يتصاعد التوتر السياسي في إيران على نحو لافت، وسط تحركات ومواقف متزامنة للرئيسين السابقين حسن روحاني ومحمد خاتمي، إلى جانب رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبرز وجوه "الحركة الخضراء" مير حسين موسوي. وفي توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى طهران، بدأت خطوط اشتباك داخلي ترتسم حول المفاوضات مع واشنطن، وإدارة المواجهة، ومسؤولية القرارات التي اتُخذت خلال المرحلة الماضية، فيما تتزايد المخاوف داخل دوائر النظام من محاولة دفع هذا الصراع خارج إطاره السياسي ونقله إلى الشارع.
وتقول مصادر مطلعة إن ما يجري لم يعد يُقرأ داخل دوائر القرار بوصفه مجرد اختلاف حول السياسة الخارجية، بل ثمة من يرى محاولة لاستثمار الضغوط التي تتعرض لها البلاد وحالة الاستنزاف القائمة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، ورفع سقف الاعتراض على النظام وسياساته في مرحلة شديدة الدقة.
وفي قلب هذه المواجهة يعود ملف التفاوض مع
الولايات المتحدة. فالمعسكر المحسوب على روحاني يدفع باتجاه إبقاء باب المفاوضات مفتوحاً مهما تعقدت الظروف، وينطلق من أن استمرار المواجهة سيقود إلى أثمان أكبر على
إيران. أما خصومه فيتهمونه وفريقه بالسعي إلى التفاوض لمجرد إبقاء المسار التفاوضي قائماً، والاستعداد للذهاب بعيداً في تقديم التنازلات في ملفات تعتبرها طهران أوراق قوة استراتيجية، مقابل الوصول إلى تسوية مع واشنطن.
لكن الاشتباك لم يعد محصوراً بالتفاوض. ففي الأيام الأخيرة ارتفع سقف الخطاب بصورة لافتة، وبدأ التصويب يطال شخصيات كبيرة ومراكز أساسية في النظام، مباشرة حيناً، ومن خلال تحميلها مسؤولية الخيارات والنتائج حيناً آخر. وهو ما أثار ردود فعل واسعة في الداخل، خصوصاً مع اعتبار خصوم هذا المعسكر أن المسألة انتقلت من الاعتراض على قرارات محددة إلى فتح مواجهة مع النهج الذي يحكم الدولة نفسها.
ويزيد تزامن مواقف روحاني وموسوي وخاتمي من حساسية المشهد. فالأسماء الثلاثة ليست طارئة على الصراع السياسي
الإيراني، ولكل منها ثقله وحضوره داخل التيارات الإصلاحية والمعارضة للنهج المتشدد، الأمر الذي يجعل تحركها في توقيت متقارب موضع متابعة دقيقة، ولا سيما أن موسوي ارتبط اسمه بأحداث عام 2009 و"الحركة الخضراء" التي أخرجت الخلاف السياسي يومها من المؤسسات إلى الشارع.
وتشير المصادر إلى أن الخشية الأساسية داخل دوائر النظام لا تتعلق ببيان أو موقف سياسي بحد ذاته، وإنما بتراكم خطاب يحمّل السلطة مسؤولية الحرب والضغوط الاقتصادية والتداعيات التي أصابت حلفاء إيران في المنطقة، بما يهيئ بيئة قابلة للاحتجاج في الداخل. ومن هنا تأتي الاتهامات الموجهة إلى هذا المعسكر بمحاولة رفع مستوى الاحتقان الشعبي وتحويل الخلاف حول إدارة المواجهة إلى أزمة داخلية أوسع.
وقد برز جانب شديد الحساسية من هذا الخطاب أخيراً مع ربط ما جرى في "تلة علي الطاهر" في
جنوب لبنان بالتصعيد الإيراني في مضيق هرمز واستهداف السفن. ووفق ما يُتداول داخل هذا المعسكر، فإن سقوط التلة جاء ضمن تداعيات خيارات طهران في هرمز، في تحميل واضح للسياسة
الإيرانية جزءاً من مسؤولية ما أصاب حلفاءها في ساحات أخرى.
هذا الربط تحديداً فاقم التشنج في الداخل الإيراني، إذ يرى خصوم روحاني أن استخدام تطورات الميدان في
لبنان لضرب خيارات طهران الإقليمية لا ينفصل عن المعركة الدائرة حول المفاوضات. وبالنسبة إليهم، يجري بناء رواية تقول للإيرانيين إن استمرار المواجهة لا يستنزف بلادهم فحسب، بل يرتد أيضاً على حلفائها، وإن الطريق الوحيد لوقف هذا المسار هو العودة إلى التفاوض وتقديم ما يلزم للوصول إلى اتفاق.
وانعكس الانقسام على الإعلام الداخلي الذي تحوّل بدوره إلى ساحة للاشتباك، مع ارتفاع حدة الاتهامات بين المعسكرات السياسية واتساع
النقاش حول المسؤولية عن المرحلة التي وصلت إليها البلاد. ولم يعد السؤال المطروح يتعلق بالحرب أو المفاوضات وحدهما، بل بالاتجاه الذي ستسلكه إيران تحت وطأة الضغوط المتراكمة.
لهذا تبدو المعركة التي تتشكل في الداخل أبعد من خلاف بين فريق يريد التفاوض وآخر يرفضه. إنها مواجهة على المرحلة المقبلة نفسها، وعلى من يتحمل مسؤولية ما وصلت إليه البلاد، ومن يحدد شروط الخروج من المواجهة، والأهم ما إذا كان الضغط الخارجي سيدفع طهران إلى تسوية مع واشنطن، أم سيفتح قبل ذلك مواجهة سياسية أشد خطورة في الداخل الإيراني.
0 تعليق