العراق: الانتقائية في مكافحة الفساد فساد أكبر!

منذ 50 دقيقة

منذ العام 2006 ونحن نقول إن الفساد في العراق ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، وأن هذا الفساد مكون جوهري من بنية النظام السياسي نفسه، وبنية الدولة نفسها. وقلنا أيضا إن التوصيف الأصدق، والأكثر دقة، للنظام السياسي الذي يحكم العراق اليوم، هو أنه نظام كليبتوقراطي ـ زبائني بامتياز. فالكليبتوقراطية/ اللصوصية تمثل المستوى الأفقي الذي يشكل هرم هذا النظام السياسي، وهي تتيح للطبقة الحاكمة استغلال هيمنتها على سلطات الدولة، وأجهزتها، ومواردها، لتوسيع مصالحها الشخصية، الاقتصادية والسياسية، وبالتالي تراكم ثرواتها، وسلطاتها السياسية. ولا يقتصر هذا النظام على الدول الديكتاتورية أو الشمولية، بل يظهر أيضا في بعض الأنظمة الديمقراطية ذات الطبيعة الأوليغارشية التي تشكل فيها مجموعة صغيرة من الأفراد الطبقة الحاكمة.
أما الزبائنية، التي تشكل المستوى العمودي للنظام السياسي العراقي، فتعرّف على أنها علاقة مقايضة (تقوم على المصالح المتبادلة) بين عراب (Pattern) وزبون/ مشتري خدمة ( Client ) يستخدم فيها العراب ذو المكانة السوسيو ـ اقتصادية، نفوذه وموارده لتوفير الحماية أو المصالح، أو كليهما، لمشتري خدمة ذي مكانة أدنى، والذي يقوم بالمقابل بتقديم الدعم والمساعدة، بما في ذلك الخدمات الشخصية، إلى العراب.
وبعد «غزوة الفجر»، (عمليات إلقاء القبض على مجموعة محددة من المتهمين بقضايا فساد) التي جرت في تموز/ يوليو الماضي، قلنا إن الحكومة العراقية تعيد «الخطيئة» نفسها التي تتكرر مع كل حكومة جديدة، وهي التعاطي مع الفساد في العراق بوصفة فساد أفراد، لا فسادا بنيويا. فما يجري اليوم ليس عملية مكافحة فساد حقيقية، بل هو صراع بين مافيات الفساد البنيوي، وإزاحة لخصوم سياسيين، وبعض أكباش فداء فرادى لخداع الجمهور!
في آب/ أغسطس 2022 قدم وزير المالية العراقي علي عبد الأمير علاوي استقالته من الحكومة العراقية، والرجل لم يكن ضحية، طارئة كما هو الحال مع الغالبية العظمى من وزراء الحكومات العراقية المتتالية، بل شخصية سياسية مرموقة، وكان أحد الموقعين على «إعلان شيعة العراق» عام 2002. وكانت الاستقالة أول اعتراف رسمي بأن العراق محكوم ببنية كليبتوقراطية/ لصوصية، فقد قال علاوي بصريح العبارة بأنه في العراق قد «تم الاستيلاء على مفاصل واسعة من الدولة فعليا من قبل الأحزاب السياسية وجماعة المصالح الخاصة». وأن شبكات سرية واسعة «من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والسياسيين وموظفي الدولة الفاسدين، تعمل في الظل للسيطرة على قطاعات كاملة من الاقتصاد، وتسحب مليارات الدولارات من الخزينة العامة. هذه الشبكات محمية من الأحزاب السياسية الكبرى، والحصانة البرلمانية، وتسليح القانون وحتى القوى الأجنبية … وأنها تحافظ على صمت المسؤولين الأمناء بسبب الخوف والتهديد بالقوة … لقد وصل هذا الاخطبوط الهائل من الفساد والخداع إلى كل قطاع من قطاعات اقتصاد الدولة ومؤسساتها ويجب تفكيكه بأي ثمن إذا كان مقدرا لهذا البلد أن يبقى على قيد الحياة»! وأن الفساد في العراق يزدهر «لأن النظام يتسامح معه ويسمح له بالازدهار والنمو»، وأن «الحساب والعقاب لا يشمل الزعامات الكبيرة ويتم استغلال موارد الدولة بشكل غير فعال ومهدر أو يساء استخدامها أو تتم سرقتها، ولا أحد يحاسب على الكوارث التي حلت بهذا البلد»!

 الحكومة العراقية تعيد «الخطيئة» نفسها التي تتكرر مع كل حكومة جديدة، وهي التعاطي مع الفساد في العراق بوصفة فساد أفراد، لا فسادا بنيويا

بعد أن حاولت بعثة الأمم المتحدة في العراق الخروج من تواطئها الطويل ودورها كشاهد زور، قدمت جنين هينيس بلاسخارت، رئيس البعثة، إحاطة، في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، تحدثت فيها عن العراق الذي على حافة الهاوية، وعن الفساد الذي أصبح «سمة أساسية للاقتصاد السياسي العراقي الحالي، وهو متغلغل في المعاملات اليومية»، وعن الاعتماد «على المحسوبية والمحاباة وما نتج عنه من قطاع عام متضخم وغير فعّال، ويعمل كأداة للخدمات السياسية أكثر من كونه أداة لخدمة الشعب»، وإلى أن «النظام السياسي ومنظومة الحكم في العراق يتجاهلان احتياجات الشعب العراقي، أو حتى أسوأ من ذلك، يعملان بنشاط ضدها»، وأنه «لا يمكن لأي زعيم أن يدعي أنه محم منه، وأن المشكلة الجوهرية تتعلق بالنظام نفسه، «لذا من المهم صياغة النظام، وليس مجموعة الأفراد أو الأحداث»!
وقبل أسبوعين تقريبا، ظهر رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي (2014 ـ 2018)، ليعترف، هو الآخر، من واقع خبرته بأنه: إذا تمت مكافحة جميع الفساد سينهار النظام، وأن الحكومة لن تستطيع ذلك! وكان العبادي قد اعترف قبل ذلك، في لقاء صحافي مع العربية نت، نشر عام 2019، بأن هناك «حصصا للكتل السياسية في مختلف العقود الحكومية، ولكل حزب حصة في ذلك»!
مر شهران على غزوة الفجر تلك، وطالت الأحكام بعض المتهمين بوصفهم أفرادا، لكن العرابين والشبكات التي وفرت لهؤلاء المتهمين الحصانة طوال السنوات الماضية، وأتاحت لهم الوصول إلى مناصبهم تلك، لم يكشفوا بعد، وهو ما سيسمح لهؤلاء الكبار باستبدال فاسدين بفاسدين آخرين يأتون من الشبكات الزبائنية نفسها، وبالتالي الإبقاء على ريوع هؤلاء العرابين من المال العام نفسها!
نستطيع الآن أن نقول بكل ثقة أن ما جرى ويجري ليس مجرد انتقائية في مكافحة الفساد، بل انتقائية مخطط لها! وأن من سقط من الفاسدين كان لأسباب أخرى لا علاقة مباشرة لها بفساده، وهو ما فضحته التغطية الانتقائية للمعلومات التي أدلى بها المتهمون، فوجدنا القضاء العراقي يغرقنا باعترافات المتهم عدنان الجميلي مثلا، ولكنه لم يقدم لنا معلومة واحدة عن اعترافات المتهم علاء سمير، فلم نسمع عن حجم الأموال التي عثر عليها معه، ولم نسمع عن أي شركاء له، ببساطة لأن عراب الأول من المغضوب عليهم نسبيا (لكن ليس إلى حد اتهامه)، في حين أن عراب الثاني محصن تماما!
ما يجري في العراق ليس مكافحة فساد، بل ضرب مافيا فساد لمصلحة مافيا فساد أخرى، فالنظام السياسي قائم على الفساد، والمستثمر فيه، ولا يمكنه القيام بإجراءات حقيقية وجذرية لمكافحة الفساد، او حتى تقنينه، لأن ذلك يتطلب قضاء نزيها وعادلا ومهنيا وغير مسيس، ويتطلب مؤسسات مكافحة فساد مهنية بعيدة عن هيمنة القوى السياسية، ونظام محاسبي دقيق وصارم، وشفافية تتيح نشر العقود والمشاريع، وحق الإطلاع على المعلومات، وتفعيل الأنظمة الرقمية للحد من التدخل البشري، والرقابة الصارمة على آليات غسيل الأموال وتهريبها أو تدويرها محليا، ومنع أعضاء السلطة التشريعية من تحويل الرقابة إلى مصدر للريع عبر الابتزاز، والأهم رفع الحصانة المطلقة عن عرابي الفساد الكبار، وهذا لن يحدث، فمن غير المنطق أن يقود النظام الحالي إنقلابا على نفسه!

٭ كاتب عراقي

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق