قبل ثلاث سنوات بالضبط، وقبل أسبوعين من 7 أكتوبر، وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وألقى خطاباً مليئاً بالأمل، متحدثاً عن التغيير الذي أحدثته “اتفاقيات إبراهيم”: “لقد قرّبت هذه الاتفاقيات العرب واليهود بعضهم من بعض. نرى ذلك في حفلات الزفاف اليهودية في دبي، وفي تدشين لفيفة توراة في كنيس يهودي في البحرين، وفي توافد الزوار على متحف التراث اليهودي المغربي في الدار البيضاء. نرى ذلك في الدروس المُقدمة للطلاب العرب حول المحرقة في الإمارات”.
لكن بالنسبة لنتنياهو، كانت “اتفاقيات إبراهيم” بمثابة فاتحة شهية للوجبة الرئيسية، ألا وهي السعودية: “أعتقد أننا على وشك تحقيق اختراقٍ أكثر أهمية؛ سلام تاريخي بين إسرائيل والسعودية”. وأضاف نتنياهو أن هذا الاتفاق سيُسرّع من إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، ويشجع الدول العربية الأخرى على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ويُحسّن من فرص السلام مع الفلسطينيين.
وبالفعل، بدا التطبيع مع السعودية في متناول اليد؛ فقبل يومين من ظهور نتنياهو في الأمم المتحدة، وفي مقابلة مع شبكة “فوكس”، قال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن التطبيع مع إسرائيل: “كل يوم نقترب أكثر”. ويصف تحقيقٌ أجرته مجلة “أتلانتيك” عام 2024 كيف كانت إدارة بايدن، في خريف عام 2023، تقترب من اتفاقٍ شامل يتضمن التطبيع الإسرائيلي السعودي، وتحالفًا دفاعيًا أمريكيًا سعوديًا، ومساعدة أمريكية لبرنامج نووي مدني سعودي.
التطبيع فرض توقيت الهجوم
يشهد الموقف السعودي المتغير تجاه التطبيع تحولاً مستمراً منذ سنوات، ولكنه اكتسب زخماً منذ عام 2018 على الأقل، حين نُقل عن ولي العهد السعودي قوله لقادة يهود في الولايات المتحدة: “أضاعت القيادة الفلسطينية على مدى العقود الماضية فرصاً تلو الأخرى، ورفضت كل عرض سلام قُدِّم لها… لقد حان الوقت للفلسطينيين لقبول العروض والجلوس إلى طاولة المفاوضات، أو الصمت والكف عن التذمر”. وأضاف أن القضية الفلسطينية ليست من أولويات الحكومة السعودية.
علاوة على ذلك، التقى نتنياهو مع بن سلمان على الأراضي السعودية عام 2020، في أول اجتماع رفيع المستوى من نوعه يُعقد على الأراضي السعودية. وفي آذار 2022، صرّح بن سلمان لمجلة “أتلانتيك” قائلاً: “لا ننظر إلى إسرائيل كعدو، بل كحليف محتمل”.
تُعد هذه الخلفية مهمة لأنها تساعد على فهم مدى قرب التطبيع مع السعودية قبل 7 أكتوبر. إن مثل هذا الاتفاق مع دولة ذات أهمية سياسية واقتصادية ودينية هائلة في العالم العربي والإسلامي يجعل “اتفاقيات إبراهيم” تبدو ضئيلة الأهمية.
عندما وصلت التحذيرات من مصر والإمارات بشأن خطر حماس – وكذلك رسالة السنوار عبر سفيان أبو زايدة – وقعت على عاتق رئيس وزراء لم يكن يعاني فقط من ثقة مفرطة في قدرة إسرائيل على التعامل مع خطر حماس، بل أيضاً من شعورٍ مُفرطٍ بالإنجاز الوشيك. كما أن حقيقة احتفاظ مصر والإمارات بعلاقات استخباراتية وثيقة مع إسرائيل تُحوّل الانتباه عن التحذير من الغطرسة الناجمة عن تعاون إسرائيل مع عدد من الدول العربية الرئيسية.
ما فهمه السنوار بشأن التطبيع السعودي ولم تفهمه إسرائيل
بالنسبة لحماس، لم يكن تطبيع إسرائيل مع السعودية أقل خطورةً من الناحية الاستراتيجية. في محضر اجتماع قيادة حماس الذي عُقد يومي 26 و27 أيلول 2023، أي قبل أقل من أسبوعين من الهجوم – بعد تصريحات بن سلمان ونتنياهو بفترة وجيزة – تحدث السنوار عن ضرورة “عمل استثنائي” لأحداث تحول استراتيجي، إذ رأى أن التطبيع السعودي قد يجذب دولًا عربية وإسلامية أخرى إلى جانب السعودية نظرًا لأهميتها، ويؤدي إلى نظام إقليمي جديد تتوسطه إسرائيل. كما أنه قد يُهمّش القضية الفلسطينية ويُلحق الضرر بـ “مشروع المقاومة”.
وأكد السنوار أن حماس لا يمكنها قبول هذه العملية، وأن الصراع يجب تصعيده، لا سيما حول القدس والمسجد الأقصى.
لذا، حتى وإن بدأ التخطيط لعملية “طوفان الأقصى” قبل ذلك بكثير، وكانت له أسباب أخرى، فإن مسألة التطبيع هي التي حددت توقيت العملية إلى حد كبير. كما سعت حماس إلى عرقلة مبادرة السلام العربية، التي أُعلن عنها في القمة العربية في بيروت في 28 آذار 2002، عبر هجوم إرهابي خطير على فندق بارك في نتانيا قبل يوم من عيد الفصح، سعت كذلك إلى عرقلة خطة التطبيع عبر العملية العسكرية.
أما الجانب الإسرائيلي، فقد تجاهل وثائق تحذيرية صادرة عن معاهد بحثية، وربما عن أجهزة استخباراتية أيضاً، الخطر الذي يمثله التطبيع على حماس. في كثير من الأحيان، كان يُنظر إلى الانقسام الداخلي في المجتمع الإسرائيلي، نتيجةً للثورة القانونية، على أنه تهديد للأمن القومي الإسرائيلي. ومثال آخر ظهر في “التقرير الأمني رقم 10 لإسرائيل”، الصادر عن “خبراء الأمن”، والذي جاء في عنوان رئيسي بتاريخ 5 أكتوبر، أي قبل يومين من الهجوم، أن “التطبيع الإسرائيلي السعودي يبدو أقرب من أي وقت مضى”. كما حلل التقرير نفسه التصعيد الذي بدأته حماس على حدود غزة، لكنه قُدِّم على أنه محاولة للضغط على إسرائيل وقطر للحصول على تنازلات اقتصادية، بغض النظر عن التطبيع السعودي.
واحدة تلو الأخرى: سلسلة التحذيرات التي تلقتها إسرائيل تُظهر مدى عمق الفشل
بعد ثلاث سنوات من هجوم 7 أكتوبر، بات من واضحاً أن مسألة التطبيع مع السعودية كانت محور اهتمامات وتفكير كلا الجانبين. لقد أدرك كل من السنوار من جهة ونتنياهو من جهة أخرى، الأهمية الاستراتيجية لهذه الخطوة: سعى أحدهما إلى إفشالها، بينما بذل الآخر قصارى جهده للمضي بها قدمًا. نجح الأول في مهمته، بينما فشل الثاني – تحديدًا بسبب رغبته في تهدئة المنطقة وتهيئة الظروف لعملية التطبيع.
البروفيسور إيلي فودا
12N 30/9/2026
- تحديد موعد وكيفيات دفع تكلفة الحج
- باكستان تتعهد بالدفاع عن السعودية ضد الحوثيين بـ”أي وسيلة كانت”
- مجلس الشيوخ الأمريكي أمام تصويت لمطالبة ترامب بكشف الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة
- دوجاريك لـ”القدس العربي”: يجب الحفاظ على الوضع القائم في الأماكن المقدسة بالقدس
- بعد خماسية جنوب السودان.. تحرك مفاجئ لإنهاء أزمة حسام حسن والشناوي


















0 تعليق