قيمة وأهمية فيلم «نازا»، ليس في ما جاء فيه، بقدر ما أثاره من ردود أفعال لدى الكيان الصهيوني في إسرائيل فقط. فهو يحاصر جيش الاحتلال في آخر المواقع التي يتخندق فيها، وهي ركام الكذب والرياء والبهتان. جريمة الإبادة الجماعية لا تعني في المطاف الأخير إلا الكيان الصهيوني الذي اقترف جريمة الجرائم في حق الشعب الفلسطيني، الذي هبّ العالم كله إلى التضامن معه من بطش آلة جيش الاحتلال المدمرة، ليس الآن فقط، بل منذ أن زرع هذا الكيان فوق الأرض العربية وسُخّر من أجل إنهاك متواصل للقدرات العربية والإسلامية ضمن مشروع استيطان اليهود وطرد الفلسطينيين من أرضهم.
فيلم «نازا»، لا يفَنّد فقط أسطورة «الأضرار الجانبية» التي يجب أن تلازم، في رأي العصابة القاتلة، ضربات وتفجيرات جيش الاحتلال على السُّكان في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران واليمن وقطر، ضمن تكتيك واستراتيجية حربها على العالم العربي والإسلامي، بل الفيلم يؤكد حقيقة جديدة تندرج في سمت النظام الصهيوني، عندما يُرَسّم حالة اعتراف داخلي، ومن صلب الحكم نفسه، بأن الحرب «عقيدة كفر مطلق» لدى نتنياهو ومن لف لفه، على ما يحضر ويشاهد العالم كله، طوال فترة امتدت لثلاث سنوات لما بعد السابع من أكتوبر2023، ويجب أن تمتد لسنوات أخرى بناء على هذه العقيدة الأمنية التي ترعب دائما الكيان العبري.. التي وصلت إلى مطافها الأخير.
فيلم «نازا»، وفق تداعياته الراهنة، أفزع النظام الإسرائيلي، لأنه يقدم وثيقة قوية في ملف جرائم الحرب ضد الإنسانية، ناهيك من الدليل القاطع بوجود حرب إبادة يتمُّ الإدلاء بشهاداتها من داخل المجتمع الإسرائيلي. فإذا كانت إسرائيل محصنة من قبل أمريكا والغرب بصورة عامة، تستطيع ان تَفْلَت من المحاكمات الداخلية والدولية، إلا ان شهادات إسرائيلية حية ومن قبل من قاموا بالجرائم، فيه ما يقدم ليس اعترافات بالجرائم بقدر ما يقدم الشواهد على ذهنية حربية وصل إليها الكيان الصهيوني، ليست خطرا على العرب والمسلمين فحسب، بل على العالم كله، إذ في ظرف وجيز جدّا وصل عدوانها الى ضرب ست دول في المنطقة وبعيدة عنها. عندما يَقِف الذين حضروا عرض الفيلم في مهرجان البندقية لمدة خمس وأربعين دقيقة، يصفقون بإعجاب واعتراف كبير ببطلي أسطورة «الأضرار الجانبية»، أو الحوادث العارضة، فإنهم يُثْبِتون للأجيال كافة أن ما يجري في غزة والضفة الغربية حرب إبادة جماعية، استوفت شروطها وخصائصها وكل الوثائق بالصُّورة والصُّوت، لكي يصدر الحكم النهائي في حق كيان مجرم يُمَثِّل الخَطر اليهودي الدائم والقادم على العالم كله، يجب عليه أن يتفاداه.. ولعلّ أول من نَجا من الجرثومة الصهيونية هما المخرجان يوفال إبراهام وراحيل شو، حيث سارع وزير الثقافة الإسرائيلي الى طلب سحب الجنسية منهما، ولم يتفطن الى أن هذه الدعوة تشريف لهما تبرئهما من خاصية القتل والاغتيال الكافر، الذي يلازم دولة شاذة، فُرض عليها التواصل مع إثارة النعرة اليهودية ونزعة معاداة السامية بوصفها موالا مربحا وريعا مثمرا لمن تخلصوا منذ مدة من الأخلاق والحياء والضمير.
ما يتأكد يوميا، وهذا ما صار يدركه العالم كله، هو ان الكيان العِبري يصنع الزَّيف ويُرَتّب دَرجاته، وأن الكَذب والبُهتان والإفك أسلحة فتّاكة توظف في تكتيك واستراتيجيات حربها على العرب والمسلمين، ولعّل هذه القدرة هي التي رشّحت الإنسان اليهودي كأفضل من يحتل المقاعد الأمامية للقوى الاستعمارية الغربية. الكذب والنفاق ليست من قواميس العيب في الحالة الإسرائيلية، إن ما يبرر شرعيتها هو استيلاؤها على أرض ليست أرضها، وقتل متعمّد ومستمر للفلسطينيين وصل في الوقت الرّاهن الى حرب الإبادة وجرائم حرب ضد الإنسانية.. وهذا ما يفهمه الملايين من البشر في حياتنا المعاصرة.. إلا في إسرائيل التي يجب ان تحظى بحماية الباطل في أراضيها.
وما يؤكد هذا، هو الترخيص الإجرامي للكيان العِبري بقتل الشَّعب الفلسطيني من كل الفئات العُمرية، من دون حسرة ولا تمييز وبضمير مرتاح، وعدم الاكتراث لما يصدر من تهم وتنديد من الخارج، لأن الخارج هو الغرب والباقي لا شيء.
فيلم «نازا»، وفق تداعياته الراهنة، أفزع النظام الإسرائيلي، لأنه يقدم وثيقة قوية في ملف جرائم الحرب ضد الإنسانية، ناهيك من الدليل القاطع بوجود حرب إبادة يتمُّ الإدلاء بشهاداتها من داخل المجتمع الإسرائيلي
في المسار الذي أخذه تاريخ الاحتلال في منطقة الشرق الأوسط والإبعاد المتوالي للفلسطينيين وقتلهم المتواصل، هو أن المقاومة الفلسطينية وصلت في السابع من أكتوبر 2023 الى محاولة انتهاج تنظيم عمليات استشهادية تعادل في الضراوة مع ترتكبه قوات الاحتلال أي عدم التفرقة بين السُّكان المدنيين منهم والعسكريين، بعد ما حاولت أن تحترز والاقتصار فقط على المواجهة العسكرية. فالسابع من أكتوبر في حياة المقاومة هو يوم من أيامها التاريخية الذي يجب أن ينتهي إلى السيادة والاستقلال عن الاحتلال والاستعمار الصهيوني العِبري اليهودي والإمبريالي البغيض، على ما تمارسه أمريكا في آخر تصعيدها في المنطقة، بل في العالم باسره.. وهذا كله ناجم عن رغبة دفينة في سياسة بني صهيون. غير أن إسرائيل بلد الاحتلال بامتياز، يجب أن لا تتنازل إطلاقا عن سياسة البطش المطلق والانفراد بحق الظلم الكامل والعدوان المرخص به بالقوة والفعل، راحت الى مقابلة تصعيد حركة حماس ليوم السابع من أكتوبر إلى برمجة حرب إبادة للشعب الفلسطيني، غير آبِهة بالقوانين الدولية، ولا بالمؤسسات الحكومية منها وغير الحكومة، ولا تزال ترتكب حماقتها من جرائم الحرب ضد الإنسانية. فحرب الإبادة هي الوجه المتقدم من تصعيدها ضد الشعب الفلسطيني، كما أن حربها النووية هي التصعيد المتَقَدّم ضد النظام الإيراني.. ففي جميع الأحوال، تبقى إسرائيل هي دولة الشَّر الأعظم الذي يعرفه الداخل الإسرائيلي ويجب أن يتستر عليه حيال الخارج في كل العالم.. لكن هيهات في عصر السرعة والشفافية واللحظة الفورية. فعندما قامت المقاومة الفلسطينية بقتل ما يقارب الألف من اليهود، كما يدعون، يوم السابع من أكتوبر 2023، هو الذي حرّك آلية وأجهزة الحرب لإبادة الفلسطينيين الذين وصل عددهم اليوم إلى ما يزيد على مئة ألف شهيد، على اعتبار أن قائمة القتلى مفتوحة دائما، فبعد سكان غزة، ها هي تواصل إعدامات يومية في الضفة الغربية، حالة من الهستيريا والجنون المنْفَلت، عَطّل كل وسائل الرَّدع الدولية وأجهزة التسوية وفض النِّزاعات.. إسرائيل الرَّمق الأخير.. على ما يحدثه لها لولب «طوفان الأقصى».
الأضرار الجانبية هي «الحقيقة المزيفة»، و»البيان المخاتل» الذي أرادت سلطة الاحتلال أن تتستر به وتستخدمه كورقة التوت، تتدثر بها أمام العالم، ثم جاء البيان الواضح من صلب المجتمع الإسرائيلي، ليكشف مدى زيف ذريعة «الأضرار الجانبية»، التي لم تكن عارضة أو خطأ في التقدير على ما أظهره فيلم «نازا» للإسرائيليين والعالم كلُّه.. ويضع سلطة الاحتلال في مواجهة قوة الاعتراف، وعدم القبض على الجمر لمدة أطول من اللُّزوم.. فمع فيلم «نازا» يَتَبَيّن أن عصابة نتنياهو وأزلام قُوَّاته المسلحة حالة فاقت النازية، ليس بسبب المبالغة في القتل والاغتيال والكذب والنفاق، بل بسبب الترخيص لها بارتكاب ما يمكن أن ترتكبه دونما رادع ولا عقاب، فقط الاستناد الى صهيوني آخر اسمه دونالد ترامب عطّل هيئة الأمم المتحدة وأربك النظام الدولي، يتطلع لاهثا الى انتهاكات أخرى لا تبقي ولا تذر.
كاتب جزائري
- جيش الاحتلال: سقوط وانفجار 3 مسيرات أطلقها حزب الله باتجاه إسرائيل
- «غرورنا سبب الهزيمة».. كيف تناول الإعلام العبري حرب أكتوبر بعد 53 عامًا؟
- من رأفت الهجان لـ حرب الجواسيس.. مسلسلات وثقت نصر أكتوبر المجيدة
- دوري أمم أوروبا، منتخب أيرلندا يتقدم على الكيان الصهيوني 0/1 بالشوط الأول
- الأمن الإسرائيلي يتلقى تحذيرا أمريكيا “شديد اللهجة”… والغرف المغلقة: مشروعكم الاستيطاني بالضفة كله مهدد






