بارديلا واليمين الصهيوني: تطابق الماضي وتحالف الحاضر

منذ 50 دقيقة

لم تتنوّع كثيراً أنساق الخطاب التي اعتمدها حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في فرنسا، دفاعاً عن رئيسه الشاب جوردان بارديلا (31 سنة)، حيال العاصفة التي أثارها موقع «ميديابارت» الفرنسي الاستقصائي المستقل؛ في نسبة عبارات صارخة تماماً في العداء للسامية واعتناق نظريات المؤامرة حول السيطرة اليهودية على المصارف، وتغلغل النفوذ الصهيوني إلى الوزارات في فرنسا، والترويج لآراء ونظريات الكاتب الفرنسي ـ السويسري آلان سورال المدان في القضاء على خلفية معاداة السامية.
التنوّع يبدأ من إنكار بارديلا نفسه، في أنّ التحقيق «مزيف بشكل فاضح» و»عملية مختلقة» تستهدف مساره السياسي وليس شخصه فقط، والعزم على اللجوء إلى القضاء بتهمة التشهير. زعيمة الحزب مارين لوبين، المرشحة لانتخابات الرئاسة الفرنسية 2027، اعتبرت أنّ التحقيق «جنون محض» و»عملية تلاعب» وهددت صحافيي الموقع بمعركة مفتوحة تتطلب ارتداء القماش الواقي من الرصاص. قيادات أخرى في «التجمع الوطني» لم تخرج دفاعاتها عن سقوف «الاختلاق» و»تلطيخ الصورة» و»التزوير الفاضح» و»صناعة الفضائح»…
خارج فرنسا، إلى هذا، قد لا يكون ثمة الكثير من العجب في أنّ أشدّ الدفاعات «نزاهة»، بمعنى التطابق بدرجات عالية بين مفردات الخطاب وصدقية المقاصد؛ أتت من عميحاي شيكلي وزير ما يُسمى الشتات في حكومة بنيامين نتنياهو، التي يُتفق عموماً أنها الائتلاف الحاكم الأشدّ يمينية وتطرفاً وفاشية على امتداد تاريخ الكيان الصهيوني. وهكذا كتب على منصة «إكس» أنّ بارديلا «هو أحد أوضح الأصوات في أوروبا ضد حماس»، إذ سبق له أن «زار موقع مهرجان نوفا والمجتمعات المتاخمة لغزة، والتقى بالناجين، وتحدث في القدس ضد معاداة السامية». وإلى جانب نشر صورة له يصافح بارديلا على تخوم غلاف غزّة، هاجم شيكلي موقع «ميديابارت»، متهماً مؤسسه الصحافي الفرنسي المخضرم إدوي بلينيل بتأييد «الإرهابيين الفلسطينيين، ولائماً مديرة الموقع الحالية كارين فوتو لأنها تعتبر الكيان «دولة استعمارية تستوجب المعاقبة على ارتكاب الإبادة».
بعض جوهر هذه «النزاهة» المتأصلة، فضلاً عن قسط غير ضئيل من الاعتبارات التكتيكية التي تتصل بخيار نتنياهو وحزب «الليكود»، الذي ينتمي إليه شيكلي، في الدخول على خطّ انتخابات الرئاسة الفرنسية؛ قد تبدو جديدة على تقاليد التيارات الصهيونية التي ناهضت قوى اليمين المتطرف الأوروبية عموماً، وحزب «الجبهة الوطنية» وزعيمه جان ـ ماري لوبين في فرنسا خصوصاً، بسبب أفكار العداء للسامية الكامنة في صلب الخطّ الإيديولوجي العميق الذي طبع تلك القوى. لكنّ الحال لم تتبدّل إلى ما يداني التغاضي عن هذا الاعتبار، ماضياً وحاضراً في الواقع، فحسب؛ بل الذهاب أبعد إلى مستويات أعلى فأعلى من التطابق، فالتعاون، فالتحالف.
على الأرض، كانت وزارة شيكلي قد نظمت مؤتمراً حاشداً، في القدس المحتلة ربيع 2025، دعت إليه بارديلا ممثلاً لحزبه، حضره أيضاً هيرمان تيرتش ممثل حزب «فوكس» الإسباني، وميلوارد دوديك زعيم صرب البوسنة، وجيمي أكيسون عن حزب «الديمقراطيين» السويدي ذي التوجهات النيو ـ نازية، وكينغا غال باسم حزب «الاتحاد المدني» الهنغاري الذي كان حينذاك شريك فكتور أوربان في السلطة. وعلى سبيل التغطية العقائدية لهذا اللقاء مع يمين أوروبا المتطرف، أعلن شيكلي التالي: «الخطر الحقيقي على الجاليات اليهودية في أوروبا هو الإسلام الراديكالي»، وهذا ما دفع دولة الاحتلال، ويدفعها دائماً، إلى «تشكيل معسكر عريض من أجل مناهضة مشتركة لعداءٍ للسامية، هو الأكثر سَمّية».

 أحفاد أخيمئير، أمثال نتنياهو، ينتقلون اليوم من تدرّج متعاقب شمل الماضي ويتطور في الحاضر، إلى التباري في منافسة اليمين الغربي المعاصر إزاء ملفات مفصلية

بعد نحو سنة على هذا المؤتمر، كانت زعيمة الحزب لوبين قد عقدت اجتماعاً مع السفير الإسرائيلي لدى فرنسا يهوشع زركا في مقرّ السفارة، جرى التكتم عليه قبل أن تكشف النقاب عنه يومية «لوباريزيان» الفرنسية؛ واعتُبر بمثابة «تحوّل حادّ في السياسة الرسمية الإسرائيلية»، رغم سجلّ حافل بمحطات اللقاء والتقارب والتطابق بين اليمين الفرنسي المتطرف وأطراف إسرائيلية رسمية أو خاصة. الطرافة وقعت في سياق آخر، سياسي ودبلوماسي وحكومي فرنسي، إذْ رأى مسؤول فرنسي أنّ الخطوة «غير مبررة سياسياً»، محذراً من تداعياتها على علاقة دولة الاحتلال مع التيار السياسي السائد في فرنسا، وكذلك على الجالية اليهودية؛ ليس من دون التذكير بأنّ لوبين، الابنة بعد الأب المؤسس، لم تُدعَ يوماً إلى فعاليات «المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية « (CRIF)، في فرنسا، على غرار كبار الساسة ممثلي الأحزاب في الحكم أو المعارضة.
وللراغبين في التمعّن أكثر، وأبعد من حيث التاريخ، في العلاقات الصهيونية مع حركات فاشية الطابع ويمينية متطرفة، يُنصح بكتاب «صناعة اليمين المتطرف الإسرائيلي: آبا أخيمئير والإيديولوجيا الصهيونية»، للأستاذ في جامعة أكسفورد بيتر بيرغامن، الذي صدر بالإنكليزية سنة 2020 ضمن منشورات I. B. Tauris في لندن. والعمل سيرة سياسية شخصية، ولكن حزبية وعقائدية، عن أخيمئير (1897 – 1962)، أحد أبرز مؤسسي الحزب «التنقيحي» الذي أطلقه زئيف جابوتنسكي سنة 1925، لمراجعة الحركة الصهيونية من أفكار دافيد بن غوريون وحاييم وايزمن حول مفهوم وجغرافية «إسرائيل الكبرى» بصفة خاصة، وأنها يجب أن تضمّ شرق الأردن وبعض البادية الشامية؛ وهو، في البُعد «الفكري»، مؤلف الكراس الشهير «من دفتر رجل فاشيّ»، 1928.
على أصعدة سلوكية، احتلّ أخيميئير موقع «ريادة» خاصة في ميادين الانفتاح على الفاشية واليمين المتطرف، وتخوين «الصهاينة الكذابين»، من «اشتراكيين» و»إنسانيين» و»أحباب صهيون»؛ وتأثيم معظم المنظمات الصهيونية بصرف النظر عن مهامها، من نقابات الـ»هستدروت» وحتى أصغر المنظمات المعنية بمسائل الهجرة وشراء الأراضي وتنظيم الاستيطان. وهذه منظمات «جثة هامدة ينبغي أن تُدفن سريعاً قبل أن تزكم رائحتها أنوف الصهاينة الأطهار»، أي أعضاء «شباب الحركة» كما سارت تسميتهم، أمثال مناحيم بيغين وإسحق شامير؛ فرسان العمليات الإرهابية القادمة ضدّ الفلسطينيين والبريطانيين على حدّ سواء، والذين سيصبحون قادة أحزاب إسرائيل ورؤساء حكوماتها في العقود التالية.
ولقد كان تطوراً تلقائياً، حتى إذا لاح أنه يجافي المنطق السليم، أن يكون التلاقي مع الفاشية الصاعدة في أوروبا ثلاثينيات القرن المنصرم هو المحطة التالية في مسارات الخطّ الصهيوني «التنقيحي»، وأن يتجاوز التماهي مع الأفكار العامّة، إلى التطابق المباشر مع شخصية بنيتو موسوليني دون سواه؛ فلم يتردد أخيمئير في عقد الشبه بين جابوتنسكي وموسوليني، فأطلق على الأخير لقب «دوتشي يهودا والسامرة».
كذلك اعتبر أنّ صعود أدولف هتلر يؤدّي خدمة خماسية للحركة الصهيونية: 1) تخليصها من «ميوعة» صهاينة أمثال آحاد هاعام، ناهضوا فكرة الدولة اليهودية في فلسطين؛ و2) البرهنة على أنّ انتهاك «روح الأمّة»، التعبير المفضّل عند الصهاينة المائعين أولئك، سوف يطلق أبطالها الأشبه بأنبياء إسرائيل القدماء؛ و3) إثبات إفلاس دعاة تحسين أوضاع اليهود في الشتات، بدل نقلهم إلى فلسطين؛ و4) تقديم دليل جديد على استحالة اندماج اليهود في مجتمعاتهم المضيفة؛ وأخيراً 5) إضعاف الشيوعية السوفييتية، وتطهير ألمانيا، أعظم الأمم في عالم «الأغيار»، من شبح الشيوعية الذي تنبأ لها به «اليهودي العاقّ كارل ماركس».
أحفاد أخيمئير، أمثال نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترش وآخرين، ينتقلون اليوم من تدرّج متعاقب شمل الماضي ويتطور في الحاضر والمستقبل، إلى التباري في منافسة اليمين الغربي المعاصر إزاء ملفات مفصلية مثل التمييز العنصري، وكراهية الآخر عموماً، والإسلاموفوبيا، والتأثيم الهوياتي الجَمْعي للآخر، وأسطرة التفوّق العرقي، وما إلى ذلك كثير ويتكاثر. بلا طارئ عجيب أن تُفتضح، هنا وهناك، صفحات دفينة تكشف نقائض التشنيع المتبادل؛ فتلك قاعدة برهن التاريخ أنها آبدة سرمدية.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق