في حادثة مؤذية وغريبة من نوعها، قام الرئيس التنفيذي لمجلس مصممي الأزياء في أمريكا CFDA بمحاولة منع إحدى الناشطات التي تنتمي لمنظمة بيتا المدافعة عن حقوق الحيوان من الاستمرار في اعتصامها وإطلاق صرخاتها. كانت الناشطة تصرخ محتجة، وهي ترفع لافتة بين يديها، على استخدام الصوف ولربما غيرها من جلود الحيوانات في صنع الملابس. ولقد جاءت محاولة ستيفن كولب، الرئيس المشار إليه، لتكون جسدية أكثر من اللازم، حيث أمسك بتلابيب السيدة، ثم كمم فمها، ثم سحبها باتجاه كرسيه، فجلس وثبتها بيديه على ركبتيه في منظر يفضي بعنفه إلى حد التعدي الجسدي الجنسي. فعل كولب كل ذلك أمام كاميرات العالم التي كانت تسجل عرض الأزياء المستمر وقتها، وبدا أن غضبه قد استبد به إلى درجة أنه لم يستطع أن يحكم زمامه ولا زمام رد فعله الذي أتى وحشياً بدائياً وضيع الشكل. إثر تفاعل الناس مع المشهد المسجل، قام كولب بالاعتذار علنياً متبعاً ذلك بالاستقالة من المؤسسة التي عمل فيها أكثر من عشرين عاماً، وهو أقل ما يجب أن يفعل وأن يناله مما فعل.
إلا أن القضية ليست قضية إنسان غاضب تعدى بالجسد واللمس على إنسانة لم تمسه أو تتعدى عليه، إنما القضية تذهب بنا إلى تساؤل مريع قد يفضي إلى إجابة مفزعة: لماذا لم يقدم أيٌّ من الجالسين أو الواقفين حول كولب أي محاولة للحد من عنفه ولإبعاده عن السيدة المعتدى عليها؟ كيف وقف الجميع متفرجاً وهذا الرجل يعتدي على السيدة المحتجة، فيضع يديه عليها، يكممها، يسحبها، ثم يقسر رأسها على ركبتيه؟ يُظهر الفيديو المنتشر مشهداً لسيدة تجلس بجانب كولب، تتعارك ملامح وجهها مع مشاعرها محاولة السيطرة على نفسها، ساحبة جسدها بعيداً رغم أن عينيها تنسحبان رغماً عنها باتجاه السيدة المقيدة. ورغم الخوف والتأذي الواضح على هذه الجالسة، فإنها لم تنطق بكلمة، لم تأت فعلاً، تماماً كما هو موقف كل الجالسين بجانبها وجانب كولب والواقفين حولهما، فكيف نفسر هذه السلبية المفرطة تجاه عنف كهذا قريب ومروع ومفرط؟
تذهب هذه الظاهرة لتصبغ المجتمع البشري عموماً، حيث يتنحى الإنسان طبيعياً عن التدخل «فيما لا يعنيه» إذا لم يمسه الأذى بشكل مباشر، لكن هذه الظاهرة تنتشر بوضوح على أخص الخصوص في المجتمع البشري الأقل تقدماً أيديولوجياً، ومن ثم أكثر تمسكاً بالفطرة البدائية وأقل قدرة على التفاعل مع الحدث، هذا المصبوغ بخوفه وقلة حيلته وقناعته أن نجاته تتأتى من المشي إلى الحائط. مفارقة أن تلميحي يذهب اتجاه المجتمعات الشرقية مع أن المثال الذي استدعى كتابة هذا المقال هو مثال غربي، ليست مفارقة غائبة، كما أنها ليست بداحضة للفكرة المساقة هنا؛ فالمعتدي في القصة المذكورة انتهى مستقبله، وفي الغالب سينال جزاء قانونياً معتبراً، كما أن السلبيين من حوله الذين لم يمدوا يد المساعدة ولم يقدموا احتجاجاً على الفعلة الشنيعة، منتَقدون ملامون في مجتمعهم، دون استبعاد إدانتهم قانونياً كذلك. أما في مجتمعاتنا، فهل يدان المعتدي أولاً حتى يدان السلبي الصامت لاحقاً؟
