Advertisement
ومع تكرار الانقطاعات، لا يعود السؤال متعلقًا بعدد الأيام التي غاب فيها الطالب عن المدرسة، بل بما تركه هذا الغياب المتراكم في مستواه العلمي وقدرته على مواصلة تعليمه بشكل طبيعي. فماذا فعلت سنوات الأزمات وعدم انتظام التعليم بالطالب اللبناني، وهل يمكن للعودة إلى المدارس أن تعيد إليه ما خسره؟
بدأت القصة في عام 2020، مع تفشي جائحة كورونا وإغلاق المدارس، في وقت وجد فيه الطلاب أنفسهم أمام تجربة جديدة لم تكن مألوفة. التعليم من المنزل، والحصص عبر الشاشات، والتواصل مع المعلمين عن بُعد. وفي بلد يعاني أصلًا من تفاوت كبير في الإمكانات، لم تكن هذه التجربة متاحة للجميع بالقدر نفسه.
فبين طالب يملك جهازًا خاصًا واتصالًا مستقرًا بالإنترنت، وآخر يضطر إلى مشاركة هاتف مع أفراد أسرته أو يواجه صعوبة في تأمين الإنترنت، ظهرت فجوة تعليمية جديدة. ولم تكن المشكلة في الوصول إلى الدرس فقط، بل في قدرة الطالب على التركيز والتفاعل والاستيعاب في بيئة لم تكن مهيأة أصلًا لتكون صفًا دراسيًا.
ومع عودة الحياة تدريجيًا، كان يفترض أن يعود التعليم إلى مساره الطبيعي، إلا أن الأزمة الاقتصادية التي اشتدت في لبنان جعلت هذه العودة أكثر تعقيدًا. ارتفعت كلفة التعليم، وتراجعت القدرة الشرائية للعائلات، فيما واجه المعلمون ظروفًا معيشية صعبة انعكست على القطاع بأكمله.
ومع تكرار الإضرابات والتوقف عن التدريس، خصوصًا في المدارس الرسمية، أصبح انتظام العام الدراسي نفسه مهددًا. والأرقام تعطي صورة واضحة عن حجم المشكلة، خلال أربعة أعوام دراسية متتالية بين 2019-2020 و2022-2023، تلقى طلاب المدارس الرسمية نحو 270 يومًا فقط من التعليم الحضوري، في وقت كان يفترض أن يحصلوا خلال هذه الفترة على نحو 600 يوم.
أي أن الطالب لم يخسر أيامًا متفرقة فحسب، بل خسر جزءًا كبيرًا من الوقت الذي كان يفترض أن يقضيه داخل الصف، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالظهور.
فالتعليم ليس مجموعة دروس منفصلة يمكن تعويضها واحدة تلو الأخرى. ما يتعلمه الطالب في مرحلة معينة يشكل أساسًا لما سيتعلمه في المرحلة التالية. وإذا لم يتمكن من فهم قاعدة أو مفهوم أساسي، فإن الفجوة قد لا تظهر فورًا، لكنها تصبح أكثر وضوحًا عندما ينتقل إلى مواد ودروس أكثر تعقيدًا.
ومع كل انقطاع جديد، كان جزء من هذا التسلسل يتعرض للاهتزاز. وقد ينتقل الطالب إلى صف جديد وهو يحمل معه نقصًا من الصف السابق، فيصبح مطالبًا بفهم مادة جديدة فيما لا تزال بعض الأساسيات غير راسخة لديه، وهذا ما يجعل عدم انتظام التعليم أكثر خطورة من مجرد خسارة أيام دراسية.
فالمدرسة لا تمنح الطالب المعرفة فقط، بل تساعده على بناء عادات مرتبطة بالتعلم؛ من الحضور المنتظم والمراجعة، إلى التركيز والمشاركة وإنجاز الواجبات. وعندما يصبح الذهاب إلى المدرسة متقطعًا، تتأثر هذه العادات أيضًا، وقد يصبح استعادة الإيقاع الدراسي مهمة تحتاج إلى وقت وجهد.
ويظهر أثر ذلك بصورة أوضح في المهارات الأساسية. ففي عام 2022، لم تتجاوز نسبة طلاب الصف الثاني الذين وصلوا إلى مستوى متوسط أو أعلى في فهم المقروء 2.8 في المئة، بعدما كانت 11 في المئة عام 2018.
ولا يعيش جميع الطلاب هذه التجربة بالطريقة نفسها. فبعض العائلات قادرة على تعويض ما فات أبناءها من خلال الدروس الخاصة أو الوسائل التعليمية الإضافية، بينما لا تملك عائلات أخرى هذه الإمكانات. ومع استمرار الأزمة، تتسع الفوارق بين الطلاب، ويصبح الوضع الاقتصادي عاملًا مؤثرًا بصورة أكبر في فرص التعلم.
ثم جاءت الأزمات الأمنية والحرب لتضيف تحديًا جديدًا إلى ما سبق. ففي المناطق التي طاولها التصعيد، لم يعد الوصول إلى المدرسة أمرًا مضمونًا دائمًا. أغلقت مدارس، ونزحت عائلات، وتحولت بعض المؤسسات التعليمية إلى مراكز إيواء، فيما اضطر طلاب إلى الانتقال من مناطقهم ومدارسهم أو متابعة تعليمهم بطرق مختلفة.
وبذلك، لم يعد الطالب يواجه فقط مشكلة في استكمال المنهج، بل أصبح الاستقرار نفسه جزءًا من المشكلة. فالانتقال المفاجئ من مدرسة إلى أخرى، أو من التعليم الحضوري إلى التعليم عن بُعد، أو الانقطاع لفترات بسبب الظروف الأمنية، كلها عوامل تؤثر في قدرة الطالب على متابعة مساره بصورة طبيعية.
وخلال هذه السنوات، تراكمت الأزمات فوق بعضها البعض. جائحة، ثم انهيار اقتصادي، ثم إضرابات وتعطيل، ثم ظروف أمنية وحرب. وفي كل مرة كان القطاع التعليمي يحاول استعادة توازنه، كان يجد نفسه أمام تحدٍ جديد.
لكن أثر هذه السنوات لا يُقاس فقط بعدد أيام التعطيل. فالخطر الأكبر هو أن يصبح الانتقال بين الصفوف أسرع من قدرة الطالب على استيعاب ما يفترض أن يتعلمه. وقد يصل إلى مراحل تعليمية متقدمة وهو يفتقد مهارات أساسية كان يفترض أن يكتسبها في سنوات سابقة.
وهنا تصبح مسؤولية المدرسة أكبر. فالعودة إلى التعليم المنتظم لا تعني ببساطة استكمال المنهج من النقطة التي توقف عندها، بل تتطلب أولًا معرفة ما الذي فاته الطلاب فعلًا، وأين توجد الفجوات في مستوياتهم، وكيف يمكن معالجتها من دون أن يتحول العام الدراسي إلى محاولة سريعة لإنهاء الكتب.
كما أن المعلم يحتاج إلى الظروف التي تمكنه من القيام بهذه المهمة. فمن الصعب معالجة تراكم سنوات من الفاقد التعليمي في صف واحد، فيما يواجه المعلم نفسه أزمات معيشية ومهنية، ويجد أمامه طلابًا بمستويات متفاوتة.
لذلك، تبدو العودة إلى المدارس هذا العام خطوة ضرورية، لكنها لا ينبغي أن تكون الهدف النهائي. الأهم أن تكون بداية لاستعادة الانتظام، وإعادة بناء العلاقة الطبيعية بين الطالب والمدرسة، ومعالجة ما تراكم خلال السنوات الماضية قبل أن ينتقل معه إلى مراحل جديدة.
فالطالب يحتاج إلى أكثر من أن يجلس على مقعده من جديد، بل إلى أن يشعر بأن هذا المقعد سيكون ثابتًا، وأن العام الدراسي سيمضي من دون انقطاع جديد، وأن ما فاته لن يُترك خلفه ليتحول لاحقًا إلى فجوة أكبر.
لقد خسر التعليم اللبناني خلال السنوات الماضية الكثير من الاستقرار، لكن استعادة هذا الاستقرار قد تكون الخطوة الأولى لاستعادة المستوى التعليمي نفسه.
فالعودة إلى المدرسة يمكن أن تبدأ في يوم واحد، لكن استعادة ما خسره الطلاب خلال سنوات من التعليم غير المنتظم لا يمكن أن تتم بالسرعة نفسها. فهي تحتاج إلى وقت، وانتظام في الدراسة، ودعم للمدارس والمعلمين، إلى جانب خطة واضحة لمعالجة الفاقد التعليمي بدل تجاوزه.
ومع اقتراب بداية عام دراسي جديد، يبقى السؤال، هل ستكون هذه العودة بداية حقيقية لتعويض الطلاب ما فاتهم واستعادة ما خسروه خلال سنوات الأزمات؟










0 تعليق