- مقالات
جلال حمام
بعد نحو العام على السابع من أكتوبر الماضي، يبدو السلام على الحدود بين إسرائيل ولبنان بعيدًا.. وقد يدهشك، أن مدى خطورة المواجهة مع حزب الله تزداد، بعدما انفجرت أجهزة استدعاء (بيجرز)، تستخدمها قوات حزب الله في لبنان وسوريا في وقت واحد تقريبًا يوم السابع عشر من سبتمبر، وفي اليوم التالي، انفجرت أجهزة اتصال لاسلكي (توكي ووكي) في جميع أنحاء لبنان، مما أسفر عن مقتل وإصابة الآلاف من اللبنانيين، من عناصر الحزب والمدنيين.. ويفترض، على نطاق، واسع أن هذا من عمل إسرائيل.. وإذا كان الأمر كذلك، فإن حجم الهجمات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، فضلًا عن طبيعتها المسرحية، يمكن أن ينظر إليها على أنها محاولة من قبل الجيش الإسرائيلي وقوات الاستخبارات لإصلاح سمعتهما، التي تُركت في حالة يرثى لها في أعقاب هجوم حماس في السابع من أكتوبر، وإخفاق تل أبيب في تحقيق أيًا من الأهداف االتي أعلنها رئيس الوزراء، بنيامين نتياهو، لعملية اجتياح قطاع غزة.
ويمكن أن تمثل الهجمات أيضًا، محاولة من جانب إسرائيل، لمعالجة مشكلة حدودها الشمالية، بعد إجلاء نحو ستين ألف شخص من البلدات الإسرائيلية، وتم أيضًا إخلاء القرى اللبنانية نتيجة للقتال.. وربما كان المقصود من الهجمات، أن تكون إشارة إلى حزب الله، وداعمته إيران للتراجع، خصوصًا وأنهم في إسرائيل يقولون، إنه إذا لم يفهم حزب الله رسائل القوة الحالية، فسنمارس المزيد من هذه القوة.. والنتيجة، أن الحكومة الإسرائيلية لن تتمكن من إعادة السكان إلى ديارهم، حيث تحولت بلدة كريات شمونة ـ على سبيل المثال ـ. إلى مدينة أشباح، بعد نقل سكانها عبر إسرائيل، ويقول القلائل المتبقون منهم، إن الخوف من غزو حزب الله أدى إلى الهروب، وليس الصواريخ.. كما يؤكد الكاتب الأمريكي، برونوين مادوكس، الذي زار المنطقة مؤخرًا.. بل على العكس من ذلك، فإنهم يخاطرون بتصعيد الصراع المحتدم على الحدود الشمالية إلى حرب إقليمية، وقد عملت الولايات المتحدة والعديد من جيران إسرائيل بجد لتجنبها.
منذ السابع من أكتوبر، هناك انعدام للثقة في قدرة الجيش والاستخبارات الإسرائيلية على حماية سكان الشمال، ويبدو احتمال عدم عودة هؤلاء السكان أبدًا، احتمالًا متزايدًا.. ويتحدث القادة العسكريون بحزن عن ضرورة ضربة سريعة عبر الحدود، لتحقيق المزيد من الأمن.. إلا أن المحللون يتفقون على أنه من الصعب أن نرى كيف ستعود ثقة السكان دون مثل هذا الإجراء.. لكن ذلك سيكون تصعيدًا للصراع، في نهاية المطاف، مع إيران وكذلك حزب الله.. وهذا على وجه التحديد ما لا تريد الولايات المتحدة وحلفاء إسرائيل الآخرون رؤيته.. قد يكون هناك انتقام من حزب الله وحلفائه على الضربات، لكن شكله غير واضح.. حزب الله، أكثر من حماس، يعمل بشكل وثيق مع إيران وسوف يسترشد بها، ومستودعاته عامرة بالأسلحة، منها ما خرج للعلن، ومنها ما يمكن أن يكون مفاجأة لإسرائيل.. وقد يكون من الصعب السيطرة على حرب أوسع، في ظل تحقيق الحوثيون في اليمن، نجاحًا كبيرًا في تعطيل الشحن عبر قناة السويس والبحر الأحمر، وقد ضربوا عمق إسرائيل مرتين بالصواريخ والطائرات المسيرة.. لكن المؤشرات تشير إلى أن إيران غير راغبة في المشاركة في صراع أكثر ضراوة، وقد يكون من الصعب السيطرة على حرب أوسع نطاقًا، من شأنها أن تعيق جهود الرئيس الإيراني الجديد لتأمين تخفيف العقوبات المفروضة على طهران.
ومن المدهش، أن نرى حالة الانقسام المرير للرأي العام الإسرائيلي، بين أولئك الذين يريدون إعادة الرهائن إلى الوطن كأولوية، وأولئك الذين يُفضلون ملاحقة حماس حتى على حساب حياة الرهائن.. وقد أدى تصاعد العنف في الضفة الغربية، بما في ذلك العنف الذي يرتكبه المستوطنون الإسرائيليون، إلى مقتل أكثر من ستمائة فلسطيني هناك، منذ السابع من أكتوبر، ويهدد بتفاقم الحالة في جبهة أخرى من الصراع.. وفي الوقت نفسه، تتعرض إسرائيل لضغوط دولية متزايدة بسبب أفعالها في غزة.. وعند الاجتماع والتحدث مع الإسرائيليين والفلسطينيين، يبدو السلام بعيد المنال كما كان دائمًا.. ولا يزال المسار المحتمل لعلاقات إقليمية أكثر استقرارًا، من خلال التطبيع مع المملكة العربية السعودية، والعلاقات الدبلوماسية القائمة مع خمس دول عربية، بعيد المنال، بينما يستمر القتال في غزة.. ومع اقتراب الذكرى الأولى لهجمات السابع من أكتوبر، تفتقر إسرائيل إلى استراتيجية للسلام، وعندها، يجب على إسرائيل رفض نتنياهو، والبدء في إصلاح جذري لتضميد الصدمة.
●●●
لقد غير الصراع في غزة قواعد الاشتباك بين إسرائيل وحزب الله.. قبل السابع من أكتوبر، التزم كلاهما بقانون فعلي للنزاعات كان قائمًا منذ حربهما عام 2006.. وقصرت القواعد غير المكتوبة، نطاق هجمات حزب الله على الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، مثل مزارع شبعا ـ الأراضي التي يزعم أنها متنازع عليها من حيث ملكية الدولة، ولكن الحكومة في بيروت تقول إنها لبنانية ـ بدلًا من المناطق داخل إسرائيل نفسها.. ولكن على مدى الأشهر التسعة الماضية، أصبحت هذه القواعد مرنة.. دخل حزب الله معمعة الصراع في غزة، من خلال إطلاق الصواريخ على الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل منذ أكتوبر.. وسرعان ما توسعت مشاركتها لتشمل ضربات أعمق داخل إسرائيل.. وردت الأخيرة بضرب أهداف عسكرية لحزب الله، في البداية، بالقرب من الحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية، ولكنها وسعت لاحقًا نطاق هجماتها لتشمل مساحة أكبر من جنوب لبنان ووادي البقاع.. وفي يناير، شنت إسرائيل غارة في ضاحية بيروت الجنوبية التي يهيمن عليها حزب الله، استهدفت وقتلت القيادي بحماس، صالح العروري.. ومنذ ذلك الحين، تصاعد التوتر بين حزب الله وإسرائيل، مما أدى في كثير من الأحيان، إلى تكهنات إعلامية مكثفة بأن الحرب الشاملة بين الجانبين كانت وشيكة.. في الأسابيع الأخيرة، انخرطت إسرائيل وحزب الله في حرب نفسية ضد بعضهما البعض، حيث أصدر كل جانب علنًا، أو ألمح إلى معلومات استخباراتية تم جمعها عن الآخر.