يملأ المتحرشون شوارع الكثير من مجتمعاتنا العربية، يمارسون رذائلهم بفخر وجرأة حتى وهم يعلمون أنه يتم تصويرهم في اللحظة، فهل يتدخل المارة، ولو بدافع النخوة التي يضجون رؤوسنا بها، للدفاع عن الضحية أو للإمساك بالمعتدي؟ تمتلئ البيوت بالعنيفين الذي نعلم كلنا علم اليقين بتعذيبهم للزوجات وأحياناً الأبناء، فهل من مُبَلِّغ أو شاهد؟ تمتلئ الأماكن العامة بالعنصريين الذين كثيراً ما يعتدون على «الآخر» بعلو صوتهم وأحياناً باستطالة أياديهم، معتمدين على خوفه وغربته وضعف موقفه، ومنتهين بالجملة المعتادة: لا نريدك هنا، اذهب إلى بلدك. فهل من شجاع يذكِّر هؤلاء الأغبياء أن الناس سواسية كأسنان المشط، وأن لا فرق بينهم إلا بالتقوى؟ كم مرة شهدتم أماً تضرب أطفالها في الشارع، سيدة تزجر عاملة في حمام عام، أخرى تصرخ في وجه بائعة في متجر، آخر يتجبر على عامل نظافة أو حامل الأكياس في الجمعية أو نادل في مطعم؟ كم مرة رأيتم إهانة أو تعدياً بفعل أو كلمة، وسكتم؟ كم مرة شهدتم مواطناً أو مواطنة في بلدانكم يتخطون دور الأجنبي الواقف أمامهم دون حتى أن يلتفتوا له وكأنه شبح لا وجود له، ثم أشحتم بوجوهكم؟ كم مرة كنتم وكنا جميعاً شهوداً صامتين؟
كم مرة أشحتم بالوجوه عن أمّ تنعى ابنها المحروق في غزة، أب يبحث تحت الركام عن أطفاله، طفل ينوء بحمل جردل ماء، وطفلة تبحث عن الطعام بين البقايا الملقاة في الشارع؟ كم مرة غيرتم صورة تحمل وجه تلك المرأة السودانية وهي تدافع عن أطفالها وتحتضنهم بعيداً عن طلقات الرصاص؟ كم مرة ألغيتم مقالاً يحكي قصة السودان أو الكونغو أو اليمن وحمدتم الله «على نعمة الأمن والأمان» وطلبتم من الله «ألا يغير علينا» وأخبرتم أنفسكم أن لا شيء بيدكم، وأن الموضوع لا يخصكم؟ كم مرة هربتم من شهادات الفلسطينيات الأسيرات الجارحة الناخرة للقلب، ومن وجوه الأسرى التي نحتها الجوع والتعذيب، ومن خبر القصف الصباحي وخبر القصف المسائي وخبر إطلاق النار العشوائي وخبر رمي القاذورات وأكياس الروائح العطنة من الطائرات، وخبر تسريب المجاري لتطفح على الأرض، وخبر انعدام الطعام والدواء والماء والهواء النظيف، وكل ذلك إبان فترة هدنة معلنة ورسمية في غزة؟ كم مرة، حلفتكم بالله؟
نعم، لا يزال الغرب كمجتمع، يُجرم ويخطئ، لكنه مجتمع يعرف أن قوته في صوته المجتمعي، وأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأنه يملك الشارع والمكان العام، وأنه مسؤول عن أمن غيره وسلامته، وأن السكوت عن الاعتداء يعني إطلاقه في دورة كاملة ستلف وتنتهي بالعودة إليه هو بحد ذاته. لذلك هو يثور، لذلك يتوقع من الآخرين ألا يسكتوا عن الخطأ، لذلك ينتظر أن يكون لكل إنسان صوت ودور، ولذلك هو يخرج في مظاهرات ضد الإبادة في غزة، يتحدث ونحن صامتون، يعتصم ونحن مختبئون، يُعتقل ونحن نائمون، يُضرب ويُسحل ونحن سائرون بسلام جنب الحائط. لكن بذمتكم، من منا الحي ومن منا الميت شر ميتة؟
مَن الحي ومَن الميت؟
مَن الحي ومَن الميت؟
إقرأ أيضاً












0 تعليق