في هذه القرية البعيدة عن الأنظار, والتي تدور فيها الحياة على نحو يشبه الغابة, فأغلب الناس يعانون الفقر المدقع, ويعملون طيلة النهار في فلاحة الأرض, إما ملاك صغار, أو أجراء, الكل يشقى من أجل أن يحصل على لقمة العيش, التي يقم بها الأود, الطعام الرديء, والماء الملوث, وقلة النظافة, وعشوائية مفرطة في قضاء أعمارهم بين الشقاء, ولحظات سعادة, ينتزعونها من الحياة, لو أحصيتها لما تجاوزت الأيام من حساب أعمارهم.
ومع الفقر تقذف أرحام النساء بالعدد الكثير من الأنفس, التي تسلك نفس طريق الشقاء, فهم يؤمنون أن الرزق مسطور لكل أبناء أدم, يؤمنون بأشياء كثيرة متناقضة, فالجهل المنتشرة لا يعطي لعقولهم فرصة التفكير في شيء من تلك المتناقضات, التي تملأ حياتهم, فقد اعتادوا على ممارستها دون وعي, أو وقوف على ما يجعلهم يفكرون في أمور كهذه, حتى من نالوا قسطا ضئيلا من التعليم, فهو جامد لا يغني شيئا في المعرفة, قدر ضئيل من التعليم الديني المشوش, والذي يمنيهم بدخول الجنة, فهم يكذبون ويصلون, يغشون ويصلون, يغتاب بعضهم بعضا, وسوف ينالون المغفرة ويدخلون الجنة, وغيرهم من أصحاب الفكر والمدنية والعلم مآلهم إلى النار, مهما فعلوا من خير للبشرية.
هم يؤمنون بذلك, فلا ضير أن يفعل ما يفعلوا, وفي الجانب الأخر توجد قلة هم أصحاب المال, والسلطة, فالناس معادن, ومعادنهم هم الذهب, أختارهم الله بعنايته, فهم لا يشبهون الناس, خلقهم الله أسياد يتحكمون ويملكون, يأنفون من هؤلاء العامة, فلا يخالطوهم إلا بقدر ما يوجهونهم, ويلقون أوامرهم إليهم, وما يخدمونهم, فهم معادن رخيصة لا قيمة لها, ولا شأن لها إلا لتقوم بما يريد الوجهاء منهم, فالوجهاء أولياء أمورهم, لهم الطاعة كاملة والعصيان إنما هو عصيان لله.
ألم يأمرنا الله بطاعتهم, هكذا يقولون, فعلامات الشقاء ليست ترتسم على وجوهم فقط إنما أيضا على عقولهم, فليس في حياتهم إلا كل ما هو تافه ضرير, فإذا ما نظرت من أعلى على حياة القرية, وجدت أن الآفات تنال الجميع, الكثرة التي تعيش تحت نير الفقر والجهل, والقلة التي لا تعرف من الحياة سوى الغطرسة والكبرياء, وتتوارثه جيل بعد جيل, كلهم فقراء النفوس والمشاعر, أصنام متحركة, وأحجار لا تعي من قيمة الحياة والنفوس أدنى معرفة, تدور حياة الجميع كما تدور الساقية, ثور مُغمَى العينين, يلف لتعمل الآلة, يقطع ألاف الأميال, وكلها خطوات قليلة, ويظن أنه يسير نحو هدف ما, يظل يدور من الصباح الباكر إلى المساء, فإذا ما رفع الغطاء من عينيه ووجد جسده الضخم في مكانه, شكر نفسه على هذا المجهود حين ينجز أعماله
ثم يعود بعد أن أداها على أكمل وجه, فهم يضعون على عيونهم خرق التقاليد البالية في كل صباح, ويرفعونها في الظلام, حيث لا يرون شيء, فينامون وهم يظنون أنهم مارسوا حياتهم على أفضل ما يكونون, وقبل أن يهل نور الشمس يسارعون لوضع الخرقة ليبدأوا أعمالهم في إدارة الساقية, ليخدعوا أنفسهم بذلك المجهود العظيم ...البيوت أكثرها من الطوب اللبن, حجرات قليلة في كل بيت, سقوفها من عروق الخشب, وألواح يضعون فوقها الطين, حتى إذا أمطرت في الشتاء, كانوا في مأمن من مياهها أن تسقط عليهم, ورغم ذلك كانت إذا أمطرت تنقط فوق رؤوسهم, فيضعون تحتها حلل أو غطاء, حتى لا تبلل الفراش, كان السرير بأعمدة, وتحته أغراض كثيرة من أغراض البيت, حلل لم تستخدم, وزلعة مش, مشنة عيش, قارورة كبيرة بها مخلل, وغير ذلك, البيوت متشابهة كالأجساد والعقول, لها تصميم واحد
فالعادة قوة كبيرة, تغتال العقول, لتجلس فوق عرش الجمود, لا تتزحزح تستبد وتتحكم وتكون ممالك, وتأسر شعوب لها أنصار وجنود يقاتلون من أجلها, وفي سبيلها تموت الملايين من النفوس والثمرات, لتحيا هي فوق طيلسان الجحود الأبدي, كي تغير عادة, لا بد أن يكون لها ضحايا كثيرين من البشر, وسنوات من الجهاد المستميت, تقف أمام جمهور غفير, فالكثرة تغلب الشجاعة, وفي مضمار العادة تقتل الفكرة أمام جيوش الظلام, تعلق لها ألاف المشانق وتصلب ثم يدورون بها في شوارع القرية, بكل فخر يهتفون باغتيال البدعة, فكل بدعة ضلالة, وأصوات الجماهير تكبر, وعلى المنابر يدعو الشيخ باندحارها وخزيها ووأدها قبل أن تكبر, وتنتشر تعمي الناس عن حقيقة دينهم, وفي سجود الناس يحمدون الله بأن ساعدهم على الانتصار المؤزر, ففي عهدهم لا يجب أن تظهر البدع, لتطمس دينهم المتبع, فالعادة إله يعبد في قريتنا, لا يجب الكفر به, ومن يكفر به فليس جزاءه سوى الصلب والفتك, كي يعيش الناس في أمان من أعداء الإيمان.
فالمؤامرات قائمة, ولا أدري من أخترع هذه الكلمة, لعلها العادة, تحافظ على كيانها ووجودها, قد اخترعتها حتى تحافظ على عرشها, فكل ما لا يلائمها أو يهز عرشها أو خطر على مملكتها, فهي مؤامرة من أعداء الدين, يهب لها الجميع كي ينقذ الدين من براثن الأعداء, فهم لا همَّ لهم سوى أن يندحر الدين, يبذلون طاقتهم من أجل أن يهزموه, ولكن لماذا لا ندري؟ فهم أعداء ويخططون وكفى, ألا يكفي هذا, كي نهب لخلاص الدين من أيديهم قبل أن يزول ويفنى, فيكفي أن يقولوا لنا أن هناك مؤامرة حتى نقوم لنجدته, كلها أبواق تردد نفس الكلمات, نفس طريقة الأداء, حتى الأصوات متشابهة, نخشى أن تتغير لأن تكون بدعة نحاسب عليها, فالجميع نسخ واحدة, الصغير نسخة صغيرة, والكبير نسخة كبير, والنساء والعجائز, إنها ظلال جوفاء فارغة, تمر من أمام عينيك, قرية كاملة من الأشباح, التي تروح وتغدو, فليس لها أن تحرك ما كان ساكن, فلا ترفع شيء عن مكانه, ولا تضع شيء من عندها, خشية أن يكون بدعة, فاليوم كالأمس وغدا أيضا كالأمس, الطقوس تلتهم كل شيء ولا أحد يجرؤ على تغييرها
كل شيء هنا عقيدة, حتى النميمة عقيدة, الكذب البريء كما يقولون عقيدة, امتهان الضعفاء عقيدة, استعباد الفقراء عقيدة, كبرياء الأغنياء عقيدة, الناس معادن عقيدة, كل شيء يجب أن يكون دين, فنحن شعب متدينون, لا ينبغي أن يكون ما يعارض الدين, فكل شيء له أصل في الدين من أفعالهم, ولا ضير إذا كان الدين هو الأساس, الذي يأمر وينهي في اعمالنا وما حسن منها وما قبح فالإنسان خطّاء وخير الخطائين التوابون كما أخبرنا الفقهاء, فلكي ننال الجنة, لا بد من طاعة الأحبار والرهبان, أقصد الشيوخ, كما يقولون, طاعة كاملة لا نقص فيها, فهم يستمدون علمهم من الله, فهم ورثة الأنبياء, حتى ولو كانت بغير علم, المهم أنهم أصحاب ذقون, يحلقون الشوارب, ويتركون لحاهم, التي يستمدون منها علمهم الغزير بالدين وبغير الدين, وما الفائدة في علوم, لا تمت للدين بصلة, فهي لا تنفع, وقد تضر, فهي ربما كانت مزلة للكفر, والبعد عن الدين, فالابتعاد عنها أولى وأمن للمرء, لئلا يكون عرضة للكفر والضياع, فهم يستعيذون من كل علوم الأرض, التي لا ترتبط بدين, أو عقيدة, فالشمس التي تخرج على قريتنا كل يوم لا تضيف شيء, فهي عبثا ما تجد عقلا يستقبلها أو يتلقاها, كي يزيل ظلام نفسه وروحه, ولعلها يأست هي الأخر من تغيير قريتنا, فهي لا تبالي إن أشرقت أم نالها الضباب وحجبها عنا.















0 تعليق