كيف ساهم المسيحيون في جعل العربية لغة للعلم؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قال الأب جون جبرائيل الدومنيكاني، المتخصص في اللاهوت العقيدي إن الحديث عن التراث العربي المسيحي غالبًا ما يستدعي إلى الذهن الإنجيل واللاهوت والجدل الديني، غير أن إسهام المسيحيين في الحضارة العربية تجاوز بكثير مجال الكتابات الدينية؛ إذ شارك علماء وأطباء ومترجمون مسيحيون في مشروع معرفي واسع أسهم في نقل الطب والفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك من اليونانية والسريانية إلى العربية.

وأوضح، في دراسة له، أن بغداد في العصر العباسي شهدت نشاطًا علميًا وترجميًا واسعًا، شارك فيه عدد من العلماء المسيحيين الذين امتلكوا معرفة باللغات اليونانية والسريانية والعربية.

 وخلال أجيال قليلة، أصبحت العربية قادرة على استيعاب مؤلفات كبار علماء العالم القديم، مثل جالينوس وأبقراط وأرسطو وإقليدس، بعدما كانت تستخدم بصورة أساسية في الإدارة والشعر والكتابة الدينية.

وأضاف أن هذه الحركة لم تبدأ من الصفر؛ فقبل ظهور الإسلام بقرون، كان المسيحيون السريان قد نقلوا عددًا كبيرًا من المؤلفات اليونانية، خصوصًا في الطب والفلسفة، إلى السريانية، وعندما أصبحت العربية اللغة الرئيسية للدولة العباسية، وجد خلفاء هذا التراث أنفسهم في موقع مهم، إذ كانوا يجمعون بين معرفة السريانية والعربية، وأحيانًا اليونانية أيضًا.

وأشار إلى أن عملية الترجمة لم تكن تسير دائمًا في طريق واحد يبدأ باليونانية ثم ينتقل إلى السريانية فالعربية؛ فقد ترجمت بعض المؤلفات مباشرة من اليونانية إلى العربية، بينما انتقلت مؤلفات أخرى عبر السريانية، التي ظلت بدورها لغة علم ومعرفة حية في الأوساط المسيحية.

حنين بن إسحاق.. المترجم الذي تعامل مع النص بوصفه مخطوطًا يحتاج إلى تحقيق

وأكد الأب جون جبرائيل أن الطبيب المسيحي حنين بن إسحاق، الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، يمثل واحدًا من أبرز وجوه هذه الحركة العلمية، ومن أهم ما تركه «رسالة حنين بن إسحاق إلى علي بن يحيى في ذكر ما تُرجم من كتب جالينوس»، وهي وثيقة تكشف الكثير عن طبيعة العمل الذي كان يقوم به المترجمون في ذلك العصر.

وأوضح أن حنين لم يكتفِ بتسجيل أسماء الكتب التي ترجمها، بل تحدث عن مصادرها ونسخها وحالتها، وذكر أحيانًا من سبقه إلى ترجمتها، ومدى جودة تلك الترجمات، وعدد النسخ اليونانية التي استطاع الوصول إليها، ومن طلب منه إنجاز الترجمة، وما إذا كان ينقل الكتاب إلى السريانية أم إلى العربية.

وأضاف: أن حنين روى أنه ترجم في شبابه أحد مؤلفات جالينوس اعتمادًا على نسخة يونانية واحدة لم تكن جيدة. وبعد سنوات، عندما أصبحت لديه نسخ أخرى، قارن بينها وحاول الوصول إلى نص أكثر دقة، ثم عاد إلى ترجمته القديمة وأصلحها.

ويرى الأب جون أن هذه الواقعة تكشف أن عمل المترجم لم يكن مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، وإنما كان يتطلب أولًا التأكد من النص نفسه، ومقارنة نسخه المختلفة، ثم اختيار القراءة الأكثر دقة، ومن هذه الزاوية، تبدو منهجية حنين قريبة، في بعض جوانبها، من عمل محققي النصوص في العصر الحديث.

رحلة البحث عن مخطوط جالينوس

ولفت إلى واقعة أخرى تكشف حجم الجهد الذي كان يقف خلف حركة الترجمة، إذ أراد حنين ترجمة كتاب لجالينوس في «البرهان»، لكنه لم يتمكن من العثور على نسخة كاملة منه. ولذلك بدأ رحلة طويلة بحثًا عن مخطوطاته، متنقلًا بين العراق وسوريا وفلسطين ومصر، ووصل إلى الإسكندرية، لكنه رغم ذلك لم يتمكن من جمع الكتاب كاملًا.

ويؤكد الأب جون أن هذه القصة تضع حركة الترجمة في سياقها الحقيقي؛ فلم يكن الأمر مجرد مترجم يجلس أمام كتاب وينقله إلى العربية، بل كانت هناك رحلات للبحث عن المخطوطات، ومقارنة بين النسخ، وشبكات من العلماء والأطباء والمترجمين، إلى جانب رعاة للعلم كانوا يموّلون هذه الجهود.

وفي هذا السياق، يشير إلى ضرورة التعامل بحذر مع الرواية الشائعة التي تختزل حركة الترجمة العباسية كلها في «بيت الحكمة». فبيت الحكمة كان مؤسسة مهمة في بغداد، لكنه لم يكن وحده المسؤول عن النشاط العلمي والترجمي في ذلك العصر. وقد كانت حركة الترجمة أوسع من مؤسسة واحدة، وشارك في دعمها الخلفاء والوزراء والأطباء والعلماء وأسر علمية ثرية، مثل بني موسى.

من نقل العلم إلى صناعة العربية العلمية

وأوضح الأب جون أن حنين لم يكن يعمل منفردًا، فقد واصل ابنه إسحاق بن حنين العمل في ترجمة مؤلفات الطب والفلسفة، كما شارك تلميذه وابن أخته حبيش بن الحسن في عدد من الترجمات العربية.

ومن الأسماء البارزة أيضًا قسطا بن لوقا البعلبكي، وهو مسيحي ملكي، جمع بين الطب والفلسفة والرياضيات والفلك، وترجم وألّف بالعربية.

وأضاف أن تجربة قسطا تكشف جانبًا مهمًا من أثر حركة الترجمة؛ فقد نُسبت إليه ترجمة جزء من كتاب «الحساب» لديوفانتس الإسكندري، وفي بعض الحالات أصبحت الترجمة العربية وسيلة أساسية لحفظ أجزاء من التراث اليوناني التي فُقد أصلها اليوناني.

وبذلك، لم تكن العربية مجرد لغة استقبلت مؤلفات العالم القديم، بل أصبحت في بعض الحالات اللغة التي حفظت لنا نصوصًا لم تعد أصولها اليونانية موجودة.

لكن، بحسب الأب جون جبرائيل، فإن الأثر الأعمق لحركة الترجمة لم يكن مجرد حفظ الكتب، وإنما كان في بناء لغة جديدة قادرة على التعبير عن العلوم والفلسفة فقد واجه المترجمون أسئلة دقيقة: كيف يمكن التعبير بالعربية عن مفاهيم جالينوس المتعلقة بأعضاء الجسد ووظائفها؟ وكيف يمكن نقل مفاهيم البرهان والقياس والنسبة والمقدار؟ وكيف يمكن صياغة المفاهيم المنطقية والفلسفية عند أرسطو؟

وأكد أن المصطلحات العلمية والفلسفية لم تكن كلها جاهزة أمام المترجمين، وإنما جرى اختيار الألفاظ وتجربتها ومراجعتها، ثم استقر بعضها مع كثرة الاستخدام وانتقاله من جيل إلى آخر.

ومن هنا، لم يكن المسيحيون ينقلون العلم إلى العربية فقط، بل كانوا يساهمون أيضًا في تشكيل العربية العلمية والفلسفية نفسها.

من الترجمة إلى التفكير بالعربية

وشدد الأب جون جبرائيل على أن الحديث عن هذا الدور يحتاج إلى قدر من الدقة التاريخية؛ فلا يصح اختزال الحضارة الإسلامية في دور المسيحيين وحدهم، كما لا يصح، في المقابل، اختزال حركة الترجمة في عبارة «العرب ترجموا اليونان» بما يؤدي إلى اختفاء أسماء المترجمين وخلفياتهم.

وقال إن حركة الترجمة نشأت داخل المجتمع العباسي، وشارك في تمويلها مسلمون ومسيحيون، وأسهم فيها علماء من خلفيات دينية وثقافية متعددة. وفي هذا الإطار، كان للمسيحيين دور بارز، مستفيدين من تراثهم السرياني ومعرفتهم باللغات وخبرتهم المتراكمة في الطب والفلسفة.

وأشار إلى أن هذه المرحلة تمثل تحولًا مهمًا في تاريخ التراث العربي المسيحي؛ ففي البداية كان المسيحي يترجم إلى العربية، ثم أصبح يشرح ويعلّق على ما يترجمه، إلى أن ظهر جيل جديد لم يعد يكتفي بنقل الفكر اليوناني، وإنما بدأ يفكر ويكتب وينتج المعرفة بالعربية نفسها.

ومن أبرز ممثلي هذه المرحلة، بحسب الأب جون جبرائيل، يحيى بن عدي، الفيلسوف المسيحي البغدادي الذي أصبح واحدًا من كبار فلاسفة عصره، ودرس على يديه مسلمون ومسيحيون، وكتب في المنطق والأخلاق والفلسفة واللاهوت.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق