من الأمن إلى الإعمار.. هل يتحوّل "الإطار الثلاثي" إلى خريطة طريق للبنان؟

منذ 43 دقيقة
لم يذهب رئيس الحكومة نواف سلام إلى واشنطن حاملًا ملفًا واحدًا. ففي لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، حضرت العناوين التي باتت تتكرر منذ وقف إطلاق النار، أي الانسحاب الإسرائيلي، حصرية السلاح، دعم الجيش وتثبيت سلطة الدولة. لكن اللافت هذه المرة كان محاولة جمع هذه الملفات ضمن مسار واحد، وربطها بجدول زمني وآلية تحقق، بدل إبقائها التزامات متوازية يتحرك كل منها بإيقاع مختلف.

 
بهذا المعنى، أعاد سلام وضع "الإطار الثلاثي" في قلب المقاربة اللبنانية. فالمطلوب، وفق الطرح الذي حمله إلى واشنطن، ليس مجرد تفاوض على ترتيبات أمنية في الجنوب، وإنما ترجمة مبدأَي التبادلية والمرحلية إلى خطوات متقابلة: تقدم في الانسحاب الإسرائيلي يقابله تقدم في بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، ضمن آلية تسمح بالتحقق من تنفيذ الالتزامات وتمنع أحد الأطراف من استخدام تعثر الطرف الآخر ذريعة لتجميد المسار كله.
 
لكن توسيع وظيفة الإطار هو العنصر الأهم في زيارة واشنطن. فسلام شدد على أنه يشمل أيضًا الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية والخدمات وتهيئة ظروف عودة النازحين إلى مناطقهم. وهنا يصبح السؤال أبعد من مصير جولة تفاوض أو موعد انسحاب: هل يحاول لبنان تحويل التفاهم الذي أنهى الحرب إلى خريطة طريق متكاملة للمرحلة المقبلة، تجمع الأمن والسياسة والاقتصاد تحت سقف واحد؟
 
من التزامات متوازية إلى مسار متبادل
 
منذ توقيع إطار 26 حزيران، بقيت المعضلة الأساسية في ترتيب الخطوات، أو ما بات يصطلح على تسميته بـ"من يبدأ أول خطوة". لبنان يريد انسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها بما يسمح للدولة باستكمال انتشارها وإعادة السكان إلى الجنوب، فيما يرتبط المسار في المقابل ببسط سلطة الدولة وحصرية السلاح. وفي غياب تسلسل متفق عليه، يصبح كل تأخير في جانب مبررًا لتعطيل الجانب الآخر، فتدخل العملية في حلقة يصعب كسرها.
 
لهذا تكتسب مطالبة رئيس الحكومة بجدول زمني واضح وآلية تحقق أهمية تتجاوز الجانب التقني بما تحمله من أبعاد سياسية. فالجدول يعني، عمليًا، نقل الاتفاق من مجموعة مبادئ إلى مراحل يمكن قياس تنفيذها، فيما تعني آلية التحقق تحديد ما إذا كان كل طرف قد نفذ ما يترتب عليه قبل الانتقال إلى الخطوة التالية. وقد شدد سلام أمام روبيو على ضرورة ألا يتحول عدم التنفيذ إلى ذريعة لتعطيل المسار برمته.
 
هذه المقاربة لا تلغي الخلاف الداخلي حول السلاح ولا التباعد الكبير بين الحكومة وحزب الله في ترتيب الأولويات. فالأمين العام للحزب نعيم قاسم ربط أخيرًا البحث في حصرية السلاح بتحرير الجنوب وعودة الأهالي، في حين تتمسك الحكومة بمسار حصر السلاح في يد الدولة. إلا أن صيغة "التبادلية والمرحلية"، إذا اكتسبت مضمونًا عمليًا، قد تصبح المساحة التي تحاول السلطة استخدامها لتجنب معادلتين متقابلتين: انتظار الانسحاب الكامل قبل أي خطوة داخلية، أو مطالبة لبنان باستكمال التزاماته فيما تبقى الالتزامات الإسرائيلية معلقة.
 
الإعمار يدخل المعادلة
 
الجديد الآخر أن النقاش لم يعد محصورًا بما يحدث عند الحدود. ففي الطرح الذي قدمه سلام، يشمل الإطار دعم جهود الحكومة في الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية. وهذا التوسع ليس تفصيلًا بالنسبة إلى لبنان، لأن عودة السكان وتثبيتهم في قراهم لا يرتبطان بالهدوء الأمني وحده، وإنما أيضًا بإمكان ترميم المنازل وإعادة الخدمات وخلق شروط البقاء.
 
وهنا تلتقي المسارات التي حملها الوفد اللبناني إلى واشنطن. فبالتوازي مع اللقاء السياسي مع روبيو، عقد الوفد الذي يضم وزيرَي المالية والطاقة اجتماعات مع صندوق النقد والبنك الدولي. ويقول وزير المالية ياسين جابر إن بيروت تسعى إلى التقدم نحو اتفاق جديد على مستوى الخبراء مع صندوق النقد بعد إقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، فيما يبقى قانون الفجوة المالية من الشروط الأساسية للانتقال إلى برنامج كامل. هكذا يصبح التعافي الاقتصادي جزءًا من قدرة الدولة نفسها على تنفيذ ما تعد به سياسيًا وأمنيًا.
 
لكن جمع هذه المسارات لا يعني أن تمويل إعادة الإعمار أصبح مضمونًا، أو أن واشنطن قدمت التزامات جديدة بهذا المعنى. المعلن حتى الآن هو طلب لبناني بتوسيع الدعم وتفعيل الإطار، لا إعلان برنامج تمويل متكامل. والفارق أساسي، لأن نجاح المقاربة اللبنانية سيتوقف على تحويل العناوين التي حملها سلام إلى التزامات قابلة للتنفيذ: ماذا ستفعل إسرائيل ومتى؟ ما الخطوات المطلوبة من الدولة اللبنانية؟ من يتحقق من التنفيذ؟ وكيف يرتبط التقدم الأمني بفتح باب الإعمار والدعم الدولي؟
 
قد تكون زيارة واشنطن محاولة لتغيير طريقة إدارة المرحلة أكثر مما هي مناسبة لإعلان نتائج فورية. فبدل أن يبقى الانسحاب ملفًا، والسلاح ملفًا ثانيًا، والإعمار ملفًا ثالثًا، والإصلاح الاقتصادي مسارًا منفصلًا، يحاول لبنان جمعها ضمن معادلة واحدة تقوم على التدرج والتبادلية. نجاح هذه المحاولة لن تحدده العبارات الواردة في البيانات، وإنما ما إذا كان "الإطار الثلاثي" سينتقل فعلًا من إدارة وقف النار إلى إدارة ما بعد الحرب، بجدول زمني والتزامات متقابلة وآلية تجعل الانتقال من الأمن إلى الإعمار مسارًا قابلًا للقياس والتنفيذ.
✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق