الأباتي بولس نعمان... حين يصبح الراهب شاهدًا على وطن

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
نقف اليوم أمام رحيل رجلٍ لم تكن حياته عادية في تاريخ الرهبنة والكنيسة والوطن. نقف أمام الأباتي بولس نعمان، لا لنعدد سنوات عمره أو مسؤولياته ومواقعَه، بل لنستعيد معنى رجلٍ آمن بأن الكهنوت والرهبنة ليسا ابتعادًا عن الإنسان، ولا هروبًا من قضايا الوطن، بل التزامًا أعمق بخدمة الإنسان والدفاع عن كرامته وحريته وأرضه.
رحل الأباتي بولس نعمان، لكن صوته وفكره وشهادته ستبقى حاضرة في الذاكرة اللبنانية.

Advertisement

منذ أن اختار طريق الرهبنة، حمل في قلبه ذلك التلازم بين الإيمان والرسالة. دخل الدير باكرًا، ونما في رحاب الرهبانية اللبنانية المارونية، ثم تابع دراساته وتكوينه الفكري، قبل أن يصبح واحدًا من أبرز وجوهها، ويتولى رئاسة الرهبانية بين عامي 1980 و1986.
لكن الأباتي بولس لم يرَ الرهبنة جدرانًا تفصل الراهب عن وطنه. كان يرى أن الراهب، وإن كان عابرًا في هذه الدنيا، يحمل مسؤولية تجاه الإنسان الذي يعيش فيها. ولذلك لم يكن غريبًا أن يختار في كتاباته عبارة تختصر الكثير من مسيرته: الإنسان، الوطن، الحرية.
هذه الكلمات الثلاث لم تكن بالنسبة إليه مجرد عناوين فكرية، بل كانت مشروع حياة.
كان رجلًا روحيًا، لكنه لم يكن منفصلًا عن هموم الناس. وكان رجل فكر، لكنه لم يحبس الفكر في الكتب. وكان رجل وطن، لكنه لم يتعامل مع الوطنية كشعار، بل كمسؤولية والتزام.
وفي أصعب مراحل لبنان، وجد نفسه في قلب الأحداث الوطنية، خصوصًا خلال مرحلة الحرب اللبنانية وما سبقها. وقد وثّق في مذكراته تجربته وشهادته على مرحلة امتدت من أواخر الستينات إلى عام 1982، وهي شهادة تحمل، بطبيعة الحال، رؤيته الخاصة للأحداث وقراءته لها. وهنا بالذات تظهر إحدى سمات شخصيته.
لقد كان الأباتي بولس نعمان مقتنعًا بأن الرهبان ليسوا خارج التاريخ، وأن الصمت أمام الأخطار التي تهدد الإنسان والوطن لا يمكن أن يكون دائمًا فضيلة.
قد يختلف اللبنانيون معه في بعض مواقفه السياسية أو في قراءته لبعض مراحل الحرب، وقد تختلف الأجيال في تقييم تلك المرحلة وما رافقها من خيارات وصراعات. لكن ما يصعب إنكاره هو أن الرجل عاش ما آمن به، ودفع من حياته وراحته وعلاقاته ثمن مواقفه وقناعاته. وهذا هو معنى الشهادة الوطنية عنده.
أما روحيًا، فكان ابن مدرسة مارونية عريقة، مدرسة ترى في الرهبنة اللبنانية امتدادًا لتاريخ طويل من الصلاة والعمل والتعليم وخدمة الإنسان. ولذلك لم يكن إيمانه منفصلًا عن ثقافة الأرض والحرية والكرامة. وكان يرى في المارونية رسالة تتجاوز حدود الطائفة، وقد عبّر عن ذلك في إحدى مداخلاته بقوله إن المارونية كانت ولا تزال حاضرة وفاعلة في محيطها روحيًا وفكريًا وحياتيًا.
ولذلك فإن خسارة الأباتي بولس نعمان ليست خسارة الرهبانية اللبنانية المارونية وحدها. إنها خسارة لذاكرة وطنية كاملة، خسارة لجيل عرف فيه راهبًا لا يخاف من السؤال، ومفكرًا لا يخشى النقاش، ووطنيًا لا يتردد في التعبير عن قناعاته.
لقد كان من أولئك الذين أدركوا أن لبنان لا يعيش فقط بالسياسة، ولا فقط بالاقتصاد، ولا فقط بالسلاح والقوة، بل يعيش قبل كل شيء بما يختزنه أبناؤه من إيمان بالإنسان والحرية والعيش المشترك.
قد يختلف الناس في السياسة، لكنهم يلتقون أمام الموت. وقد تختلف القراءات حول الماضي، لكن تبقى الشهادة جزءًا من ذاكرة الوطن. وأنت تركت شهادتك مكتوبة، وتركْتَ صوتك مسموعًا، وتركْتَ في الرهبانية وفي الجامعة وفي الحياة الوطنية أثرًا لا يُمحى بسهولة. رحلتَ عن هذه الأرض، لكنك لم ترحل عن الذاكرة.
ستبقى في ذاكرة الرهبان الذين عرفوك، وفي ذاكرة الذين رافقوك، وفي صفحات الكتب التي كتبتها، وفي الأسئلة التي أثرتها حول الإنسان والوطن والحرية، وفي تاريخ مرحلة لبنانية كنت واحدًا من شهودها وصانعي بعض فصولها.
نودّعك اليوم بكلمة واحدة تختصر كل الكلمات:
شكرًا، شكرا لأنك عشت إيمانك رسالة.
شكرًا لأنك حملت الرهبنة مسؤولية، لا مجرد رتبة.
شكرًا لأنك جعلت من الفكر خدمة، ومن الوطن قضية، ومن الحرية قيمة.
وشكرًا لأنك، في زمن كان الصمت فيه أسهل من الكلام، اخترت أن تشهد.
ارقد في سلام، أيها الأباتي بولس.
وليتقبل الرب خادمه الذي أمضى حياته بين مذبح الكنيسة ومذبح الوطن. ولتكن صلاتنا الأخيرة من أجله أن يسمع صوت الرب القائل:"نِعِمّا أيها العبد الصالح والأمين... ادخل إلى فرح سيدك."
رحمك الله، وأسكنك ملكوته، ولتكن ذكراك بركة للرهبانية، وللكنيسة، وللبنان الذي أحببتَه، ودافعت عنه، وحملت همّه حتى آخر العمر.
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق