سلام بين الحضور الرسمي والتجاهل الاميركي

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لم يكن تجاهل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس الحكومة نواف سلام، خلال الاجتماع الذي جمعه بعدد من القادة العرب في نيويورك، حدثاً يمكن فصله عن واقع لبنان السياسي وموقعه في الحسابات الإقليمية والدولية. فالمشهد الذي خصّ فيه ترامب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمصافحة حارة، وتبادل التحيات مع عدد من القادة الحاضرين، فيما قوبل حضور رئيس الحكومة اللبنانية بتجاهلٍ واضح، أعاد إلى الواجهة أسئلة تتصل بحجم الحضور اللبناني لدى الإدارة الأميركية، ومدى قدرة السلطة الحالية على ترجمة علاقاتها الخارجية إلى مكاسب سياسية في مرحلة تُرسم فيها ملامح جديدة للمنطقة.

Advertisement

 

غير أن الأسوأ من المشهد بحدّ ذاته كان ردّ سلام على الحادثة، بعدما اختار الحديث عن محاولات الاصطياد في المياه العكرة، مبرّراً تجاهل ترامب له. وبذلك، انتقل النقاش من موقع لبنان في اجتماع دولي إلى سجال داخلي أراد سلام فتحه، في حين أن المسألة لا تتعلق به بصفته الشخصية، بل برئيس حكومة يمثل دولة تواجه واحدة من أصعب مراحلها السياسية والأمنية. وبالتالي فإن السجال الداخلي لا يبدد التساؤلات التي أثارها المشهد، بل يطرح سؤالاً إضافياً حول طبيعة التعاطي الأميركي مع لبنان في هذه المرحلة.

 

وفي ظلّ تعويل الحكومة على علاقاتها مع واشنطن، ورهانها على دورها في معالجة الملفات الحساسة، يبرز التساؤل عما إذا كان المشهد يعكس تراجعاً في الاندفاع الأميركي تجاه لبنان، ولا سيما في ما يتعلق بالجهود الرامية إلى وقف الحرب، وذلك نتيجة تحوّل أولويات الإدارة الأميركية نحو ملفات إقليمية أخرى. ورغم أن تصرف ترامب وحده لا يكفي لإثبات تبدّل في الموقف الأميركي، إلا أن الظروف التي يمر بها لبنان تجعل من الصعب التعامل مع المشهد بمعزل عن مسار العلاقات بين البلدين.

 

ورغم جولات التفاوض والاتصالات المكثفة التي خاضتها السلطة اللبنانية مؤخراً، لا تزال الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، فيما تتفاقم الضغوط السياسية والأمنية على لبنان، من دون أن تنجح المساعي الدبلوماسية في تأمين ضمانات تحول دون استمرارها. وفي ظل هذا الواقع، تبدو الفجوة واضحة بين حجم الرهانات التي وضعتها الحكومة على الوساطات الدولية وما تحقق منها على الأرض، خصوصاً أن لبنان دخل هذه المفاوضات مثقلاً بأزماته، من دون أن تتمكن السلطة من توظيف ما تملكه من أوراق سياسية وتفاوضية لتحسين موقعه.

 

ومما لا شك فيه أن حكومة نواف سلام تتحمل مسؤولية ما آلت إليه مكانة لبنان في علاقاته الخارجية، بعدما بالغت في التعويل على الدعم الأميركي وحده ، وقدّمت علاقاتها مع واشنطن باعتبارها مدخلاً لتعزيز الحضور اللبناني على الساحة الدولية. غير أن مشهد نيويورك جاء ليضع هذه الرهانات أمام اختبار سياسي، ويثير علامات استفهام حول حجم الاهتمام الذي توليه الإدارة الأميركية للحكومة اللبنانية، وما إذا كانت الأخيرة قد بالغت في تقدير موقعها لدى واشنطن، فيما تبدو حسابات الإدارة الأميركية وأولوياتها بعيدة عمّا حاولت الحكومة إظهاره طوال الفترة الماضية.

 

ولعلّ ما كشفه مشهد نيويورك يتجاوز حدود التجاهل الأميركي نحو خفّة التعاطي التي أظهرها سلام، وعجزه عن إثبات حضوره في محفل دولي بهذا المستوى. فبدلاً من أن يتوقف عند دلالة تجاهل الرئيس الأميركي له، انشغل بإيجاد التبريرات، ثم نقل المعركة إلى الداخل، موجّهاً سهامه نحو اللبنانيين. وإذا كان سلام لم يحظَ بالاهتمام الذي كان ينتظره من واشنطن، فهو بلا شك لا يمكنه التعويض عن ذلك بخوض معركة مع شعبه، والاستخفاف بمشهدٍ لا يمسّ شخصه، بل مكانة لبنان الذي يمثله وموقع رئاسة الحكومة.

 

وفي المقابل، حملت الحفاوة التي استقبل بها ترامب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وما رافقها من إشادة علنية به، دلالات سياسية يصعب تجاهلها، ولا سيما عند مقارنتها بطريقة تعامله مع رئيس الحكومة اللبنانية. فرغم التنازلات التي قدّمتها حكومة سلام استجابةً للمطالب الأميركية، من دون أن تنتزع في المقابل ضمانات تحمي لبنان، لم ينعكس هذا المسار على مستوى الاهتمام الأميركي بها. ولعلّ المفارقة الأبرز أن واشنطن، التي تواصل الضغط على بيروت، تُظهر في تعاملها مع أنقرة أهمية الموقع السياسي وأوراق القوة في فرض الحضور على الساحة الدولية، فيما لا تزال الحكومة اللبنانية تعتقد أن الاستجابة للمطالب الأميركية كفيلة وحدها بمنحها المكانة التي تسعى إليها.

 

في المحصلة، قد يمرّ ما حدث في نيويورك سريعاً في زحمة الأحداث، لكن ما يصعب تجاوزه هو الطريقة التي باتت تُدار بها صورة لبنان في الخارج. فحين يصبح رئيس الحكومة معنياً بتفسير ما جرى أكثر من التقاط دلالاته، تكون المسألة قد تجاوزت الإحراج إلى خلل في فهم الموقع الذي يمثله. وما بدا استخفافاً بالمشهد ككل لا يطال سلام وحده، لأن حضوره هناك لم يكن حضوراً شخصياً، وضعف حضوره في اجتماع بهذا المستوى لا يُحسب عليه وحده، بل على الحكومة التي يرأسها وعلى لبنان الذي يمثله، خصوصاً أن سلام نفسه هو من اختار التعويل على علاقاته الخارجية وتقديمها باعتبارها إحدى نقاط قوة حكومته.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق