أكد الدكتور محمد مجاهد الزيات، المستشار الأكاديمي بالمركز المصري للفكر والدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الاجتماعات الأخيرة للرئيس عبدالفتاح السيسي مع عدد من القيادات العسكرية تمثل تطورًا استراتيجيًا مهمًا في عقيدة إدارة الدولة المصرية وآليات مواجهة التحديات والمخاطر غير المسبوقة التي تتعرض لها، مشيرًا إلى أن أهمية هذه الاجتماعات ومخرجاتها ستتضح خلال الفترة المقبلة، في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية والدولية وانعكاساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستراتيجية على الأمن القومي المصري.
وأضاف «الزيات» أن مصر تواجه تحديات متزامنة تتعلق بتأمين حدودها في الاتجاهات الغربية والشرقية والجنوبية، إلى جانب تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية، ما يجعل تطوير منظومة إدارة الأزمات وتأمين الموارد الاستراتيجية ضرورة لحماية المصالح الوطنية، مؤكدًا أن التحركات الأخيرة تمثل نقطة انطلاق نحو تعزيز قدرة الدولة على الاستعداد المسبق لمختلف السيناريوهات.
وأوضح أن الاجتماع الأول للرئيس السيسي اكتسب أهمية خاصة لتركيزه على توطين الصناعات الدفاعية، وتعزيز الاستفادة منها في المجالات المدنية، من خلال زيادة التكامل بين الهيئة العربية للتصنيع والقوات المسلحة، خصوصًا إدارة المركبات، في تصنيع المقطورات الفنية والمعدات والآليات التي تخدم الاحتياجات العسكرية والمدنية، مع التوسع في توطين هذه الصناعات وتصدير منتجاتها للخارج.
مجاهد الزيات: ضرب المطارات السعودية يرقى لجريمة حرب.. والحوثي مشروع عسكري عقائدي لا سياسي خبير استراتيجي: الشرق الأوسط يقترب من مواجهة جديدة وترامب ونتنياهو يدفعان المنطقة نحو التصعيد طهران تتوعد برد عسكري «بلا حدود جغرافية»وأوضح أن التوجه نحو إنشاء غرفة للصناعات الدفاعية والعسكرية يعكس اهتمام الدولة بتوسيع مجالات التعاون الصناعي، خصوصًا في إنتاج المركبات بمختلف أنواعها، بما يعزز القدرات التصنيعية الوطنية ويتيح توظيف الإمكانات العسكرية في دعم القطاعات المدنية.
وأشار إلى أن الاجتماع الثاني يمثل تطورًا استراتيجيًا أكثر أهمية، بالنظر إلى طبيعة القيادات المشاركة، ومن بينها رئيس هيئة العمليات، وقيادات الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، ورئيس الهيئة العربية للتصنيع، ومديرا إدارتي الإشارة والمركبات، موضحًا أن هذا التشكيل يعكس توجهًا نحو تطوير منظومة مركزية متكاملة لإدارة الأزمات على مستوى الدولة.
وأكد أن التوجيهات الرئاسية خلال الاجتماع كانت واضحة، وفي مقدمتها الإسراع بإدخال بيانات جميع مؤسسات الدولة في منظومة الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، مع ضمان دقتها وسرية تداولها، باعتبار أن اتخاذ القرارات الصحيحة يتطلب قاعدة معلومات شاملة ومحدثة، خصوصًا في الظروف الاستثنائية.
وشدد على أن توجيه الرئيس بدراسة تدبير مخزون استراتيجي من جميع احتياجات الدولة لمواجهة المواقف الطارئة يحمل دلالات بالغة الأهمية، موضحًا أن المقصود لا يقتصر على السلع الغذائية، وإنما يشمل مختلف الموارد والمستلزمات الضرورية لاستمرار عمل مؤسسات الدولة وتأمين احتياجات المواطنين.
ولفت إلى أن هذه التوجيهات تعزز الدور السيادي للهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، باعتبارها منظومة مركزية تتجاوز اختصاصات الوزارات منفردة، وتستهدف حماية الأمن القومي والممتلكات العامة والخاصة، مشيرًا إلى أن الرئيس السيسي سبق أن وصفها بأنها ذراع موازية وداعمة للدولة، وعين أخرى تساعد على تحسين الأداء.
وأوضح أن أهمية الهيئة تكمن في امتلاك قاعدة بيانات موحدة تتيح إدارة أزمات متعددة في مواقع مختلفة بالتزامن، بدلًا من الاعتماد على تحركات منفصلة للوزارات، مشيرًا إلى أن التوجيهات المتعلقة بدقة المعلومات وسريتها تعكس العمل على بناء خريطة متكاملة لموارد الدولة، تشمل المخازن والصوامع والمستشفيات ومحطات الوقود وشبكات المياه ووسائل النقل، بما يسمح بتحديد الإمكانات المتاحة وتوجيهها بكفاءة عند الطوارئ.
وأكد «الزيات» أن الأهمية الاستراتيجية لهذه الاجتماعات ترتبط بتوقيتها، في ظل أربعة ملفات رئيسية تؤثر على المصالح المصرية، أبرزها استمرار الحرب مع إيران والتوترات في مضيق هرمز، والتهديدات التي تواجه الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، محذرًا من أن أي تصعيد عسكري جديد قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية، فضلًا عن التأثير المحتمل على إيرادات قناة السويس.
وأضاف أن التطورات السياسية الأمريكية تمثل عاملًا إضافيًا لعدم اليقين، خصوصًا مع تغير تركيبة الكونجرس عقب انتخابات التجديد النصفي، واحتمالات تصاعد الخلافات بين الرئيس دونالد ترامب والأغلبية الديمقراطية، بما قد يجعل القرارات الأمريكية أكثر تقلبًا، مؤكدًا أن الدول الرشيدة لا تبني أمنها على توقع قرارات واشنطن، وإنما على قدراتها الذاتية ومخزونها الاستراتيجي.
وأشار إلى أن اضطرابات أسواق الغذاء والطاقة العالمية تمثل تحديًا آخر، مستشهدًا بمؤشرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» بشأن ارتفاع أسعار الغذاء، وما تفرضه هذه التطورات من ضرورة الاستعداد لاحتمالات اضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد، وتأمين الاحتياجات الأساسية قبل وقوع الأزمات.
وشدد على أن الدولة المصرية تتحرك وفق استراتيجية استباقية تستهدف الاستعداد للمخاطر المحتملة بدلًا من انتظار وقوعها، موضحًا أن مخرجات الاجتماعات تحمل رسالتين أساسيتين؛ الأولى للداخل، وتؤكد حرص الدولة على تأمين جميع الاحتياجات الأساسية، وليس السلع الغذائية فقط، وأن تعزيز المخزون الاستراتيجي إجراء احترازي لا يعني وجود نقص حالي في الموارد أو ارتباطه بفترة زمنية محددة.
أما الرسالة الثانية، بحسب «الزيات»، فهي موجهة إلى القوى الإقليمية والدولية، ومفادها أن مصر تستعد لأسوأ السيناريوهات، ولا تنتظر نتائج المواجهات أو التفاهمات بين واشنطن وطهران وتل أبيب لترتيب أوضاعها الداخلية.
واختتم تصريحاته بالتأكيد أن امتلاك الدولة استعدادات متكاملة لمواجهة الاحتمالات الأكثر خطورة يعزز استقلالية قرارها وقدرتها على حماية مصالحها الوطنية، ويقوي موقفها التفاوضي في الملفات الإقليمية، موضحًا أن الدولة التي تؤمن احتياجاتها وتستعد مسبقًا للتطورات السلبية تستطيع التفاوض بهدوء وثقة، والقيام بدور الوسيط الفاعل في الأزمات التي تشهدها المنطقة.
- السيسي يقود جهود انتقال الدولة من التعامل مع الأزمة بعد وقوعها إلى التنبؤ بها والاستعداد لها.. إجراء محاكاة دورية للأزمات والكوارث لاختبار قدرات المؤسسات ورفع وعي المواطنين بالتعامل
- كاتب: السيسي في الإمارات يؤكد أهمية الحلول الدبلوماسية لحل أزمات المنطقة
- السيسي في أبوظبي.. شراكة استراتيجية ترسّخ وحدة الموقف المصري الإماراتي وتدعم استقرار المنطقة
- «المصريين الأحرار» السيسي بمؤتمر «إيجبس 2026» تُدرَّس في فن إدارة الأزمات الدولية
- السيسي يستقبل رئيس إريتريا.. يؤكد دعم أمن واستقرار واحترام سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها.. مصر ترفض أي انتهاك لسيادة الدولة أو مساس بوحدتها الإقليمية.. وتعزيز الاستقرار في “القرن الأفريقي”





