صدرت حديثًا عن دار العين للنشر، النسخة العربية لرواية «أيوب.. قصة رجل بسيط»، للكاتب النمساوي يوزف روت، ومن ترجمة آية عبد الحكيم.
رواية أيوب.. قصة مركبة لرجل بسيط
في هذه الرواية ـ وفقًا للجنة النشر بدار العين ـ يعبر يوزف روت بشاعرية فريدة عن حياة تبدو بسيطة من بعيد، لكننا حين نقترب منها نكتشف كم هي مركبة وقاسية ومتقلبة.
كما نجد للعنوان الأصلي في رواية روت «أيوب» بُعده التأويلي؛ حيث إن التناص مع السفر التوراتي الذي يحمل الاسم نفسه لا بد أن يجعلنا نتوقف عند العنوان الفرعي: «قصة رجل بسيط». الإنسان البسيط العادي غير الموجود على الجبهة، سواء كانت شرقية أو غربية، والذي يعاني قسرًا مما يحدث على الجبهة، إلى جانب ما يلمّ به في حياته الشخصية من نوائب ونكبات.
أيوب.. عمل هائم على تخوم الأسطورة
تبدو رواية يوزف روت عملًا هائمًا على تخوم الأسطورة الدينية، مغزولًا بسرد واقعي لا يستحضر الحكاية التوراتية بصفتها قالبًا جاهزًا، بل بصفتها معراجًا إلى تقطير الإيمان، وكذلك مزحة فظة مضنية ومنطقية في سياقها، مزحة من الجَلَد والصمود والتعزية.
ميندل زينجر، بطل الرواية، يمشي في ظل عباءة أيوب بأناة المطمئن، كأن حياته طقس تعبدي لا غير. غير أن التثبت والصبر كانا قمة جبل الجليد؛ الرسوخ الذي سيُختبر لاحقًا بمتوالية من الضربات العنيفة: المرض، الفقد، الفضيحة، الهجرة، الحرب، الموت، الانهيار، الجنون.. والانتظار.
ومن ثمّ يتبدى الفارق الجوهري في دور روت في الحكاية وفي فكرة البلاء؛ فبدلًا من أن يكون الألم والبلية اختبارين إلهيين لهما مقصد وحكمة، يصبح الأمر تجربة وجودية عاصفة ومعضلة مغلقة؛ مما جعل العلاقة بين الإنسان والإله تتمادى في تآكلها.
إن اللغة التي اعتمدها روت كانت جزءًا من هذا التطور الدلالي للفكرة، فقد جاءت مقتصدة وشفافة، وبالطريقة ذاتها التي كان يمشي بها زينجر في ظل أيوب، جاءت اللغة مطعمةً بنغمة توراتية خافتة ما انفكت طوال النص عن التجلي.
غير أن هذا، عند روت، ومن خلال معطيات وجود زينجر، ليس معززًا للطمأنينة المعهودة في نبرة أيوب إذ قال: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ»، بل مضاعفًا للتوتر؛ فما إن يستدعي القارئ بنية الخلاص المعروفة، إلا ويستبعدها أو يشكك فيها، مما جعل التناص مع السفر التوراتي تناصًا هوسرليًا: ليس مجرد استحضار أو استعادة، ولكن من أجل الرد والتفكيك والمساءلة.
أيوب.. رواية تُقرأ كنوع من المعجزة
ولعل أبرز إنجازات الرواية يتمثل في إدارتها لفكرة الغياب. فالشخصيات لا تختفي تمامًا، بل تظل عالقة في نسيج السرد، حاضرة بوصفها أثرًا أو احتمالًا. الابن المفقود، يوناس مثلًا، لا يُمحى من العالم الروائي، بل يتحول إلى نقطة جذب خفية تعيد تنظيم المعنى.
وبهذا، يقترب روت من تصور يتجاوز الواقعية المباشرة، دون أن يسقط في الرمزية الصريحة؛ إنه يكتب عالمًا يكون فيه الفقد شكلًا من أشكال الحضور المؤجل.
الهجرة إلى أمريكا تمثل بدورها لحظة انكسار مضاعف. فهي لا تقتصر على الانتقال الجغرافي، بل تُحدث تصدعًا في البنية الرمزية لحياة البطل. في العالم الجديد، يفقد ميندل ليس فقط أبناءه، بل أيضًا اللغة التي كان يفهم بها العالم.
هنا، تتكشف الحداثة لا بوصفها تقدمًا، بل كقوة تعرية، تُجرد الإنسان من أدواته القديمة دون أن تمنحه بدائل مستقرة.
ومع ذلك، لا تنتهي الرواية عند العدم. فالنهاية، التي قد تُقرأ كنوع من «المعجزة»، تظل ملتبسة: هل هي استعادة حقيقية للنظام بما قد ينطوي عليه من إنصاف، أم تعويض متأخر لا يمحو أثر الكارثة؟ الإجابة مفتوحة، فليس للإنسان عزاء كامل تحت الشمس.













0 تعليق