تدخل حكومة نواف سلام جلسة مناقشتها النيابية المقررة يومَي الثلاثاء والأربعاء، فيما تتزاحم أمامها أسئلة الحرب والتفاوض والسلاح، إلى جانب ملفات المعيشة والخدمات التي تتراكم تحت ضغط الأزمات المتلاحقة. لكنّ النقاش الذي يسبق الجلسة يتجه سريعًا نحو احتمال طرح الثقة، وقدرة الحكومة على الاحتفاظ بأكثريتها، ومواقف الكتل من بقائها. وفي النتيجة، يتقدّم السؤال عمّن سيربح المواجهة السياسية، قبل أن تتضح الأجوبة التي يُفترض أن تخرج بها الحكومة إلى اللبنانيين.
عشية الجلسة النيابية، يمكن رصد تباين واضح في أولويات الكتل، بين التركيز على حصرية السلاح ومسؤولية "حزب الله" عن الحرب، وإثارة الإخفاقات الحكومية ومطالب المواطنين، وصولًا إلى المطالبة بكشف وثائق وملاحق مرتبطة بـ"اتفاق الإطار". أما احتمال إسقاط الحكومة، فيبقى ضمن الحسابات والتقديرات السياسية، من دون نتيجة محسومة مسبقًا. غير أنّ اختزال الاستحقاق بهذا الاحتمال يمنح الطرفين مخرجًا سهلًا، فتعتبر الحكومة بقاءها انتصارًا، ويكتفي معارضوها بإعلان أنّهم واجهوها وحمّلوها المسؤولية.
غير أنّ أهمية الجلسة تتجاوز هذا التنافس، خصوصًا في مرحلة يُطلب فيها من الدولة إثبات قدرتها على إدارة ملفات تتداخل فيها الاعتداءات الإسرائيلية مع الانقسام الداخلي وضيق الموارد. فالمساءلة الجدية تحتاج إلى تحديد ما تستطيع الحكومة فعله، وما فعلته بالفعل، وما أخفقت في إنجازه، والأسباب التي تقدمها لذلك. من هنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يستطيع المجلس انتزاع أجوبة والتزامات واضحة، أم تنتهي الجلسة بإعادة توزيع المواقف المعروفة بين مؤيد ومعارض؟
أيّ مسؤولية تُعرض على المجلس؟
في ملف الجنوب، تبدأ المحاسبة من التمييز بين مسؤولية إسرائيل عن اعتداءاتها واحتلالها، ومسؤولية الحكومة عن إدارة المواجهة السياسية والدبلوماسية وتلبية احتياجات الناس. فالحكومة لا تملك وحدها فرض الانسحاب أو وقف الغارات، ولا يصح تحميلها مسؤولية القرارات الإسرائيلية. لكنّ هذا العجز عن فرض النتيجة لا يعفيها من شرح الخيارات التي تعتمدها، وما حققته اتصالاتها، وكيف تتعامل مع تعثّر التنفيذ.
المطلوب هنا نقاش في حصيلة السياسة المتّبعة وحدودها، وفي الأدوات المتاحة لتحسينها، بعيدًا عن اعتبار كل اعتراض استهدافًا للدولة أو كل تعثّر دليلًا على تخلّيها عن مسؤولياتها. وتندرج المطالبة بكشف الوثائق المرتبطة بـ"اتفاق الإطار" في هذا السياق، مع ضرورة الفصل بين السؤال عن وجود ملاحق وبين الجزم بوجودها أو بمضمونها. فالمطلوب جواب حكومي واضح يحدد الوثائق القائمة وطبيعتها والالتزامات التي تتضمنها. ولا يكفي أن تستخدم المعارضة الغموض لبناء اتهامات غير مثبتة، كما لا يكفي أن تواجه الحكومة السؤال بالتأكيد العام أنّها تحمي المصلحة الوطنية.
تحتاج مناقشة حصرية السلاح بدورها إلى قدر مماثل من التحديد. فالسجال بين من يطالب الدولة بتنفيذ قراراتها ومن يربط التنفيذ بوقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي معروف، وتكراره لن يوضح وحده ما أنجزته الحكومة. من هنا، تكمن القيمة المضافة للجلسة في مساءلتها عن خطتها، ومراحل تنفيذها، والعقبات التي تواجه المؤسسات المكلّفة بها، والقرارات المطلوبة لمعالجتها. وبهذه الطريقة، تُناقش المسؤولية الحكومية على أساس إجراءات يمكن تتبعها، مع إبقاء مسؤولية "حزب الله" عن خياراته موضع نقاش مستقل، بدل استخدام إحداهما لإلغاء الأخرى.
بقاء الحكومة لا يقفل المحاسبة
بالنسبة إلى الكتل المؤيدة للحكومة، تضع الجلسة معنى الدعم نفسه تحت الاختبار. فتأييد استمرارها لا يلزم النواب بالدفاع عن كل قرار تتخذه، أو بتبرير كل تأخير، أو برفض أسئلة المعارضة بسبب هوية أصحابها. وبهذا المعنى، تستطيع الأكثرية أن تحافظ على خيارها السياسي وتطالب في الوقت نفسه بتصحيح الأداء وتحديد المسؤوليات. أما التعامل مع أي نقد باعتباره مقدمة لإسقاط الحكومة، فيحوّل الاستقرار الحكومي إلى ذريعة لتعليق الرقابة، ويجعل الثقة حماية مفتوحة من الأسئلة التي يفترض أن ترافق ممارسة السلطة.
ينطبق الاختبار أيضًا على المعارضة، التي لا تُقاس جدّيتها بحدّة المداخلات وحدها. فإثبات تقصير الحكومة يحتاج إلى ربط النقد بقرار محدّد، أو التزام لم يُنفّذ، أو بديل كان متاحًا ولم يُعتمد. كذلك، فإن القوى الممثّلة في الحكومة والمجلس معًا مطالبة بتوضيح موقعها من القرارات التي تعترض عليها، وما قام به وزراؤها لتعديلها. فهذا التداخل في المواقع يجعل المحاسبة أكثر تعقيدًا، لأن بعض من سيتولون مساءلة السلطة التنفيذية ينتمون إلى قوى تشارك في صنع سياستها، ولا يستطيعون الاكتفاء بتقديم أنفسهم مراقبين من خارجها.
تبقى احتياجات المواطنين اختبارًا عمليًا للطرفين، خصوصًا مع استمرار الحكومة في مناقشة مشروع قانون الموازنة للعام المقبل. فالإغاثة، وإيواء النازحين، واستمرار التعليم والاستشفاء والخدمات، ملفات تستحق أجوبة عن الاعتمادات والمسؤوليات ومواعيد التنفيذ. صحيح أنّ ضيق الموارد قيد فعلي، لكنه يجعل شرح الأولويات أكثر ضرورة: أين تُنفق الأموال المتاحة، وكيف تُحدَّد الفئات الأشد حاجة، وما الذي تؤجّله الحكومة ولماذا؟
ستظهر حصيلة المساءلة في الأجوبة التي تصبح الحكومة ملزمة بالدفاع عنها لاحقًا، وفي القرارات التي يصرّ النواب على متابعتها بعد مغادرة القاعة. أما عدد الأصوات التي تؤيد استمرارها، فيحدّد قدرتها على البقاء ولا يقدّم وحده تقييمًا لأدائها. وفي المحصلة، تبدو الحكومة مطالبة بتقديم حساب واضح عن عملها، فيما المجلس مطالب بإثبات أنّ رقابته تمتد إلى ما بعد الخطب. وبينهما يقف المواطن الذي ينتظر خدمة أو مساعدة أو تفسيرًا لقرار يمسّ حياته، وهو يحتاج إلى معرفة من سيتولى إنجاز المطلوب ومتى، لا إلى متابعة جولة جديدة يعلن الجميع الفوز بها.
Advertisement
عشية الجلسة النيابية، يمكن رصد تباين واضح في أولويات الكتل، بين التركيز على حصرية السلاح ومسؤولية "حزب الله" عن الحرب، وإثارة الإخفاقات الحكومية ومطالب المواطنين، وصولًا إلى المطالبة بكشف وثائق وملاحق مرتبطة بـ"اتفاق الإطار". أما احتمال إسقاط الحكومة، فيبقى ضمن الحسابات والتقديرات السياسية، من دون نتيجة محسومة مسبقًا. غير أنّ اختزال الاستحقاق بهذا الاحتمال يمنح الطرفين مخرجًا سهلًا، فتعتبر الحكومة بقاءها انتصارًا، ويكتفي معارضوها بإعلان أنّهم واجهوها وحمّلوها المسؤولية.
غير أنّ أهمية الجلسة تتجاوز هذا التنافس، خصوصًا في مرحلة يُطلب فيها من الدولة إثبات قدرتها على إدارة ملفات تتداخل فيها الاعتداءات الإسرائيلية مع الانقسام الداخلي وضيق الموارد. فالمساءلة الجدية تحتاج إلى تحديد ما تستطيع الحكومة فعله، وما فعلته بالفعل، وما أخفقت في إنجازه، والأسباب التي تقدمها لذلك. من هنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يستطيع المجلس انتزاع أجوبة والتزامات واضحة، أم تنتهي الجلسة بإعادة توزيع المواقف المعروفة بين مؤيد ومعارض؟
أيّ مسؤولية تُعرض على المجلس؟
في ملف الجنوب، تبدأ المحاسبة من التمييز بين مسؤولية إسرائيل عن اعتداءاتها واحتلالها، ومسؤولية الحكومة عن إدارة المواجهة السياسية والدبلوماسية وتلبية احتياجات الناس. فالحكومة لا تملك وحدها فرض الانسحاب أو وقف الغارات، ولا يصح تحميلها مسؤولية القرارات الإسرائيلية. لكنّ هذا العجز عن فرض النتيجة لا يعفيها من شرح الخيارات التي تعتمدها، وما حققته اتصالاتها، وكيف تتعامل مع تعثّر التنفيذ.
المطلوب هنا نقاش في حصيلة السياسة المتّبعة وحدودها، وفي الأدوات المتاحة لتحسينها، بعيدًا عن اعتبار كل اعتراض استهدافًا للدولة أو كل تعثّر دليلًا على تخلّيها عن مسؤولياتها. وتندرج المطالبة بكشف الوثائق المرتبطة بـ"اتفاق الإطار" في هذا السياق، مع ضرورة الفصل بين السؤال عن وجود ملاحق وبين الجزم بوجودها أو بمضمونها. فالمطلوب جواب حكومي واضح يحدد الوثائق القائمة وطبيعتها والالتزامات التي تتضمنها. ولا يكفي أن تستخدم المعارضة الغموض لبناء اتهامات غير مثبتة، كما لا يكفي أن تواجه الحكومة السؤال بالتأكيد العام أنّها تحمي المصلحة الوطنية.
تحتاج مناقشة حصرية السلاح بدورها إلى قدر مماثل من التحديد. فالسجال بين من يطالب الدولة بتنفيذ قراراتها ومن يربط التنفيذ بوقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي معروف، وتكراره لن يوضح وحده ما أنجزته الحكومة. من هنا، تكمن القيمة المضافة للجلسة في مساءلتها عن خطتها، ومراحل تنفيذها، والعقبات التي تواجه المؤسسات المكلّفة بها، والقرارات المطلوبة لمعالجتها. وبهذه الطريقة، تُناقش المسؤولية الحكومية على أساس إجراءات يمكن تتبعها، مع إبقاء مسؤولية "حزب الله" عن خياراته موضع نقاش مستقل، بدل استخدام إحداهما لإلغاء الأخرى.
بقاء الحكومة لا يقفل المحاسبة
بالنسبة إلى الكتل المؤيدة للحكومة، تضع الجلسة معنى الدعم نفسه تحت الاختبار. فتأييد استمرارها لا يلزم النواب بالدفاع عن كل قرار تتخذه، أو بتبرير كل تأخير، أو برفض أسئلة المعارضة بسبب هوية أصحابها. وبهذا المعنى، تستطيع الأكثرية أن تحافظ على خيارها السياسي وتطالب في الوقت نفسه بتصحيح الأداء وتحديد المسؤوليات. أما التعامل مع أي نقد باعتباره مقدمة لإسقاط الحكومة، فيحوّل الاستقرار الحكومي إلى ذريعة لتعليق الرقابة، ويجعل الثقة حماية مفتوحة من الأسئلة التي يفترض أن ترافق ممارسة السلطة.
ينطبق الاختبار أيضًا على المعارضة، التي لا تُقاس جدّيتها بحدّة المداخلات وحدها. فإثبات تقصير الحكومة يحتاج إلى ربط النقد بقرار محدّد، أو التزام لم يُنفّذ، أو بديل كان متاحًا ولم يُعتمد. كذلك، فإن القوى الممثّلة في الحكومة والمجلس معًا مطالبة بتوضيح موقعها من القرارات التي تعترض عليها، وما قام به وزراؤها لتعديلها. فهذا التداخل في المواقع يجعل المحاسبة أكثر تعقيدًا، لأن بعض من سيتولون مساءلة السلطة التنفيذية ينتمون إلى قوى تشارك في صنع سياستها، ولا يستطيعون الاكتفاء بتقديم أنفسهم مراقبين من خارجها.
تبقى احتياجات المواطنين اختبارًا عمليًا للطرفين، خصوصًا مع استمرار الحكومة في مناقشة مشروع قانون الموازنة للعام المقبل. فالإغاثة، وإيواء النازحين، واستمرار التعليم والاستشفاء والخدمات، ملفات تستحق أجوبة عن الاعتمادات والمسؤوليات ومواعيد التنفيذ. صحيح أنّ ضيق الموارد قيد فعلي، لكنه يجعل شرح الأولويات أكثر ضرورة: أين تُنفق الأموال المتاحة، وكيف تُحدَّد الفئات الأشد حاجة، وما الذي تؤجّله الحكومة ولماذا؟
ستظهر حصيلة المساءلة في الأجوبة التي تصبح الحكومة ملزمة بالدفاع عنها لاحقًا، وفي القرارات التي يصرّ النواب على متابعتها بعد مغادرة القاعة. أما عدد الأصوات التي تؤيد استمرارها، فيحدّد قدرتها على البقاء ولا يقدّم وحده تقييمًا لأدائها. وفي المحصلة، تبدو الحكومة مطالبة بتقديم حساب واضح عن عملها، فيما المجلس مطالب بإثبات أنّ رقابته تمتد إلى ما بعد الخطب. وبينهما يقف المواطن الذي ينتظر خدمة أو مساعدة أو تفسيرًا لقرار يمسّ حياته، وهو يحتاج إلى معرفة من سيتولى إنجاز المطلوب ومتى، لا إلى متابعة جولة جديدة يعلن الجميع الفوز بها.








0 تعليق