الرواية المفقودة تعود إلى الحياة بعد نصف قرن

منذ ساعة

مضى زمن طويل (حوالي نصف قرن من الزمان) على ضياع رواية الروائي البصري عبد الجليل المياح «الفرس والسماء المربعة» في بيروت، وبعد استشهاد الروائي على يد النظام الديكتاتوري الفاشي عام 1983، طويت الصفحة الإبداعية لهذا الكاتب،على روايته الوحيدة «جواد السحب الداكنة» التي صدرت عام 1968 مع عدد محدود من القصص القصيرة منشورة في صحف متفرقة، إضافة إلى قصتين في المجموعة القصصية المشتركة (12 قصة) التي اشترك في تأسيسها هو ومجموعة من القصاصين البصريين نذكر منهم، مجيد جاسم وودود حميد وعبد الحسين العامر.
كان الروائي عبد الجليل المياح، كاتبا واعدا مبدعا في استثماره للحياة الواقعية للناس في كتابة الرواية، والقصص القصيرة، وكان ماهرا في تجسيد الحوارات الواقعية اليومية، وإشكالات الحياة إلى سرود روائية وحوارات، تتضح من خلالها سمات الشخصيات وأحلامها وكوابيسها، كان يلتقط من هذا العالم الضاج ما يصلح لهذه الشخصية أو تلك، حيث يبدو الحوار والسلوك العفوي سمة خاصة لهؤلاء الشخوص…
كان ذلك ماضيا مفعما بنشاط هذا الروائي في المجال السياسي والإبداعي، وهو خلاصة لشخصيته الإبداعية والسياسية.. أما الذي أعاد ظهور شخصيته إلى واقعنا الحالي (2025-2026) فهو رواية مخطوطة قدمها ابنه ربيع، إلى احد الأصدقاء لقراءتها وإبداء الرأي في طبعها ونشرها.
تقع الرواية في 140 صفحة من القطع الكبير، وهي على شكل نسخة ثانية، مستنسخة بالكربون الأزرق، وبعض كلماتها مصححة من قبل الروائي بالقلم الرصاص، أو الحبر الأسود، والرواية بلا عنوان، وليس فيها تلف من أي نوع، ولا تحمل تاريخا لكتابتها أو مكانه، لكنني لاحظت في الصفحة 127 من الرواية وجود رسالة مؤرخة في 3/3/63، ما يلقي ضوءا على زمن الحدث الروائي حين قراءة الرواية.
وقبل أن أقرا هذه الرواية، باغت ذاكرتي عنوان روايته الضائعة «الفرس والسماء المربعة»، وسألت ابنه ربيع، قبل تسلم الرواية عن أسماء شخوصها وبعض أحداثها، مما علق في ذاكرتي منها قبل خمسين عاما، وحالما نطق بأسماء (محاسن، عواد، وطعمة) تأكد لي أن هذه الرواية المخطوطة هي الرواية الضائعة.. وحين قرأتها توضح هذا الأمر أكثر، ولكي أتأكد من أن الرواية الضائعة تحمل الاسم نفسه، استعنت بذاكرة الصديق الراحل جاسم العايف، الذي كتب مقالا عن الروائي الراحل عبد الجليل المياح، ونشره في الموقع الإلكتروني «الحوار المتمدن» لعل فيه ما يسعف ذاكرتي، في مجال التعريف بعنوان هذه الرواية دفعا للنسيان وتوكيدا لعنوان الرواية، إضافة للتعريف بشخصية الروائي عبد الجليل المياح، الذي غيبته السلطات الجائرة منذ وقت طويل، فقد كان العايف ذاكرة ثقافية سيرية في كتاباته الكثيرة عن مبدعي مدينتنا، وكان يعرف خمود الذاكرة وضعفها كلما تقدم الزمن، فكان ذاكرة للمدينة وكتابها، كي تكون مقدمتي لهذه الرواية مقدمة مشتركة بيني وبين الصديق الراحل جاسم العايف.. يقول العايف عن الروائي عبد الجليل المياح:
(لم يتخيل أو يفكر (أبو ربيع) في مشاريعه الحياتية، نفسه، بعيدا عن الأيدولوجيا السياسية التي يعتنقها، واثق امن أنه لم يتقاطع معها حتى في إسراره، لقد رهن كل ما كتبه وفكر به، لها وظل أمينا عليها، محولاً وجوده اليومي مشروعاً مباحاً من أجلها، وبقي وفياً لقناعاته ومبادئه، التي انعكست بوضوح وقصدية، في كل ما كتب. وبطبيعته بقي بعيدا عن ألاعيب السياسة ومخاتلتها ودمويتها، التي كانت مهيأة للانطلاق ذات لحظة.
في منتصف السبعينيات اتفق الروائي إسماعيل فهد إسماعيل معه ومع الشاعر الراحل مصطفى عبد الله على أن يطبع روايته المعنونة «الفرس والسماء المربعة» التي أكملها بمشقة بالغة، ومجموعة شعرية أولى لمصطفى عبد الله، كان عنوانها «العودة إلى البلاد- المحلة»، وتم الاتفاق على أن يصمم الغلافين الفنان شاكر حمد. غادر شاكر إلى عائلته في مدينة العمارة، وظل أبو ربيع قلقا حول ذلك، كنت أثق بالوعد الذي التزم به شاكر أمامنا. قبل مجيء إسماعيل بأيام – في طريقه إلى بيروت- جاءني الفنان شاكر حمد إلى مقر عملي، وسلمني الغلافين. سُلمتْ الرواية ومجموعة مصطفى إلى إسماعيل، بعد فترة اتصل إسماعيل، من بيروت مؤكدا أنه حصل على موافقة طبعهما. وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على ذلك، أعلمنا إسماعيل بان مطابع ومكاتب (دار العودة) في بيروت، قد تعرضتا للحريق، بطريقة غامضة، وأنه سيحاول أن يعرف مصير الرواية والمجموعة الشعري. ثم أخبرنا أن صاحب دار النشر، أكد له أن كل شي احترق بالكامل. بعد منتصف عام 1981 كنتُ أتصفح معروضات الكتب الجديدة، في معرض الدار الوطنية الدائم بالعشا، فوجئت بالغلاف المصمم لديوان مصطفى عبد الله الذي صممه الفنان شاكر حمد، يتضمن مختارات شعرية للشاعر عبد الوهاب البياتي، ومن إصدارات دار العودة ذاتها، ويحمل اسم «كتاب البحر»!
ويختتم الراحل جاسم العايف ذكرياته عن مصير الروائي عبد الجليل المياح وروايته المفقودة قائلا (أما عبد الجليل المياح فقد كان مجهول المصير، منذ أواخر يونيو/حزيران عام 1980، إذ اختُطف نهارا وعلنا عند مراجعته مديرية تربية البصرة. تُرى هل ارتحل غلاف روايته كذلك، أم ما زال مجهول المصير؟ كمصيره الذي كشفت وثائق مديرية الأمن العامة في البصرة عنه، بعد أن باتت مباحة للجميع، خلال سقوط النظام، وتبين أنه قد حكم عليه بالإعدام شنقا حتى الموت، وصدق ذلك الحكم بعد ثلاث سنوات على اختطافه. تُرى هل كان (أبو ربيع) و في أواسط السبعينيات بالذات، وبكل ذلك التفاؤل والاندفاع المغلف بالحماس (الجبهوي)، سيُصدق مَنْ كان سيقول له إن (الحلفاء) سيعدمونه ذات يوم..!؟) (الحوار المتمدن- العدد: 2851 – 2009 / 12/ 7).
لقد كان مصير هذا الروائي مأساويا بشكل صادم، فقد كان مسالما، لم يفكر يوما بالصدام والعنف، سواء في حياته الخاصة، أو ضمن أفكاره السياسية، وكان حضوره الدائم مع أصدقائه، يتسم بالحوار الهادئ، مشفوعا بالمرح والابتسامة الدائمة…
أشير أخيرا إلى أن روايته هذه، تمثل ابتكار مجموعة من الأشكال أهمها استثمار الحوار بديلا عن السرد، لبناء عالم متأرجح على وشك الانفجار، لم يحدد الروائي مكانه وزمانه، سوى في إشارات عبر حوارات شخوصها، يستثمر فيها شبكة من التوريات والأمثال الشعبية والأغاني الشائعة، التي تؤشر إلى حياة عراقية جنوبية، وأيضا توريات تومئ إلى واقع سياسي يتحكم فيه (الزراعيون) كسلطة حاكمة، مقابل (الصناعيين) المبعدين عن الحياة السياسية والاجتماعية، الذين يحملون أفكارا مناهضة للزراعيين وللسائد من الأعراف الاجتماعية البائدة..
إن قراءة هذه الرواية نسبة إلى زمن إنجازها، سيسهم في رد الاعتبار لكاتبها الذي غدرت به السلطة الجائرة، ليكون في المكانة اللائقة بمبدعي مدينتنا.

كاتب عراقي

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق