أحمد بهاء الدين

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الجمعة 28/أغسطس/2026 - 02:40 م 8/28/2026 2:40:55 PM

تهل علينا هذه الأيام الذكرى الثلاثون لوفاة الكاتب الصحفى الكبير أحمد بهاء الدين، ولا أبالغ إذا قلت إنه بحق أحد أهم رموز الصحافة والفكر فى النصف الثانى من القرن العشرين، ليس فقط على المستوى المصرى، وإنما أيضًا فى العالم العربى.

وقصتى مع أحمد بهاء الدين معقدة ومركبة، يختلط فيها الشخصى والموضوعى، من هنا تتداخل انطباعات محمد عفيفى الإنسان، مع تحليله التاريخى. وبداية لا بد من الإشارة إلى أننى لم أحظَ بلقاء الأستاذ بهاء وجهًا لوجه، ومع ذلك فهو أكثر كاتب صحفى ترك أثرًا فى فكرى ونمط تفكيرى، بل أسلوب الكتابة. والأمر المثير أن بداية تعرفى على قلم بهاء كانت أثناء غربته فى الكويت، ومن خلال مجلة العربى الكويتية، التى ترأس تحريرها- على ما أذكر- فى النصف الثانى من السبعينيات. أتذكر أننى كنت أنتظر يوم صدور المجلة بشغف، وأسعى إلى بائع الجرائد الشهير أمام المعهد الفنى بشبرا؛ لكى أسأل عنها. وكثيرًا ما كان رد البائع: «على وصول»، ولم أكن أبرح مكانى حتى وصول السيارة التى تحمل أعداد «العربى». كانت العربى آنذاك- بالنسبة لفتى مثلى- تمثل وجبة ثقافية دسمة وشهية، كانت العربى بحق أهم مجلة ثقافية فى العالم العربى. كنت أستمتع بمقالات أحمد بهاء الدين، وعشقت أسلوبه، وعمق فكره، كما أشهد أننى استمتعت، أيضًا، بالتحقيقات المصورة لفهمى هويدى عن المسلمين فى العالم.

وكانت المتعة الكبرى لى مع عودة بهاء إلى مصر، فى مطلع الثمانينيات، والعشق والولَه لعموده فى الأهرام «يوميات». وأشهد أننى تعلمت من اليوميات فن كتابة العمود الصحفى، وكيف تصل أفكارك إلى القارئ بأقل قدر ممكن من الكلمات. كانت.. اليوميات.. بالنسبة لى هى مدرسة فن الكتابة الرشيقة والعميقة، والمختصر المفيد. وعلمت من بعض أصدقائى فى الجامعة أن بهاء يسكن فى حى الدقى، وتخيلت نفسى أذهب إليه، وأتناقش معه فى كل عمود يكتبه. وفى الصيف كان بهاء يشير إلى أنه يكتب مقالاته من «أبوتلات- العجمى»، وتمنيت أن أكون فى صحبة الأستاذ، ورحت أسأل: أين توجد أبوتلات؟! وعندما انتقلت للسكن فى حى الدقى رحت أسأل أين كان يعيش الأستاذ بهاء؟ ودلتنى على المكان أسرة بهاء الدين، ولكن معالم المكان كانت- كأشياء كثيرة- قد تغيرت.

ولم تكن مقالات بهاء وحدها هى مفتاحى لعالم الأستاذ السحرى، أتذكر أننى فى مرحلة الشباب تعرفت مبكرًا على كتب أحمد بهاء الدين. وكان أول كتاب جذب اهتمامى هو «أيام لها تاريخ»، ربما أصبح هذا الكتاب الآن «كلاسيكيًا»، لكن فى زمنه كان بمثابة قراءة أخرى للتاريخ، مع الأسلوب الرشيق العميق، والعناوين المختلفة والدالة. كذلك أتذكر كتابه المهم والرائد آنذاك «إسرائيليات»، الذى كان بمثابة كتابة عميقة وموضوعية، وليست دعائية أو ديماجوجية، من أجل معرفة حقيقية عن العدو. وطوَّر بهاء هذا الكتاب بعد هزيمة ٦٧، حيث أصدر منه طبعة جديدة ومنقحة «إسرائيليات وما بعد العدوان». وربما ساعد هذا الكتاب فى حدوث نقلة نوعية فى مجال الإسرائيليات، وظهور جيل جديد، وكتابات مختلفة، أكثر عمقًا وموضوعية.

رحم الله الأستاذ بهاء، وحسرتى أننى لم ألتقِ به وجهًا لوجه.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق