وفي صلب هذه التحولات، يبرز إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن محادثات جيدة مع إيران، بالتزامن مع موقف سعودي ـ مصري ـ تركي ـ باكستاني يدعو إلى اعتماد مذكرة «إسلام آباد» كمرجعية للحل. ويضع هذان التطوران المشهد الإقليمي أمام اتجاه متزايد نحو احتواء التصعيد والبحث عن مخارج سياسية، من دون أن يعني ذلك أن التسوية باتت منجزة أو أن شروطها أصبحت مكتملة، في وقت لا تزال فيه المفاوضات محكومة بتباعد في المواقف وحسابات إقليمية لم تُحسم بعد.
وفي هذا الإطار، لا تعني عودة التفاوض الأميركي ـ الإيراني حتى الآن أن واشنطن نجحت في خفض سقف الشروط الإيرانية، بل إن استمرار التفاوض مع بقاء هذه الشروط يعكس صعوبة فرض مسار مختلف على طهران. وفي موازاة ذلك، تبدو الرياض أكثر استعجالًا لوقف التصعيد في الخليج واليمن، بعدما وضعت تطورات المرحلة الأخيرة أمن المملكة ومصالحها أمام حسابات مختلفة، وهو ما قد يدفع باتجاه إعادة النظر في مقاربات سابقة لم تعد تتلاءم مع الوقائع المستجدة.
من جهة أخرى، يبدو من الصعب أن يبقى هذا التحول محصوراً في ساحاته الإقليمية، إذ سرعان ما تمتد ارتداداته إلى لبنان، حيث يرتبط مصير اتفاق الإطار إلى حدّ بعيد بمآل التفاوض الأميركي ـ الإيراني وباتجاه المقاربة السعودية في المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، تكشف مصادر دبلوماسية مطلعة عن مسارين يجري العمل عليهما للخروج من المأزق اللبناني، يختلفان في آلية الوصول إلى الحل، لكنهما يضعان الصيغة القائمة أمام اختبار قدرتها على الاستمرار في ظل تبدّل الشروط السياسية والإقليمية التي حكمتها.
المسار الأول يقوم على تحرّك أقطاب سياسية لبنانية لإعادة ترتيب الموقف الداخلي من «اتفاق الإطار»، بما يفضي إلى تراجع رئيسي الجمهورية والحكومة عن الاستمرار فيه بصيغته الحالية، وتهيئة الظروف لاستئناف الحوار بين الرئيس جوزاف عون و«حزب الله». ويستند هذا المسار إلى محاولة إنتاج تفاهم داخلي يسبق اكتمال التسوية الإقليمية، ويعيد وضع الملف اللبناني على طاولة الحوار بدل إبقائه محكوماً بالقطيعة القائمة.
أما المسار الثاني، فيقوم على استمرار القطيعة بين الرئيس عون و«حزب الله»، بما يقود إلى سقوط «اتفاق الإطار» وتعذّر إنتاج تسوية من داخله. عندها، ينتقل ثقل الحلّ، وفق المصادر، إلى المسار الإقليمي، مع تقدّم مذكرة «إسلام آباد» وتغيّر المقاربة السعودية للملف اللبناني تحت وطأة التطورات في اليمن، بما يفتح الباب أمام صيغة مختلفة عن تلك التي حكمت التعامل مع لبنان خلال المرحلة الماضية.
وعليه، يتجاوز التباين بين المسارين تفاصيل «اتفاق الإطار» ليطال مصدر التسوية نفسها. فإما أن ينجح الداخل في استعادة زمام المبادرة وإعادة فتح قنوات الحوار، وإما أن تسبق المنطقة إلى صياغة شروط جديدة للحل، بما يضع الاتفاق الحالي أمام احتمال تجاوزه بالكامل.
وفي توقيت لا يخلو من الدلالات، جاء اللقاء اللبناني ـ الإيراني في نيويورك ليضيف عنصراً آخر إلى المشهد. فاجتماع رئيس الحكومة ووزير الخارجية اللبناني بالجانب الإيراني، بعد مرحلة من التوتر في العلاقة بين بيروت وطهران، يتقاطع مع عودة التفاوض الأميركي ـ الإيراني وتزايد الدفع الإقليمي نحو وقف التصعيد، ما يمنح استئناف التواصل السياسي بين الجانبين أهمية تتجاوز توقيت اللقاء نفسه.
وتكتسب إعادة فتح قنوات التواصل بين بيروت وطهران دلالة إضافية في ضوء المسارين المطروحين، إذ تأتي في وقت تتزايد فيه احتمالات ارتباط المخرج اللبناني بتفاهمات إقليمية أوسع. ومن هنا، يصبح هذا التواصل جزءاً من حركة سياسية تتقدم بالتوازي مع المفاوضات الجارية في المنطقة، من دون أن يعني ذلك أن ملامح التسوية أو شروطها قد حُسمت.
وفي الجهة المقابلة، تفيد معلومات بأن إسرائيل تتجه إلى محاولة استدراج إيران و«حزب الله» إلى مواجهة تعيد خلط الأوراق، في ظل مسار التسوية الذي لا ينسجم مع حساباتها في المرحلة الحالية. ووفق هذه المعلومات، تراهن إسرائيل على رفع مستوى التصعيد ودفع طهران و"الحزب" إلى ردّ يتيح لها نقل المشهد مجدداً من طاولة التفاوض إلى الميدان، بما يعطّل المسار القائم ويفرض شروطاً مختلفة على أي تسوية مقبلة. ومن هنا، يصبح لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية، إذ إن نجاح هذا الاستدراج من شأنه أن يعيد ترتيب الأولويات ويؤخر البحث في المخارج السياسية، فيما يتيح احتواء التصعيد مزيداً من الوقت لتقدّم المسارين المطروحين.
في المحصلة، لم يعد مصير «اتفاق الإطار» مرتبطاً بإمكان تنفيذه فحسب، بل بقدرته على الصمود أمام تبدّل الظروف التي أنتجته أساساً. وما يُبحث اليوم لا يقتصر على تعديل آليات تطبيقه، بل يلامس إمكان تجاوزه نحو صيغة أخرى، سواء فُتح الطريق إليها من الداخل أو فرضتها التسوية الإقليمية. وبين الاحتمالين، يبدو أن المرحلة المقبلة ستحدّد ما إذا كان الاتفاق لا يزال قابلاً للحياة، أم أن وظيفته السياسية شارفت على نهايتها.
- شاب يودي بحياة شقيقه بسبب خلافات أسرية بينهما في البحيرة
- محافظ الفيوم يشهد عقد قران وحفل زفاف إحدى الفتيات اليتيمات من الأولى بالرعاية
- الأفخم عمرانيا وزخرفيا.. شاهد منزل الأماصيلي الأثري في رشيد بالبحيرة
- رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يخطف الأضواء خلال اجتماعات الأمم المتحدة
- عمورة بتمريرتين حاسمتين يقود “الخضر” للفوز أمام زامبيا














0 تعليق