نُقل عن يوسي كوهين، الرئيس السابق للموساد، قوله، (نحن نعرف بالضبط مكان الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، ويمكننا إخراجه في أي لحظة)!!.. وفي اليوم التالي، نشر حزب الله شريط فيديو صورته إحدى طائراته بدون طيار، يظهر مواقع حساسة داخل إسرائيل، مثل ميناء حيفا، في حين أصدر جيش الدفاع الإسرائيلي بيانًا قال فيه إنه وافق على خطط لعملية اجتياح لبنانية.. وفي اليوم التالي، ألقى نصر الله خطابًا متلفزًا، هدد خلاله قبرص للمرة الأولى، بناء على تعاونها العسكري مع إسرائيل.. وفي الوقت نفسه، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لوسائل الإعلام المحلية، إنه مستعد لإرسال قوات إسرائيلية إلى الحدود اللبنانية، بمجرد انتهاء المرحلة الحالية من حرب غزة.. وقال، (يمكننا القتال على عدة جبهات، ونحن مستعدون للقيام بذلك).. لكن التغيير في قواعد الاشتباك، والخطاب المُهدد بشكل متزايد، لا يُترجَم تلقائيًا إلى تصعيد على الأرض.. بعد كل شيء، الحرب النفسية ليست بالضرورة علامة على أن الحرب الشاملة قادمة، ولكن يمكن أيضًا أن تكون تعويضًا عن غيابها.
ويدرك الجانبان تمامًا، أنه لا إسرائيل ولا حزب الله سيستفيدان من مثل هذا السيناريو.. يعرف حزب الله أنه لا توجد رغبة شعبية في لبنان للحرب مع إسرائيل، وأنه إذا اندلعت مثل هذه الحرب، فمن المرجح أن تُجر الجماعات الأخرى المدعومة من إيران وكذلك إيران نفسها إلى القتال، وهو أمر تريد إيران تجنبه.. ولن ترغب إسرائيل في الدخول في حرب مع حزب الله، الذي يعتقد أنه أكثر الجهات الفاعلة غير الحكومية تسليحًا في العالم.. وفي حين أن أهدافها المعلنة في غزة لم تتحقق، وعلى الرغم مما يقوله نتنياهو لوسائل الإعلام، فهو يعلم أن إسرائيل غير قادرة على التعامل مع معركة ذات شقين بمفردها.. ومن المرجح أن تستمر إسرائيل وحزب الله في لعب (لعبة الدجاجات المتهورة) على نحو متزايد.
الولايات المتحدة بدورها، لا ترغب في الانجرار إلى دعم إسرائيل، في ما قد يصبح مستنقعًا جديدًا في الشرق الأوسط، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر القادم.. وهذا يفسر، لماذا تواصل الولايات المتحدة محادثات خفض التصعيد مع إسرائيل، وبشكل غير مباشر، مع حزب الله، من خلال الدفع بعاموس هوكستين، نائب مساعد الرئيس الأمريكي، إلى لبنان، للالتقاء بحليف حزب الله، نبيه بري، وهو اجتماع عُقِد رسميًا بصفته رئيس البرلمان اللبناني.
إن قيام كل من حزب الله وإسرائيل بالكشف العلني في نفس اليوم، عن هذا اللقاء، ليس من قبيل الصدفة.. ومن المرجح أن تستمر إسرائيل وحزب الله في ممارسة اللعبة المتهورة على نحو متزايد، في حين يستخدمان الحرب النفسية، كمحاولة للردع المتبادل، ورسالة تحدٍ مفترضة للولايات المتحدة.. يريد نتنياهو تأكيد تصميمه العسكري والسياسي على القضاء على حماس أمام الإسرائيليين، الذين يشعرون بالإحباط المتزايد لعدم إطلاق سراح بعض الرهائن.. ويريد أن يراه الجمهور الإسرائيلي كزعيم قوي، يتبع استراتيجية إسرائيل أولًا، وليس الرضوخ للضغوط الأمريكية بدافع من مصالح الرئيس جو بايدن.. ويريد حزب الله الحفاظ على الشعور بالمصداقية، كعضو في محور المقاومة، المدعوم من إيران والمعادي لإسرائيل والمعادي للولايات المتحدة، في نظر دائرة انتخابية تتحمل تكلفة متزايدة من حيث الخسائر في الأرواح والممتلكات وسبل العيش.. من المؤكد، أن المواجهة بين إسرائيل وحزب الله ستستمر طالما استمر الصراع في غزة.. وكلما مر الوقت، زاد احتمال استمرار كلا الجانبين في دفع الحدود، وإعادة كتابة قواعد الاشتباك الخاصة بهما، مما يدل مرة أخرى على أن مفاهيم الخطوط الحمراء بينهما، أصبحت بلا معنى على الإطلاق.
●●●
وإذا كانت إسرائيل تراهن على أن حزب الله سيتراجع، فإن الضربات الإسرائيلية المكثفة على لبنان، وإن كانت تظهر مدى تصميمها على كسر عزيمة حزب الله وإجباره على وقف هجماته عبر الحدود على إسرائيل، إلا أنها تكشف أيضًا عن مدى بُعد تل أبيب عن تحقيق هذا الهدف، وعن مدى قرب الجانبين من حرب شاملة، بدأت نذرها تلوح في الأفق، بعد التصعيد الضخم على الحدود بين الجانبين، وفي العمق منهما، والذي أدى مؤخرًا إلى استشهاد ما يقارب الأربعمائة لبناني في يوم واحد، بخلاف آلاف المصابين، في نحو ألف وثلاثمائة هجمة إسرائيلية على أماكن متفرقة من لبنان، ووصول ضربات حزب الله إلى حيفا، وإصابتها لأهداف حيوية هناك.
كان المسئولون الإسرائيليون يأملون، من خلال تصعيد هجماتهم الأسبوع الماضي ـ بضرب أدوات الاتصالات الخاصة بحزب الله، وقتل العديد من القادة الرئيسيين، وكذلك المدنيين اللبنانيين ـ أنهم سيزعجون الحزب ويقنعونه بالانسحاب من الحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية.. وكان هؤلاء المسئولون يعتقدون أنهم إذا زادوا من تكلفة حملة حزب الله، فسيكون من الأسهل على الدبلوماسيين الأجانب، مثل عاموس هوكستين، المبعوث الأمريكي، حمل الحزب على التنحي.. إلا أنه في الوقت الحالي، حدث العكس.. وعلى الرغم من أيام من الهجمات التصعيدية من إسرائيل، تعهد حزب الله بعدم الرضوخ تحت الضغط.. وقال قادته إنهم سيواصلون هجماتهم، حتى يتم الاتفاق على وقف إطلاق النار في غزة بين إسرائيل وحماس.. وقد أطلق حزب الله بالفعل عشرات الصواريخ على أهداف على بعد حوالي ثلاثين ميلًا داخل إسرائيل، وهي أعمق ضرباته منذ بداية الحرب في أكتوبر، والتي حذر أحد كبار مسئوليه من أنها (مجرد بداية).. حتى أن حسن نصر الله، زعيم حزب الله، تحدى إسرائيل وغزو جنوب لبنان بريًا، وهي الخطوة التي قد تؤدي بشكل معقول، إلى مأزق مطول لتل أبيب، مثل انتصار إسرائيلي لن يتحقق.
ولا يبدو أن هذا الغزو وشيك، حتى في الوقت الذي كثفت فيه إسرائيل ضرباتها وحذرت المدنيين، بضرورة إخلائهم القرى التي قالت إن حزب الله يُخزن فيها أسلحة.. وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دانيال هاجاري، إن التركيز الحالي ينصب على حملة جوية، وليس عملية برية.. ولكن، إذا كانت إسرائيل تفتقر إلى أشكال أخرى من الضغط العسكري، فإن الغزو سيكون أحد الخيارات العسكرية القليلة المتبقية لقيادة البلاد.. ومع ذلك، فإن الجيش الإسرائيلي منهك بالفعل، ولا يزال يقاتل في غزة، بينما يكثف عملياته في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، حيث يشن غارات منتظمة على المدن الفلسطينية.. مما دفع المحللين العسكريين إلى مناقشة جدوى محاولة إسرائيل خوض ثلاثة صراعات برية في وقت واحد، خصوصًا بالنظر إلى التحديات التي يفرضها غزو لبنان.
بعد إحدى عشر شهرًا من القتال، لم يهزم الجيش الإسرائيلي حماس بالكامل في غزة.. ويسيطر حزب الله على منطقة جبلية أكبر وأكثر مما تسيطر عليه حماس في غزة.. كما تعتبر الميليشيا اللبنانية أن لديها جيشًا أفضل تدريبًا من حماس، بالإضافة إلى تحصينات أكثر تطورًا.. لذلك، فإنه لغزو لبنان، سيحتاج الجيش الإسرائيلي، على الأرجح، إلى استدعاء الآلاف من جنود الاحتياط، وكثير منهم مرهقون بالفعل من الخدمة في غزة خلال العام الماضي، كما يؤكد باتريك كينجسلي، مدير مكتب صحيفة (نيويورك تايمز) في القدس.. في وقت تؤكد فيه واشنطن أنها تدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكنها تعمل على احتواء الأزمة المتفجرة بين إسرائيل وحزب الله، حتى لا يتسع نطاقها، وهي التي لا تريد أن تنزلق إلى حرب في الشرق الأوسط، مؤكدة أن (أكبر عدو لإسرائيل، هي إسرائيل نفسها، وأن أصعب تحدٍ أمامها، هو الدفاع عن إسرائيل ضد نفسها).. فما الحل إذن؟.
●●●
خلصت دراسة، قام بها الباحث عيران عتصيون، رئيس تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الإسرائيلية، ونائب رئيس مجلس الأمن القومي في مكتب رئيس الوزراء، إلى أن أقل بقليل من نصف الإسرائيليين كانوا في حالة اكتئاب، وأقل بقليل من الثلث تظهر عليهم علامات الإجهاد اللاحق لصدمة هجوم حماس في السابع من أكتوبر الماضي، وقد أعاقت تصرفات حكومة نتنياهو، قدرة الإسرائيليين على استعادة اتجاههم الصحيح منذ الهجمات.. ومع اقتراب البلاد من الذكرى الأولى لهذه الهجمات، من الواضح، بشكل متزايد، أنه فقط مع وجود حكومة جديدة وإصلاحات كبيرة وفترة من مراجعة الذات، يمكن لإسرائيل أن تأمل في تحويل (صدمتها الوطنية) إلى (ولادة وطنية) جديدة.. لقد هز هجوم حماس الإسرائيليين حتى النخاع.. لكن الإجراءات الداخلية لحكومة بنيامين نتنياهو، أعاقت أيضًا قدرة الإسرائيليين على استعادة اتجاهاتهم.
الأكثر احتمالًا، هو أن الوضع الراهن، حرب الاستنزاف في غزة وعلى الحدود الشمالية مع لبنان، مستمر.. وهو ما لم يكن من الممكن تصوره قبل بضعة أشهر، والآن، هو (الوضع الطبيعي الجديد)، بسبب تصميم نتنياهو على الحفاظ على منصبه كرئيس للوزراء، وحاجته إلى وقف الإجراءات الجنائية القائمة ضده، بتهمة الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وتجنب التحقيقات في مخالفات أخرى.. بالإضافة إلى أنه كان من شأن رئيس أمريكي أقوى من جو بايدن، أن يغلق الجبهات النشطة في غزة ولبنان.. والآن يتطلع نتنياهو إلى إمكانية تشكيل إدارة أمريكية ثانية لدونالد ترامب، من المرجح أن تخفف الضغط على سلوك حكومته في غزة، مع أن التعامل مع حرب غزة على أنه وضع طبيعي، سيأتي بعواقب وخيمة على إسرائيل، وقد تخضع لعملية (جنوب إفريقيا)، مع المزيد من العقوبات والمقاطعات وسحب الاستثمارات من الدول الإقليمية والأوروبية، والدول ذات التفكير المماثل.. وإذا فازت كامالا هاريس برئاسة الولايات المتحدة، فقد تنضم الولايات المتحدة تدريجيًا إلى هذه الموجة.. وقد بدأت واشنطن بالفعل في فرض عقوبات على الأفراد، والمنظمات اليمينية المتطرفة المرتبطة بالمستوطنين في الضفة الغربية.. وستواصل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، بعد تدخلاتهما هذا العام، فرض قيود على الحكومة الإسرائيلية ككل، وعلى (الأشخاص ذوي المسئولية)، بمن فيهم نتنياهو ويوآف جالانت والشخصيات العسكرية، وغيرهم.
الاحتمال الآخر، هو أن الصراع يمتد إلى حرب إقليمية كاملة، مما يؤدي إلى مستويات غير مسبوقة من الدمار في إسرائيل ولبنان، وربما إيران.. في الوقت الحالي، يبدو أن الولايات المتحدة منعت تبادل الهجمات الصاروخية الأخير بين إسرائيل وحزب الله من التصعيد إلى حرب إقليمية.. لكن، خطر نشوب صراع إقليمي أوسع نطاقًا لا يزال قائمًا.. وإذا تحقق ذلك، فسيكون على نطاق، ستكافح أمريكا من أجل اختصاره وخلق ما يشبه النصر لإسرائيل.. وسوف يُلقي بظلاله على أي ساحة عالمية أخرى، بما في ذلك أوكرانيا والانتخابات الأمريكية، وسترتفع أسعار النفط، وستخضع الحركة البحرية والجوية لمزيد من القيود في جميع أنحاء المنطقة.. ومن شأن هذا الصراع أيضًا، أن يخلق فرصة استراتيجية لروسيا، لإغراق سياسات الولايات المتحدة في كل من الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.. سوف تتدفق حركات الجهاد العالمية والمحلية المناصرة إلى لبنان، عبر حدوده التي يسهل اختراقها مع سوريا.. لذلك ستبذل الولايات المتحدة كل جهد ممكن، لمنع مثل هذا الصراع والحد منه إذا اندلع بالفعل.
ربما يكون السيناريو الأقل احتمالًا هو (صفقة ضخمة)، تقودها الولايات المتحدة، تجبر بموجبها إسرائيل وحماس وحزب الله وإيران على الدخول في صفقة كبرى، ووضع حد للحرب في غزة، والجبهة الثانية في لبنان وجميع الجبهات الأخرى التي تقودها إيران في سوريا والعراق واليمن وأماكن أخرى.. وهذا من شأنه أن يمهد الطريق لاتفاق تطبيع أمريكي ـ سعودي ـ إسرائيلي، وبالتالي لإحياء المحادثات الإسرائيلية ـ الفلسطينية.. ولكي تكون هناك أي فرصة لمثل هذه (الصفقة الضخمة)، فإن الشروط الضرورية، وإن لم تكن كافية، هي تغيير الحكومة في إسرائيل والإطاحة بنتنياهو.. وبما أنه ليس من الضروري إجراء انتخابات عامة قبل عام 2026، فإن الطريق إلى هذه النتيجة صعب.
وحتى الآن، لم تُحدث الضغوط من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى فرقًا يُذكر، لكن نتنياهو لا يزال لا يحظى بشعبية كبيرة داخل إسرائيل.. وفي استطلاع للرأي، أجري في يوليو الماضي، قال 72% من الإسرائيليين، إن على نتنياهو الاستقالة بسبب إخفاقاته التي أدت إلى السابع من أكتوبر.. ويواجه الائتلاف الحاكم انتقادات متزايدة بشأن غزة ولبنان، وعجزه عن تحقيق أهدافه الحربية.. وقد تطيح به، قضية التجنيد العسكري للطائفة الأرثوذكسية المتطرفة التي طال أمدها، أو مناقشة ميزانية 2025 التي تلوح في الأفق، والتي سيكون من الصعب الموافقة عليها، إذ ستتعرض ميزانية الدولة لضغوط هائلة، حيث يخضع كل من الجنوب والشمال لعملية إعادة الإعمار، وتبتلع ميزانية الدفاع عشرات المليارات من الدولارات من التمويل الإضافي، لا يزال الاستثمار الأجنبي ينتظرها.. ومهما كانت تشكيلة الحكومة المقبلة، يجب أن تحول مسار إسرائيل الاستراتيجي بشكل جذري، للأسباب المذكورة أعلاه، ولإعداد البلاد لإصلاحات كبرى، في ظل غالبية إسرائيلية حريصة على طي صفحة الماضي، وبدء عملية التعافي وإعادة الإعمار.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.



