توقيت لا يسمح بأي تنازل
من الواضح ان الاجتماع يأتي قبل أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في ٢٧ تشرين الاول الجاري ،وفي مثل هذا التوقيت، يصبح كل موقف سياسي أو أمني جزءاً من الحملة الانتخابية، وكل كلمة تُوزن بميزان الصناديق لا بميزان المصلحة الوطنية أو الإقليمية. ذلك ان نتنياهو لا يمكنه ، وهو يخوض معركة انتخابية حاسمة لمستقبله السياسي، أن يُقدم على أي خطوة قد يفسّرها خصومه ضعفاً أو تراجعاً. ولا يمكنه أن يُظهر ليونة في الملف اللبناني، من انسحاب أو تعديل في قواعد الاشتباك أو تخفيف للضغط العسكري، لأن ذلك سيُستخدم ضده فوراً. فضلا عن ان المنطق الانتخابي يقتضي العكس: التشدد وإظهار الحزم واستعراض القوة. لذلك أطلق نتنياهو العنان لكثير من المواقف السلبية والمتطرفة حول بقاء قواته في جنوب لبنان وفي سوريا غير آبه للطلبات الأميركية المتكررة حينا والمقتضبة احيانا التي دعته إلى التخفيف من حربه في لبنان ووقف التحرشات بالأراضي السورية . وما لم يقله نتنياهو كان يردده الوزراء الذين يدورون في فلكه ، وكلها مواقف لا توحي بوجود نوايا اسرائيلية حقيقية بتطبيق " الاتفاق الاطار" بكافة مندرجاته .
من هنا تبدو الجدوى العملية للاجتماع شبه معدومة. فكيف يُتوقع تقدم حقيقي في مفاوضات يجلس فيها أحد الأطراف وعينه على صناديق الاقتراع لا على طاولة التفاوض؟ ومن البديهي أن أي ترتيب جدي يحتاج إلى حكومة إسرائيلية تملك هامش قرار، أي بعد انتهاء الاستحقاق وتشكّل السلطة الجديدة، لا قبله.
واشنطن لن تضغط على نتنياهو
قد يقول قائل إن الولايات المتحدة قادرة على فرض إيقاع مختلف على حليفها. غير أن القدرة شيء والرغبة شيء آخر. فالإدارة الأميركية ليست في وارد الضغط على نتنياهو، لأن الرئيس دونالد ترامب يحتاج إلى أصوات الناخبين اليهود في الانتخابات النصفية. والواقع ان الحسابات الداخلية الأميركية هنا حاسمة. فأي ضغط علني على الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما قبيل استحقاقها الانتخابي، قد يُقرأ في الداخل الأميركي ابتعاداً عن إسرائيل، وهو ما لا يريده فريق يسعى إلى تعبئة قواعده وكسب أصوات حاسمة في ولايات متأرجحة. وبذلك يتحول الدعم لإسرائيل من خيار استراتيجي إلى ورقة انتخابية، ويصبح لبنان الطرف الذي يُطلب منه تقديم التنازلات بدل أن تُمارَس الضغوط على الطرف الآخر. ومن رافق عن كثب مداولات الجلسات السابقة للمفاوضات في واشنطن وروما ، يدرك تماماً ان الجانب الاميركي كان يترك النقاش - واستطرادا الخلاف- يأخذ مداه بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي من دون ان يظهر اي تعاطف مع الموقف اللبناني ، ولعل تصريحات السفير الاميركي في لبنان ميشال عيسى خير دليل دقيق على الطبيعة الباردة لردات الفعل الاميركية التي ستبقى باردة حتى اشعار آخر .
الملف اللبناني خارج سلّم الأولويات الاميركية
في هذه الأثناء ، ثمة من يعوّل على الكلام الأميركي الإيجابي الذي سمعه رئيس الحكومة نواف سلام من وزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن قبل أيام. لكن العبارات الدبلوماسية المطمئنة شيء، والأولويات الفعلية شيء آخر.
فإدارة ترامب دخلت مناخ الانتخابات النصفية واستحقاقاتها، وما يشغلها اليوم هو ملفات الداخل الأميركي وحسابات الاستقطاب الحزبي. أما في السياسة الخارجية، فلا يزال التركيز على إيران. والدليل الأوضح على ذلك أن الرئيس ترامب لم يذكر كلمة واحدة عن لبنان في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ؛ حتى لا ننسى تجاهل ترامب مصافحة الرئيس السلام في الاجتماع الذي دعت اليه بلاده على هامش جلسات الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك . وهذا الغياب ليس تفصيلاً عابراً، لأن منبر الأمم المتحدة هو المساحة التي ترسم فيها الدول أولوياتها أمام العالم. ومن لا يرد اسمه فيها لا يكون في صدارة الاهتمام.
لذلك لا يصح الخلط بين لقاء عابر في واشنطن واهتمام استراتيجي فعلي. فلبنان، في الحسابات الأميركية الراهنة، ملف ثانوي يُدار بالحد الأدنى، لا ملف يستحق استثماراً سياسياً أو رأسمال ضغط. واذا كان لبنان الرسمي يتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية هذا التهميش الاميركي ، إلا ان بعض اللبنانيين في الولايات المتحدة نفسها لا يقصّرون في الكلام عن " الجيش العاجز ،و"القرار الضائع" والعسكريين المتعددي الولاء ، وغيرها من العبارات التي تصب في خانة التشكيك بالجيش ودوره وقدراته على رغم الامكانات الضئيلة لديه.
لا انسحاب اسرائيلياً قبل حسم السلاح
على الضفة الإسرائيلية،الموقف واضح ولا لبس فيه: لا انسحاب، ولو بمتر واحد، من الجنوب قبل حل مسألة سلاح "حزب الله" . والمقلق أن هذا الإصرار يجد تجاوباً أميركياً يكاد يجعل منه موقفاً مشتركاً. وهنا يكمن جوهر المشكلة. فحين تُربط مسألة الانسحاب، وهي حق سيادي للبنان لا يخضع للمساومة، بمسألة داخلية بالغة التعقيد هي السلاح، يُعطى الاحتلال ذريعة مفتوحة للبقاء. وتصبح الدولة اللبنانية مطالبة بإنجاز ما عجزت عنه عقوداً، تحت ضغط الاحتلال وفي ظل شروط مسبقة، بينما يتحرر الطرف الآخر من أي التزام بالمقابل. وهذه معادلة مختلة لا يمكن أن تنتج تسوية متوازنة. ولان لبنان هو الحلقة الأضعف ، فإن إسرائيل ماضية في اعتداءاتها ضد لبنان وتواصل بشكل منتظم ؛ جرف الأراضي وتفجير المنازل وقصف القرى والبلدات الجنوبية وتغيير معالمها على نحو ما فعلته في غزة ، الأمر الذي يعني ان السردية الاسرائيلية هي نفسها ولا مجال لتغيير مسارها حتى إشعار آخر .
استحالة موافقة "حزب الله"
وفي المقابل، يبدو من المستحيل أن يوافق "حزب الله " على أي أمر يخص سلاحه. وقد جاءت مواقف الشيخ نعيم قاسم في الذكرى الثانية لاستشهاد السيد حسن نصرالله لتؤكد ذلك، وتقطع الطريق على أي رهان بتغيير في هذا الموقف قريباً. فالسلاح، من منظور الحزب، ليس ملفاً تفاوضياً قابلاً للمقايضة تحت الضغط، بل مسألة وجودية ترتبط بدوره وبنيته ومعناه. ولا يمكن لأي مسار تفاوضي أن ينجح إذا كان شرطه الأساسي مرفوضاً سلفاً بهذا الوضوح. وهكذا تصطدم الشروط الإسرائيلية والأميركية بجدار الرفض الداخلي، فتتحول المعادلة إلى حلقة مفرغة: إسرائيل لا تنسحب قبل نزع السلاح، والحزب لا يقبل البحث في السلاح، والدولة عالقة بينهما ويرتفع منسوب عجزها عن تحقيق اي مكسب في خيار التفاوض الذي يصفه الرئيس جوزاف عون بانه غير ميثاقي لكنه كان "الممكن"ويجب ان يعطى فرصة لا اطلاق النار عليه ووصفه بنعوت غير لائقة لكنها تعكس الواقع الحقيقي لما آلت اليه المفاوضات التي يخشى ان تصبح من لزوم ما لا يلزم إذا لم تقترن بإنجازات على الارض تخفف من الضغط على رئيس الجمهورية الذي يكاد يكون الوحيد في الساحة.
إيران ومفاوضات لا تتقدم
يضاف إلى ذلك كله العامل الإيراني. فطهران تتخذ موقفاً متصلباً حيال المفاوضات مع الولايات المتحدة، وهي مفاوضات لم تحقق أي تقدم يُذكر حتى الآن. ولأن الملف اللبناني يتأثر بالمناخ الإقليمي الأوسع، فإن انسداد الأفق بين واشنطن وطهران ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية.
وإذا كانت واشنطن تضع إيران في صدارة اهتماماتها، وإيران ترفض تقديم تنازلات، فمن الطبيعي أن يبقى لبنان رهينة هذا الجمود. فلا تسوية في بيروت من دون انفراج في مكان آخر، ولا انفراج قريباً في الأفق.
في الخلاصة: التفاوض من أجل التفاوض
إذا جُمعت هذه العوامل، من انتخابات إسرائيلية تمنع أي تنازل، وإدارة أميركية تحتاج إلى الصوت اليهودي في انتخاباتها النصفية، وملف لبناني غائب عن الأولويات، وشرط إسرائيلي وأميركي بربط الانسحاب بالسلاح، ورفض قاطع من حزب الله، وتصلب إيراني يعطّل المسار الأوسع، فإن الصورة تكتمل.
فدعوة واشنطن إلى اجتماع تامبا تبدو أشبه بجائزة ترضية للبنان، بعدما لم تقدم له الولايات المتحدة شيئاً عملياً في ما يتصل بالضغط لانتزاع تنازلات من إسرائيل. ومعنى ذلك عملياً أن جولة تامبا تندرج تحت شعار «التفاوض من أجل التفاوض» ليس إلا. لكن ليس في هذا القول دعوة إلى الانسحاب من المسار الديبلوماسي، فالحضور واجب لعدم ترك الساحة فارغة. لكن المطلوب من لبنان أن يدخل هذه الجولة بعينين مفتوحتين، فلا يبني على مخرجاتها آمالاً مفرطة، ولا يقدّم فيها ما لا مقابل له. فالديبلوماسية التي لا تستند إلى توازن في الضغوط تتحول إلى طقس شكلي، وما يحتاجه لبنان اليوم ليس اجتماعات إضافية، بل التزامات فعلية تبدأ بوقف الاعتداءات والانسحاب الكامل، ثم يُبنى عليها ما بعدها.
ويبقى السؤال المطروح: متى تتوافر الظروف الحقيقية لتفاوض جدي؟ الجواب لا يبدو قريباً، إذ يحتاج إلى انقشاع الغبار الانتخابي في إسرائيل والولايات المتحدة، وإلى مسار واضح بين واشنطن وطهران. وإلى ذلك الحين، سيبقى اجتماع تامبا محطة في رزنامة المواعيد أكثر منه محطة في مسار الحل الذي لا يبدو انه قريب !










0 تعليق