تحل خلال شهر سبتمبر ذكرى واحدة من أهم المحطات فى التاريخ الإسلامى، وهى هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة سنة 622 ميلاديًا، تلك الرحلة التى لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وإنما شكلت بداية مرحلة جديدة فى تاريخ الدعوة الإسلامية، وأصبحت فيما بعد أساسًا للتقويم الهجرى.
وبحسب ما أورده كتاب «الرحيق المختوم» للمباركفورى وما رواه ابن إسحاق، فإن خروج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته فى مكة كان فى أواخر شهر صفر، وتشير إحدى أشهر عمليات المطابقة بالتقويم الميلادى إلى سبتمبر سنة 622، فيما تباينت روايات أهل السيرة فى تحديد التاريخ الدقيق لبعض مراحل الرحلة، خاصة يوم الوصول إلى قباء ودخول المدينة.
لماذا خرج الرسول من مكة؟
جاءت الهجرة بعد سنوات من الدعوة فى مكة وما تعرض له الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون من أذى واضطهاد، ومع دخول عدد من أهل يثرب فى الإسلام، بدأت تتشكل أرض جديدة يمكن أن تستقبل المسلمين وتوفر لهم قدرًا من الأمن والاستقرار.
وكانت بيعتا العقبة من المحطات المهمة التى سبقت الهجرة، ثم بدأ المسلمون فى مغادرة مكة تباعًا إلى يثرب، قبل أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم بصحبة أبى بكر الصديق رضى الله عنه.
ليلة الخروج من مكة
تذكر كتب السيرة أن قريشًا اجتمعت للتخلص من الرسول صلى الله عليه وسلم، واختارت مجموعة من شباب القبائل لمحاصرة بيته، بينما خرج النبى من مكة، وظل على بن أبى طالب رضى الله عنه فى فراشه.
واتجه الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبى بكر إلى غار ثور جنوب مكة، على خلاف الطريق المعتاد المؤدى شمالًا إلى المدينة، فى خطوة هدفت إلى تضليل من كانوا يبحثون عنهما.
وظلا داخل الغار عدة أيام، وكان عبد الله بن أبى بكر يتابع أخبار مكة وينقلها إليهما، فيما كانت أسماء بنت أبى بكر تحمل إليهما الطعام، وتولى عامر بن فهيرة رعى الأغنام وإخفاء آثار الحركة فى المنطقة.
من كان دليل الرسول فى طريق الهجرة؟
استعان الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بعبد الله بن أريقط دليلًا للطريق، رغم أنه لم يكن مسلمًا فى ذلك الوقت، لما عرف عنه من خبرة وأمانة ومعرفة بمسالك الصحراء.
وسلك بهم طريقًا غير معتاد بمحاذاة الساحل، بعيدًا عن الطريق التقليدى الذى كانت تسلكه القوافل بين مكة والمدينة، وتشير روايات ابن إسحاق إلى عدد من المواقع التى مر بها الركب خلال هذه الرحلة.
متى كانت الهجرة النبوية بالتقويم الميلادى؟
ترتبط الهجرة فى المصادر التاريخية بشهر سبتمبر من عام 622 ميلاديًا، لكن تحديد يوم واحد بوصفه «يوم الهجرة» يحتاج إلى التمييز بين أكثر من مرحلة: الخروج من البيت فى مكة، ومغادرة منطقة مكة بعد الإقامة فى غار ثور، والوصول إلى قباء، ثم دخول المدينة.
ويرجح المباركفورى أن خروج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته كان ليلة 27 صفر، ويورد مطابقة لذلك مع 13 سبتمبر 622، ثم انطلق من الغار فى بداية ربيع الأول، ووصل إلى قباء يوم اثنين فى الشهر نفسه.
أما فى روايات السيرة القديمة، فهناك اختلاف فى تحديد يوم الوصول إلى قباء؛ إذ روى ابن إسحاق أنه كان بعد مضى اثنتى عشرة ليلة من ربيع الأول، بينما وردت روايات أخرى تذكر اليوم الثامن أو أيامًا أخرى من الشهر، وهو ما يجعل من الأدق عند تحويل الحدث إلى التقويم الميلادى الحديث الحديث عن «سبتمبر 622» مع بيان الرواية التى يعتمد عليها التاريخ المحدد.
الوصول إلى قباء
وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قباء، الواقعة فى أطراف يثرب آنذاك، وأقام بها، وارتبطت هذه المرحلة ببناء مسجد قباء، الذى يعد من أقدم المساجد فى الإسلام.
ويذكر ابن إسحاق أن الرسول قدم قباء يوم الاثنين، وأن أهل المدينة كانوا ينتظرون وصوله بعد أن بلغهم خبر خروجه من مكة.
من قباء إلى قلب المدينة
بعد إقامته فى قباء، تحرك الرسول صلى الله عليه وسلم نحو المدينة، وأدركته صلاة الجمعة فى الطريق، ثم واصل المسير، وسط استقبال أهل يثرب للمهاجرين وبدء مرحلة جديدة فى تاريخ المدينة.
ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وصوله عند أبى أيوب الأنصارى، وبدأ بعد ذلك بناء المسجد النبوى، لتتحول المدينة إلى مركز للدولة والمجتمع الإسلامى الناشئ.
هل بدأ التقويم الهجرى يوم وصول الرسول إلى المدينة؟
من المعلومات التى يختلط فهمها أحيانًا أن السنة الهجرية لم تبدأ تاريخيًا فى اليوم الذى وصل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كما أن الهجرة نفسها لم تقع فى شهر محرم.
فقد وقعت رحلة الهجرة فى ربيع الأول، بينما اتُخذ عام الهجرة لاحقًا نقطة بداية للتقويم الإسلامى فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وجُعل شهر المحرم أول شهور السنة الهجرية.
ومن هنا فإن الأول من محرم هو بداية السنة الهجرية، وليس اليوم الذى خرج فيه الرسول من مكة أو اليوم الذى وصل فيه إلى المدينة.
الهجرة نقطة تحول فى التاريخ الإسلامى
مثلت الهجرة تحولًا كبيرًا فى مسار الدعوة الإسلامية، إذ انتقل المسلمون بعدها من مرحلة الاستضعاف فى مكة إلى تأسيس مجتمع جديد فى المدينة، ونشأت علاقات جديدة بين المهاجرين والأنصار، وبدأ تنظيم شئون المجتمع الذى أصبح مركزًا لانتشار الإسلام فى السنوات التالية.
ولهذا لم يكن اختيار الهجرة أساسًا للتاريخ الإسلامى مرتبطًا فقط برحلة مكانية بين مكة والمدينة، وإنما بما مثله الحدث من انتقال إلى مرحلة جديدة فى تاريخ المسلمين.













0 تعليق