الأحراج بين "فوضى" قطع الأشجار المنظمة والنار الإسرائيلية

منذ 35 دقيقة
تبدي جهات معنية بالوضع البيئي خشيتها من أن تكون مناطق حرجية عدة أمام ما تصفه بـ "فوضى منظمة" في قطع الأشجار، في ظل تنامي نشاط مجموعات باتت تتعامل مع الأحراج كمصدر مفتوح للرزق، مستفيدة من غياب الرقابة الجدية ومن واقع اقتصادي واجتماعي يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم. وتقول هذه الجهات إن ما يجري لم يعد يقتصر على حالات فردية أو على مواطنين يقطعون بعض الأشجار لتأمين التدفئة، بل إن الحديث يدور في بعض المناطق عن مجموعات منظمة تعرف مواقع الأشجار، وتحدد الكميات، وتقوم بقطعها ونقلها وبيعها، مستفيدة من الطلب المتزايد على الحطب.
ويأتي ارتفاع أسعار المازوت ليشكل عاملًا إضافيًا في هذا المسار، بعدما شهد سعر الصفيحة ارتفاعًا مضاعفًا منذ شباط الماضي حتى اليوم، الأمر الذي جعل كلفة التدفئة عبئًا إضافيًا على العائلات، ويدفع شريحة من المواطنين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة. إلا أن المشكلة، وفق المعنيين، تبدأ عندما تتحول الحاجة إلى سوق مفتوحة لاستنزاف الأحراج، خصوصًا في ظل تفشي منطق "كل مين إيدو الو"، حيث تصبح حماية الثروة الحرجية مرتبطة بقدرة كل مجموعة محلية على فرض أمر واقعها.

وتحذر المصادر البيئية من أن الأخطر هو أن بعض عمليات القطع لا تميّز بين الأشجار اليابسة والأشجار الحيّة، ولا بين الأحراج الطبيعية والأراضي الخاصة، فيما تؤدي عمليات القطع العشوائي إلى إضعاف التربة وتعريضها للانجراف، وإلى خسارة التنوع البيولوجي، فضلًا عن صعوبة تعويض الأشجار المعمرة التي تحتاج عقودًا قبل أن تستعيد الأحراج شكلها الطبيعي.
لكن "المجزرة البيئية" لا تتوقف عند حدود ما يجري داخل الأراضي اللبنانية البعيدة عن نيران الحرب المباشرة. ففي الجنوب، تتعرض مساحات واسعة من البساتين والأراضي الزراعية والأحراج لأضرار مباشرة نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية، من خلال إحراق الأشجار واستهداف الأراضي الزراعية، ما يضيف عاملًا خارجيًا بالغ القسوة إلى الاستنزاف الذي تتعرض له البيئة اللبنانية من الداخل.
وهكذا يجد لبنان نفسه أمام مشهد بيئي شديد الخطورة: أشجار تُقطع بسبب أزمة الطاقة، وأخرى تُحرق بفعل الحرب، فيما الرقابة عاجزة عن وقف الاستنزاف في أكثر من منطقة.
جنوب لبنان اليوم الاحد - قناة العالم الاخبارية" style="width: 100%; height: 100%;" />

والأخطر أن الخسارة لا تُقاس بعدد الأشجار التي تختفي من المشهد اليوم. فالشجرة المعمرة التي تُقطع خلال دقائق تحتاج إلى سنوات طويلة، وأحيانًا عقودًا، كي تستعيد البيئة ما خسرته. أما بعض البساتين التي تحولت إلى مساحات متضررة أو محترقة، فتحتاج إلى إعادة تأهيل وزراعة ومياه ورعاية واستقرار أمني حتى تعود إلى الإنتاج.
وتلفت الجهات المعنية إلى أن معالجة المشكلة لا يمكن أن تكون عبر ملاحقة بعض الحطابين فقط، لأن الأزمة أصبحت مرتبطة بسلسلة كاملة تبدأ من الحاجة إلى التدفئة، وتمر بارتفاع أسعار المحروقات، وتصل إلى تجارة الحطب وغياب الرقابة وتراجع قدرة الدولة على حماية الأحراج. وفي المقابل، فإن الأضرار الناتجة عن الحرائق والاعتداءات الإسرائيلية تحتاج إلى خطة مختلفة لإعادة تأهيل الغطاء النباتي والبساتين المتضررة.
المشهد، بحسب هذه الجهات، يحتاج إلى دق ناقوس الخطر قبل أن تتحول الأحراج إلى مخزون مستنزف لا يمكن تعويضه. فلبنان لا يخسر مجرد أشجار، بل يخسر جزءًا من ثروته الطبيعية، ومن قدرة مناطقه الريفية على الصمود، ومن توازن بيئي يصعب استعادته بمجرد انتهاء موسم القطع أو توقف الحرائق.
وفي بلد يعاني أصلًا من أزمات متراكمة، تبدو المفارقة قاسية، إذ أن الأزمة الاقتصادية تدفع البعض إلى قطع الشجرة، والحرب تحرقها، وغياب الرقابة يتركها بين الاثنين.
وهنا لا تعود حماية الأحراج مسألة بيئية هامشية، بل تتحول إلى قضية مرتبطة بالطاقة والاقتصاد والأمن الغذائي وحماية الأراضي، قبل أن يأتي وقت يتحوّل فيه لبنان الأخضر إلى لبنان قاحل ماحل.
✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق