من "علي الطاهر" إلى "المنصوري"... هل يتمدّد الخط الأصفر شمالًا؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
ما يتعرض له الجنوب من قصف وتدمير يومي من قِبل إسرائيل هو خطر بحدّ ذاته. ولكن الأخطر هو أن يتحوّل هذا القصف وذاك التدمير إلى واقع جغرافي، وأن يتحول كل ذلك إلى حدود، وإن غير معترف بها، وأن يصبح ما كان يُقال عنه "خطًا أمني مؤقت" أمرًا واقعًا دائمًا. من هنا، لا يمكن النظر إلى ما يجري من "علي الطاهر" إلى "المنصوري"، وامتدادًا إلى النبطية، على أنه مجرد سلسلة عمليات عسكرية منفصلة. هناك شيء ما يتغير على الأرض، والسؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة هو: هل يتمدّد الخط الأصفر شمالًا؟

Advertisement

لا أحد من المراقبين يستطيع، في هذه اللحظة، أن يجزم بأن قرارًا إسرائيليًا رسميًا قد اتُخذ لنقل هذا الخط، لكن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال البيانات الرسمية، بل من خلال الوقائع التي تُفرض بالنار. وعندما تُقصف القرى، وتُفجّر المنازل، وتُجرف الأراضي، ويُمنع الأهالي من العودة، وتتحرك الآليات العسكرية في مناطق كانت حتى الأمس خارج نطاق الانتشار الإسرائيلي المباشر، يصبح من الجائز، بل من الضروري، السؤال عمّا إذا كان لبنان أمام محاولة لتوسيع المنطقة الأمنية الإسرائيلية تدريجيًا.
وهنا تصبح المنصوري أكثر من بلدة تتعرض للقصف. تصبح اختبارًا حقيقيًا لما إذا كانت إسرائيل تريد إزالة تهديد أمني محدد، أم أنها تعمل على فرض واقع جديد في الجنوب. فإذا كان الهدف عملية عسكرية موضعية، فلماذا هذا الحجم من التدمير، ولماذا الإصرار على إبقاء مناطق كاملة في حالة فراغ سكاني، ولماذا تتكرر العمليات بطريقة تجعل العودة إلى بعض القرى مهمة شديدة الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة؟ ففي الحروب هناك فرق كبير بين أن تُقصف منطقة وأن يُعمل على تغيير شروط الحياة فيها. الأولى عملية عسكرية، أما الثانية فهي صناعة أمر واقع.
والمشكلة أن لبنان قد يكون أمام واقع أخطر من مجرد القصف. فالخطوط العسكرية لا تبقى دائمًا خطوطًا عسكرية، خصوصًا عندما تطول مدة بقائها وتصبح الحياة خلفها مستحيلة. إسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي لنقل الخط الأصفر. يكفيها أن تجعل الاقتراب من منطقة معينة خطرًا، وأن تمنع سكانها من العودة، وأن تدمر البنية العمرانية فيها، وأن تفرض على الجيش والقوى الدولية واقعًا ميدانيًا جديدًا. عندها تصبح الخريطة موجودة، حتى لو لم تُرسم بالحبر، انما ترسمها الدبابات.
من هنا، لا يجوز للبنان أن يتعامل مع ما يجري في المنصوري وعلي الطاهر وسواهما وكأنه مجرد تفاصيل أمنية يومية. القضية لم تعد فقط قضية سلاح "حزب الله"، ولا قضية انتشار الجيش، ولا حتى قضية تطبيق الاتفاقات والقرارات الدولية. القضية أصبحت أكبر بكثير، وهي السؤال عن الجهة التي ترسم حدود الجنوب؟
وهذا السؤال يذهب مباشرة إلى قلب الأزمة السياسية. فالدولة اللبنانية مطالبة اليوم بأن تكون أكثر من جهة تصدر بيانات الإدانة. البيان الرسمي، مهما كان قويًا، لا يوقف دبابة، والإدانة، مهما كانت مرتفعة النبرة، لا تعيد منزلًا إلى أصحابه، والحديث عن السيادة لا يكفي إذا كانت الجغرافيا اللبنانية تُعاد صياغتها بالنار. مسؤولية الدولة ليست فقط في تنفيذ ما عليها من التزامات، وإنما أيضًا في منع تحويل هذه الالتزامات إلى ذريعة لتثبيت واقع إسرائيلي جديد داخل الأراضي اللبنانية.
وهنا تكمن المفارقة التي لا يجوز للبنان أن يتجاهلها، إذ يُطلب منه أن يثبت أنه دولة، وأن يحصر السلاح، وأن يعزز انتشار جيشه، وأن يلتزم بالاتفاقات. وهذا، من حيث المبدأ، هو الطريق الطبيعي لاستعادة الدولة لقرارها وسيادتها. لكن لا يمكن أن تكون نتيجة استعادة الدولة لقرارها بأن يجد لبنان نفسه أمام منطقة أمنية إسرائيلية آخذة في الاتساع.
المشكلة أيضًا أن الحديث عن "الخط الأصفر" قد يوحي بأنه مجرد مصطلح عسكري تقني، فيما الحقيقة أن كل خط ترسمه قوة عسكرية على الأرض يمكن أن يتحول، إذا طال أمده، إلى حدود سياسية غير معلنة. ولهذا يجب أن يكون لبنان شديد الحذر في هذه المرحلة، لأن المطلوب ألا تتحول الهدنة إلى غطاء لصناعة منطقة عازلة جديدة، وألا يتحول الانسحاب الجزئي إلى إعادة تموضع، وألا يصبح "الخط المؤقت" أكثر ديمومة من الدولة نفسها.
والجنوب ليس مساحة فارغة يمكن لأي طرف أن يعيد رسمها كما يشاء. هناك قرى وأهل وأراضٍ وتاريخ، وهناك دولة يفترض أنها صاحبة السيادة. ومن المنصوري إلى علي الطاهر، الرسالة التي يجب أن تصل إلى الداخل والخارج في شكل واضح، وهي أن اللبنانيين يريدون دولة واحدة وسلطة واحدة على أرضهم، لكنهم لا يقبلوا أن يكون ثمن بناء هذه الدولة اقتطاع مناطق من جغرافيته لحساب أمن دولة أخرى.
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق