Advertisement
هو البابا الرابع الذي يزور هذا البلد الصغير، شاغل العالم بمشاكله وهمومه. البابا لاوون الرابع عشر، كأسلافه من البابوات، يتطلع إلى لبنان بغير العين التي يتطلع بها إليه الآخرون.
يتطلع إليه كمساحة رجاء وسط الخراب، كجمرٍ لا يزال يتقد تحت ركام الانقسامات، كحكاية قديمة لم تكتمل فصولها بعد. يرى في لبنان ليس ما آل إليه، بل ما يمكن أن يكون عليه. يسمع صوته المتعب، لكنه يصغي أيضًا إلى همس الحياة فيه؛ إلى تلك القدرة العجيبة التي يمتلكها اللبنانيون على القيام بعد كل سقطة، وعلى التشبّث ببارقة أمل مهما خفت نورها.
يأتي البابا لاوون الرابع عشر لا ليزور حجارةً أو مراكز رسمية، بل ليزور القلوب التي أنهكتها السياسة، والبيوت التي أثقلتها الأيام، والعائلات التي دفنت أحلامًا وأبقت أخرى معلّقة. يأتي ليقول للبنانيين إن العالم لم يتعب منهم، وإن السماء لا تزال تراهن عليهم. يأتي ليعيد ترتيب نبض هذا البلد الذي اختلط فيه الألم بالإيمان، والضياع بالبحث الحثيث عن خلاص.
هو يعرف أن لبنان ليس مجرد رقعة جغرافية، بل وعد. والوعد لا يموت. يعرف أن اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، ليسوا شعوبًا متنازعة بقدر ما هم عائلة كبيرة اختلفت كثيرًا، لكنها لم تتوقف يومًا عن البحث عمّا يجمعها. ولذلك، حين يهبط ضيف الزمن الميلادي على هذه الأرض، يهبط وكأنه يعود إلى بيتٍ يعرفه، إلى فسيفساء من الوجوه والاختلافات تعبّر بصخبها وصمتها عن جوهر هذا الشرق.
سيقول البابا الكثير في العلن، لكن ما ستسمعه القلوب هو الأهمّ. سيخبر اللبنانيين بأن الخوف ليس قدرًا، وأن الوحدة ليست حلمًا مستحيلًا، وأن السلام يبدأ عندما يقدم الإنسان على خطوة صغيرة نحو الآخر. وسيذكّرهم بأن يسوع لم يولد يومًا في القصور، بل في مذودٍ متواضع وسط فوضى العالم، تمامًا كما يصرّ على أن يجدد حضوره اليوم وسط فوضاهم.
يأتي البابا لاوون الرابع عشر وليس معه عصا عجائبية، بل يأتي ليضع يده على كتف شعب متعب، ويقول له ببساطة الأب: ما زال بإمكانكم أن تكونوا نورًا، وما زال لبنان يستحق الحياة.
سيصل البابا، وسيجد الطرقات ممهدة ومفروشة بالزفت. ستُقدَّم له الورود، وستُطلق المدفعية 21 طلقة، وستتنافس الوجوه على الابتسام، وتتنافس الكلمات على اللياقة، ويُضبط البرنامج البروتوكولي بدقة الساعة، لكن ما سيكتشفه البابا أبعد بكثير من كل ذلك وأعمق.
سيكتشف أن خلف الطرقات المزّفتة حديثًا طرقات أخرى لم يصل إليها الإسفلت يومًا، تمشي عليها أقدام ناسٍ يتصبّرون، ويكملون يومهم كأن شيئًا لا يقدر أن يهزمهم. سيكتشف أن خلف باقات الورود أوجاعًا مزمنة، كثيفة كالأشواك، لكنها لم تمنع الناس من التمسك بالرجاء ومن تزيين نوافذهم بالضوء.
وسيكتشف أن خلف الطلقات الـ 21 صمتًا ثقيلًا في بيوت كثيرة، صمتًا يضجّ بالأسئلة الوجودية، وبالصلوات التي تُرفَع بصوت مكسور، وبالقلوب التي تتأرجح بين الخوف والشجاعة.
سيكتشف البابا أن البروتوكول مهما كان متقنًا لا يقدر أن يخفي الحقيقة، وهي أن هذا الشعب يبتسم على رغم أنه متعب، ويحتفل على رغم أنه مكسور، ويستقبل على رغم أنه مهموم. سيكتشف أن الحفاوة ليست واجبًا رسميًا، بل عادة لبنانية متجذّرة، تنبت حتى فوق الإسمنت المتشقق.
وسيكتشف أيضًا أن اللبنانيين، على اختلافهم، يملكون قدرة مذهلة على فتح دروب صغيرة نحو بعضهم البعض حين تشتد عليهم العتمة. سيكتشف أن الألم وحده لا يختصر هذا البلد، وأن ما يجمع ناسه ليس فقط تاريخًا مشتركًا، بل رغبة مكبوتة بأن يعيشوا بكرامة وسلام.
سيستمع البابا إلى الكلمات التي ستقال له، لكنه سيقرأ أيضًا ما لا يُقال. سيقرأ غصّات الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءً على حدودٍ لا تهدأ، وحسرات الشباب الذين يهاجرون لأنهم تعبوا من انتظار وطن يشبههم. سيقرأ في عيون الشيوخ الذين خبِروا الحروب كلها وما زالوا يزرعون في حدائقهم شجرة زيتون كأن السلام آتٍ غدًا.
وسيكتشف البابا، كما اكتشف أسلافه، أن لبنان ليس بلدًا يذهب إليه المرء ليعاين الأزمات وحسب، بل ليشهد على صمود شعب يعيش على تخوم المعجزة. سيكتشف أن في هذا البلد جروحًا كثيرة، لكن فيه أيضًا نبضًا لا ينطفئ، وكرامة لا تُشترى، وإيمانًا ينبت فوق الرماد.
وسيكتشف أخيرًا أن الزيارة ليست مجرد حدث، بل مرآة يرى فيها اللبنانيون أنفسهم كما هم: متعبون، لكن غير مهزومين، ممزقون، لكن لا يتخلّون عن بعضهم البعض. واقفون على الحافة، لكن بعيون شاخصة إلى بشارة الميلاد. فالنور ينتصر مهما طال الليل.








0 تعليق