورها، بل كانت حالة فنية متفردة، كانت واحدة من صانعات البهجة في زمن لم يكن سهلًا، خرجت من بيئة بسيطة، وشقت طريقها بموهبة خالصة، حتى أصبحت اسمًا له حضوره في الذاكرة المصرية والعربية.
يعرف عمار أن الفن ليس ترفًا، ولا هامشًا يمكن الاستغناء عنه، الفن، في جوهره، ضرورة إنسانية، هو ما يجعل الحياة قابلة لأن تُعاش، لا مجرد سلسلة من الواجبات الثقيلة، حين يرقص جسد بإيقاع صادق، أو تغني حنجرة بما يلامس القلب، أو تُكتب جملة تفتح نافذة في الروح، فإننا أمام فعل لا يقل قيمة عن أي جهد عقلي أو علمي ويعرف عمار أيضا أن الاختلاف في الوسيلة لا يعني اختلافًا في القيمة.
ولكن الخطير فيما طرحه ليس فقط التقليل من شأن الفن، بل تلك النظرة التي تحمل في طياتها قدرًا من الارتياب تجاه الجسد والأنوثة والجمال، وكأن الجمال تهمة تحتاج إلى تبرير، أو الأنوثة شيء ينبغي تغطيته معنويًا قبل أي شيء آخر، هذه الرؤية، مهما تجملت بلغة هادئة، تظل رؤية منغلقة، تخشى الحياة أكثر مما تفهمها.
ليس مطلوبًا من الكاتب عمار أن يحب نوعًا معينًا من الفنون، ولا أن يحتفي بكل الرموز، الاختلاف مشروع، بل ضروري، لكن غير المشروع هو أن يستخدم لحظة الرحيل لتصفية حسابات فكرية، أو لإرسال رسائل مبطنة تقلل من قيمة إنسان رحل للتو، هناك فرق كبير بين النقد وبين التوظيف، بين الرأي وبين الإيحاء.
الكتابة المسؤولة يا استاذ عمار تدرك أن المجتمعات تُبنى بتكامل أدوارها عالم في معمله، وطبيب في مستشفاه، وعامل في مصنعه، وفنان على مسرحه، وكل محاولة لترتيب هذه الأدوار بشكل هرمي صارم، إنما تعكس رؤية قاصرة أكثر مما تعكس حقيقة الواقع.
ثم إن الذاكرة الشعبية، على عفويتها، أكثر عدلًا مما نتصور، هي لا تحتفظ إلا بما لمسها بصدق، ولذلك بقيت أسماء كثيرة في وجدان الناس، ليس لأنها “الأكثر نفعًا” بالمعايير الضيقة، بل لأنها كانت الأقرب إلى قلوبهم. وسهير زكي واحدة من هذه الأسماء التي صنعت لحظات من الفرح الخالص، في زمن كان يحتاج إلى الفرح.
أما الكتابة يا استاذ عمار التي تمر مرورًا عابرًا مثقلة بالأحكام، فإنها كثيرًا ما تبهت سريعًا، ليس لأن أصحابها بلا قيمة، ولكن لأن ما يُكتب بلا إنصاف، لا يجد ما يسنده في ذاكرة الناس. الكلمة التي تُقال من برج عالٍ، لا تصل عادة إلى الشارع، ولا تعيش طويلًا فيه.
في النهاية، ليست القضية دفاعًا عن فنانة بعينها بقدر ما هي دفاع عن فكرة أوسع حق الإنسان في أن يكون متعددًا، في أن يفرح كما يفكر، وأن يحتفي بالجمال كما يحتفي بالمعرفة، المجتمعات التي تضيق بالفن، تضيق في النهاية بالحياة نفسها.
وربما كان الأجدر بنا، بدلًا من المقارنات القاسية، أن نتعلم كيف نقول وداعًا يليق بالراحلين، دون أن نحول وداعهم إلى منصة لإلقاء الدروس، فالموت، في جوهره، يساوي بين الجميع، لكنه أيضًا يكشف معدن الأحياء هل نختار الرحمة، أم نصر على إصدار الأحكام حتى في لحظات الصمت الأخيرة؟
 

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق