من أوكرانيا إلى إيران… هل يقترب العالم من حرب كبرى؟

منذ ساعة

مع فشل المساعي الدولية وتحييد وعقم الأمم المتحدة واختطاف مجلس الأمن من الخمسة الكبار- تتكثف ترويج تحليلات وتوقعات تحذر من أن تعدد الأزمات سيقود لتفجر حرب عالمية وحتى البعض يُحذّر من حرب نووية!!! يعزز مصداقية الخوف، تحذير ومطالبات بريطانيا وسويسرا ودول أخرى لمواطنيها بالتحوط وتخزين المواد الغذائية والماء والضروريات استعداداً وتحضيرا للتعامل مع تداعيات طارئة مرتبطة بحالات طوارئ وهجمات سيبرانية وغيرها.
بعد أربع سنوات ونصف على ما توقعته «لا حرب عالمية ثالثة أو نووية تكتيكية» بعد حرب روسيا على أوكرانيا-وخاصة بعد ترويج تحذيرات عن خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة. وأرى فارقاً أساسياً بين التحذير من الخطر وبين الاستسلام لخطاب الحرب العالمية الثالثة. صحيح أن الأزمات المتعددة اليوم أخطر، وتمدد بؤر التوتر ترفع من فرص حروب الحسابات الخاطئة. لكني أكرر لا حرب عالمية الثالثة أو نووية، لأن ذلك باختصار يعني دمار البشرية. كما تؤكد نظرية (MAD) «الهلاك الأكيد»-الردع النووي يمنع ويردع قيام حرب نووية لا تُبقيِ ولا تذر…
منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022، لم يغب تعبير «الحرب العالمية الثالثة» عن الخطاب السياسي والإعلامي. ومع كل تصعيد جديد، يعود المصطلح بقوة: خاصة مع تكرار تحذير نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري ميدفيديف، من إمكانية استخدام روسيا للسلاح النووي التكتيكي منذ اندلاع الحرب على أوكرانيا. وما يعمق مخاوف الحرب العالمية الثالثة مأزق الجمود في حرب الولايات المتحدة على إيران. وتكرار قول ترامب بإبادة إيران كما في خطابه في الأمم المتحدة. وتهديد نتيناهو المستمر ضد إيران وتصاعد الخلافات برغم زيارة الرئيس الصيني الرسمية لواشنطن حول تايوان. وتصرفات زعيم كوريا الشمالية بقدراته النووية!!
والسؤال اليوم هل تعدد الأزمات ومستويات التصعيد والتهديد يدفع العالم على شفير حرب عالمية ثالثة؟ منذ أكتوبر 2022، وفي محاضرتي بقسم العلوم السياسية في كلية العلوم الاجتماعية، وكذلك في مقابلاتي- حاججت «لا أتوقع انزلاق حرب روسيا على أوكرانيا لحرب نووية تكتيكية أو عالمية ثالثة. ذلك التقدير لم يكن قائماً على التقليل من خطورة الحرب، بل على منطق الردع النووي نفسه.
الردع النووي- يمنع الحرب العالمية الثالثة وخاصة مبالغة التهويل من حرب نووية. والقوى النووية تدرك خطورة استخدام السلاح النووي. والدليل برغم التصعيد لأكثر من أربع سنوات ونصف من الحرب، بين روسيا وأوكرانيا، واصطفاف الناتو بدعم أوكرانيا-وتردد إدارة ترامب، نشهد التزام الأطراف بعدم تجاوز الخطوط الحمراء، وخاصة روسيا. وكذلك تجنب كل من روسيا وحلف الناتو خوض حرب مباشرة بينهما، لكن لا يعني ذلك انعدام الخطر، لأن العديد من الحروب تفجرت بسوء تقدير وحسابات خاطئة ونتائج غير محسوبة.

هناك مستفيدون من التخويف والتهويل للحروب يتقدمهم المجمع الصناعي وشركات مصانع السلاح، والمؤسسات الأمنية

وبرغم زيارة الرئيس الصيني للولايات المتحدة والتقارب الصيني-الأمريكي واستقبال الرئيس ترامب الحافل وإغداق المديح، للرئيس الصيني تشينع بينغ-إلا أن هناك مخاوف حقيقية من استغلال كل من الصين وروسيا الانهماك والارتباك الأمريكي في مستنقع إيران- وسعيهما لإطالة أمد المواجهة والتصعيد لإشغال الولايات المتحدة في مستنقع إيران لإفشال استراتيجية إدارة ترامب الأمنية والدفاعية وحرف أولوية التصدي للصين وفي مناطق نفوذها…ويبقى الخلاف حول تسليح تايوان جزءاً من مساومات سياسية واقتصادية. بعدما جمد الرئيس ترامب صفقة أسلحة لتايوان بعد زيارة الرئيس الصيني لواشنطن.
وهناك فارق كبير بين التحذير من وقوع حرب والتهويل والتخويف من وقوعها. كما أن قرار بعض الدول زيادة ميزانية وزارة الدفاع والتحالفات وتطوير أسلحة وإجراء مناورات يزيد من هامش مخاوف فرص اندلاع حرب. وتلعب وسائط التواصل الاجتماعي في تضخيم تصاعد الأزمات في عدة أقاليم كما نشهد اليوم.
ومع تراجع شعبية ورضا الرأي العام الأمريكي حسب استطلاعات الرأي-عن سياسات ومغامرات ترامب-وحتى داخل الحزب الجمهوري، وحركة «ماغا»-القاعدة الشعبية الداعمة للرئيس ترامب-بسبب تخليه عن وعوده بعدم شن حرب وخفض كلفة المعيشة وأسعار السلع والوقود والكهرباء والديزل- تتضاعف معاناة الشعب الأمريكي-ومعها حالة الغضب والاستياء. ومع فرص خسارة ترامب وحزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر القادم-أغلبيتهم الضئيلة في مجلسيّ النواب والشيوخ.
وقد تدفع الخشية من تعرض نتنياهو لخسارة تاريخية في انتخابات الكنيست نهاية أكتوبر القادم وفوز تحالف المعارضة- للتصعيد على عدة جبهات. كما هدد وتوعد في خطابه الموتور في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتهجمه ونفيه شن حروب إبادة!! وتبريره الاعتداءات والقتل والعربدة على سبع جبهات: غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن وإيران، وعدوانه على قطر.
وهناك مستفيدون من التخويف والتهويل للحروب يتقدمهم المجمع الصناعي وشركات مصانع السلاح، والمؤسسات الأمنية. وحتى وسائل الإعلام التي يهول بعضها بترعيب المواطنين من مخاطر التصعيد والحرب للحصول على مشاهدات.
في المقابل، برغم دخول حرب روسيا على أوكرانيا السنة الخامسة، وبعد نهاية سبعة أشهر من مراوحة «لا حرب ولاسلم» بين الولايات المتحدة وإيران، لم يتم خرق الخطوط الحمراء من أطراف الصراع والحرب بالذهاب إلى أقصى حد من التصعيد. وبرغم حالة الاستنفار وتعدد الصراعات في النظام العالمي، والخشية من تفلت الأوضاع من عقالها، والتعامل بجدية مع خطورة التصعيد- يبقى سوء التقدير والحسابات الخاطئة عاملا لا يمكن تجاهله.
لا زلت أحاجج وأتمسك بما أكدته قبل سنوات: يبقى الردع النووي المتبادل، وكلفة المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى، ومخاطر الحسابات الخاطئة، وتفضيل إبقاء قنوات تفاوض قائمة، عوامل رادعة تمنع الانزلاق بالخطأ إلى حرب شاملة مكلفة. ليس بالضرورة تحولها إلى حرب عالمية أو حرب نووية كما يُهوّل البعض!!

٭ أستاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق